بُنيـة الشريعة الخُلقيّة

يؤطّر وائل حلّاق نفسه بمؤطّرات يصرّح ببعضها، ويضمر بعضها؛ لبناء نموذجه النظري بغية دراسة المعطيات التي بين يديه، نحو: الشريعة، الاستشراق، الأخلاق، نقد الحداثة، طه عبد الرحمن... وغيرها من الموضوعات. ومن ضمن المؤطّرات التي صرّح بها، وظهرت جليّة في جلّ أعماله: التأطير بأدوات ومفاهيم ميشيل فوكو عن: الخطاب، والذات، والأخلاق، وعلاقة القوة بالمعرفة. كما تشي تحليلاته أنه يتبنّى رؤية ماركسيّة -لا يشترط أن تكون ماركسيّة خالصة-؛ ومن ذلك تصريحه بتعريف «الحداثة» أنها هي «الرأسمالية والبرجوازيّة». كما يظهر استبطانه لنقد «ما بعد الحداثة» بخلفيّات روّاده ذات النزوع الماركسيّ، والتي بقي منها جانب معرفيّ كبير في الأكاديميا الغربيّة. اعتمد وائل حلّاق كثيراً على ميشيل فوكو في التعامل مع المفاهيم المؤسسة للخطاب، نحو: الذات، الأخلاق، القوّة، المعرفة. فأخذ هذه القوالب المفاهيمية عند ميشيل فوكو، وكذا بعض الآليّات، ثم أسقطها على المادة المستعملة وهي «الشريعة»، مع تصريحه أن استدعاءه للشريعة استدعاءٌ لإصلاح الحداثة إصلاحاً خُلقيّاً، حيث يستدعي نموذجاً خُلقياً، كانت السلطات فيه مفصولة! مع إعادة تعريف «الشريعة» بتعريف مختلف تماماً عن تعريف الوسط المدروس -أي كل المراجع العلمية والاجتماعيّة الإسلامية!-، مغيّراً هذا المفهوم دون مستند علميّ يسوّغ تغييره. وقد أعاد نظم هذا المفهوم -الشريعة- ليتشكّل وفق إطاره النظريّ المسبق، ومن ثمّ يعجنه ليشكّل من خلاله «بُنية»، والتي بوجودها يحكم على دورها الوظيفي وهو: إعادة تشكيل المجتمع خُلقياً، أو موتها بنيوياً -كما كرر هذا مراراً-. ومراده تفصيلاً -في إسقاط واضح لمفاهيم فوكو-: أنّ الأخلاق بُنية، والبُنية هي مجموعة عناصر، تترابط بعلاقات ثابتة، فالعناصر متغيرات، والعلاقات ثوابت، في انطلاق من أصولها الرياضيّة-المنطقيّة. فالشكل التجريدي للبنية عند إسقاطه على الأخلاق -وفق رؤية فوكو- يصبح: ذاتاً مقابل ذات -أي العناصر أو المتغيرات-، والعلاقات بينها علاقات مساواة لا تفاضل، ومن ثمّ تمارس العناصر -الذوات- حريّتها دون توجيه وتسلط قسريّ، وحينها يتشكّل الجانب البنيويّ من الأخلاق، ولكن ينقصها الموجّه القصدي لهذه البنية، وهو توجيهها وفق غاية «مبدأ العناية بالذات» -لا الإله، أو القيم، أو غير ذلك من مصادر الأخلاق المعلومة سابقاً!-؛ وأفضل ممثل لهذا المبدأ هو «النموذج ما قبل السقراطيّ»، وتتم هذه العناية بالذات بتقنيات هي «تقنيات النفس». وبهذه الطريقة تتشكل الأخلاق من الذوات، في بنية تعيد تشكيل المجتمعات من البنية التحتية؛ التي مع الزمن تكوّن بنيتها الفوقيّة الصانعة للقرارات؛ الممثلة لهذه البنية التحتية! أمّا إسقاط النموذج التجريدي للبينة الخُلقية الفوكويّة على «الشريعة» فلا يتمّ عند وائل حلاق إلا بطريقتين، أولاهما كما تقدّم إعادة تعريف الشريعة لتتناسب مع شكل البنية. وثانيتهما: إسقاط شكل البُنية الخُلقية عند ميشيل فوكو على الشريعة. فالذات في علاقتها بالذات في المجال الشرعيّ كانت تتشكل بالتربية والتوجيه والتعليم، دون إكراه، والأوامر في الكتاب والسنّة -مع تغيير وائل لمفهوم السنّة تغييراً تامّاً عن أصله في الفكر الإسلامي برمّته-، مرغبات ومرهبات لا إلزامات! والناس يُحثّون بقيم قرآنية توجههم؛ كالعدالة الإلهيّة. وهذه الذوات بعلاقات المساواة وعدم التفاضل والإكراه تشكّل مع الزمن بنية تحتية لعلاقات اجتماعيّة، وتشريعات تتولد وتصدر من هذا المجتمع! ومن ثمّ تشكّل رأس بنيتها الفوقية الممثلة لسلطة هذا المجتمع. وبهذا تشكّل 90٪ من البنية الخُلقيّة الفوكويّة للشريعة. أمّا الشقّ الآخر الممثل لأصل «العناية بالذات»، فقد صرّح وائل حلّاق أنّه يتجلّى كذلك عبر «تقنيات النفس» وهي «الأحكام الشرعيّة»، أي: الأعمال التعبّدية من صلاة وزكاة وصوم وحج... فهذه باختصار هي «الشريعة» ببنيتها ومكمّلها «تقنيات الذات» -عند وائل حلّاق!-. وعليه، يمكن فهم معنى جملة «موت الشريعة بنيوياً»؛ من حيث أنّ 90٪ من البنية الخُلقية لن يتحقق في زمن الحداثة؛ التي تعيد تشكّل الذوات بالقهر الكاسح لهذا الفكر «الرأسمالي-البرجوازي» تحت لقب «الحداثة». وعندم يزعم وائل حلّاق مدافعته عن الشريعة فهو في الوقت نفسه يدفع «الشريعة» كما فهمها المسلمون -أي يردّها-، بل ويستبدل بها غيرها، لتتسق مع أطاريحه، متحكّماً في الموضوع المدروس! فضلاً عن تخطّيه لأصل دلالة «الأخلاق» في الإسلام، وتكوّنها الفطريّ في الإنسان، ومن ثمّ تجلّيها العملي عند العمل بالشريعة الإسلاميّة، تحت أي بنية كانت. وأن الذوات لا تنتج الأخلاق، ولا التشريعات، وأن القيم ليست نسبيّة، فالقيم والتشريعات الإسلامية ليست منتجاً بشريّاً في أصوله. فلقارئ وائل حلّاق أن يسأل قبل كل نقاش: أي شريعة تقصد؟ وأي أخلاق تقصد؟ وأي تقنيات نفس تقصد في سياق «البنية الخُلقية الفوكويّة»؟ وأخيراً: هل نقد وائل حلّاق لدلالة «الشريعة» عند الاستشراق يمنحه الحقّ بإعادة تعريفها خِلاف حقيقتها عند أهلها؟ فيقع فيما عاب عليه عتاة المستشرقين؟