نادر سراج: بيروت تتكلّم بملء فمها!

من «الخبيصة» إلى «الكرواسان»، ومن مقاهي بيروت القديمة إلى موائد السياسيين، يتتبّع نادر سراج في كتابه «نكهة بيروت: موائد وسرديات» (دار المؤلف) تاريخ مدينة من خلال أطباقها ومفرداتها وعاداتها. رحلة في الذاكرة الاجتماعية والثقافية، تكشف كيف تحوّل الطعام إلى لغة للهوية والطبقات والسلطة، وكيف اختزنت المائدة تحوّلات المدينة وتناقضاتها عبر العقود

كانت حلوى الخبيصة تخبّئ حبات الصنوبر تحت سطحها المتماسك من النشا والسكّر والماء، فتسمّيها العائلة «قمر تحت الغيم»: يستعيد نادر سراج في كتابه «نكهة بيروت: موائد وسرديات» (دار المؤلف) هذه التورية اللطيفة من مطبخ والدته، ومن طفولة بيروتية في مطلع الستينيات، فيلتقي مذاق الحلوى بصورة شعرية صغيرة صنعتها الحياة المنزلية. يحتاج الطبق إلى يد ماهرة تعدّه، وإلى عين ذواقة تتخيّله، وإلى جماعة تتداول اسمه في مؤانستها حتى يستقرّ في ذاكرتها. من هذه المسافة الحميمة بين ما نأكله وما نقوله، يمكن الدخول إلى «نكهة بيروت» حيث يتتبّع الباحث اللبناني والأستاذ الجامعي حياة الطعام في الألسنة والبيوت والمطاعم والأغاني، ويستعيد وجوهاً لمدينة حمل أهلها موائدهم إلى الكلام، وحملوا الكلام إلى موائدهم في واحدة من الجدليات التي تميز هذه المدينة النابضة بالحياة والسحر.

يواصل سراج في هذا الكتاب اشتغاله على اللغة في استعمالاتها الاجتماعية، منصتاً إلى ما تتداوله الجماعات في جلساتها وأنسها واجتماعها مما يقع قاموسه خارج الخطاب الرسمي، وقد منحته أبحاثه في المحكيات والتراث والانثروبولوجيا الثقافية أدوات لقراءة التفاصيل التي تبدو مألوفة ومتناسقة مع مقاربة النص المنهجية. الطعام أحد أكثر هذه التفاصيل حضوراً: نختاره ونعدّه ونسوّقه ونقتسمه، ونستعير أسماءه للغزل والذمّ والتهديد والمجاملة.

يحاول الكتاب أن يعيد إلى هذا الحضور كثافته، وأن يفهم كيف تنتظم الحاجة الغذائية داخل عادات وقيم وصور لغوية، وكيف تترك التحوّلات المعيشية أثرها في الطبق وطريقة تقديمه وفي العبارة المصاحبة له. في تصديره للكتاب، يقرّب الأكاديمي محمود شريح المائدة من الذاكرة والحكاية، مستعيناً بلغة تحتفي بروائح المدينة وألوانها، فيما تشرح مقدمة المؤلف وأبوابه المنهجية طبيعة المشروع وحدوده وأدواته. يتوزّع العمل على باب تأسيسي من سبعة فصول، وباب ثانٍ من أحد عشر فصلاً تتّسع فيه السرديات والشواهد، ثم ملاحق للمصطلحات والمجازات والكنايات والأمثال. تعكس هذه البنية رغبةً في الجمع بين بناء موضوع للبحث وإتاحة مادته للقارئ، فيتحرّك النص بين الدراسة والحكاية والمعجم، وتختلف سرعته باختلاف الوظيفة التي يتولّاها كلّ قسم.

الطعام بوصفه شيفرة اجتماعية

ينظر سراج إلى الطعام باعتباره شيفرة اجتماعية، أي منظومةً من الممارسات والعلامات التي تتعارف عليها الجماعة. فالمائدة تضمّ، إلى جانب أطباقها، آداب الدعوة والجلوس والتقديم والقبول والامتناع والشكر. عبارة «تفضّلوا عَ السفرة» مثلًا تفتتح فعلاً جماعياً، وعبارة «ضبّوا السفرة» تعلن انقضاءه، وبينهما تتوزّع أدوار المضيف والضيف وأفراد الأسرة. يضعنا هذا المنظور أمام معرفة نتعلّمها منذ الطفولة ونمارسها تلقائياً، ثم نكتشف تعقيدها حين نحاول شرحها. وتكمن فائدة المقاربة اللسانية هنا في إظهار الصلة بين العبارة ومقامها، بين المخاطِب والمخاطَب والمناسبة ومقام الضيف والمضيف.

تتجاور في مادة الكتاب المعاجم والمصادر التراثية والصحافة والأغنية والملاحظة الميدانية والذاكرة الشخصية. ويؤكّد سراج ضرورة احترام تعقيدات الميدان البحثي، والمحافظة على الكلام المتداول من دون تجميله استجابةً لذائقة الباحث. لهذا الإجراء أهميته، لأنّ لغة الطعام تتشكّل في أفواه مستعمليها، وتضمّ اختلاف النطق والاقتراض والتورية وسوء الفهم أيضاً. ومن أمثلته ملاحظته تبدّل المأكولات وأسمائها في شارع بلس المحتضن للجامعة الأميركية في بيروت، حيث تتيح حركة الطلاب والباعة والمطاعم مراقبة تحوّل الذائقة ودينامياتها المرتبطة بالسياسة والثقافة، وانتقال مفردات جديدة إلى الكلام اليومي.

يستحضر نقد عمر الزعني لمظاهر الأبهة والتشاوف والفساد

يفتح هذا التعدّد سؤالاً عن طبيعة الشاهد اللغوي وحدود ما يثبته: فالتعريف المعجمي يشرح المفردة، والذكرى العائلية تستعيد التجربة، والأغنية تصوغ موقفاً فنياً قد يلجأ إلى المبالغة والسخرية. تزداد القراءة إقناعاً حين تظلّ الفروق بين هذه المواد واضحة، وحين نستطيع متابعة المسار الذي ينقلنا من التعبير إلى الاستنتاج الاجتماعي. بعض المقاطع المنهجية تعلن هذا الطموح مراراً، وتعيد الحديث عن الشفرة والهوية وتواشج الطعام والكلام. ففي صفحات مقهى الحاج داود، تتشكّل حياة اجتماعية من قائمة أسعار وأسماء وجبات وشهادة صيّاد وذكريات روّاد. تظهر «المخلوطة» وجبةً اجتذبت العمال والموظفين، وتدخل كلفتها في تفسير الإقبال عليها. هنا نقترب من المدينة عبر القدرة الشرائية وجدلية الموظفين وأرباب العمل وأوقات الراحة وموقع المقهى البحري.

وتكتسب أسماء مثل «الفروتو» و«الدقّة» و«الأركلجي» حياةً تتجاوز تعريفها، إذ ترتبط بخدمات وحرف وعلاقات بين أصحاب المكان وزبائنه، وتعيد إلينا شبكةً من العلاقات تشكل الجهاز العصبي للمدينة. ثم تحضر الحرب وجرافات الإعمار في مصير المقهى، فتتّصل خسارة المكان بخسارة الألفاظ والوجوه التي كانت تمنحه رونقه ومعناه. مطعم فيصل مثلًا، قرب الجامعة الأميركية، هو خير مثال لهذه العلاقة بين الطعام والمدنية: كان اجتماع الطلاب والأساتذة والزوار فيه يصنع فضاءً للنقاش السياسي والثقافي. تصبح ذاكرة المطعم جزءاً من تاريخ الأفكار المتداولة في المدينة، وتختلط البيانات الثورية والدعوات إلى الإضرابات والعمل الثوري مع قوائم الطعام: في هذا الفصل ينجح الكتاب بشكل كبير في وصل الطعام بالعمران وبالمؤسسات وبالجماعات التي تمنح المكان وظيفته، ثم تتبدّد شروط اجتماعها أو تتغيّر.

من «الفرنسة» إلى هجاء السلطة

كما تُظهر الصفحات التي تعالج «الفرنسة» وجهاً آخر لبيروت، تتداخل فيه السياحة والتجارة والرغبة في الارتقاء الاجتماعي. فأسماء الفنادق والمطاعم، ومفردات العاملين فيها، وطريقة ارتيادها، تحمل علامات المكانة والتمايز والإعجاب بثقافة المستعمِر وكل ما هو «فرنجي برنجي» وهي تفاصيل تتيح قراءة أثر الهيبة الثقافية الاستعمارية في الذائقة وأنماط الاستهلاك. يتابع الباحث مثلًا حضور الكرواسان في الضيافات والصبحيات واجتماعات العمل على حساب البرازق. تستحقّ هذه التفاصيل القراءة في ضوء من يستهلكها والفضاء الذي تُقدَّم فيه، لأنّ قيمة المأكل الاجتماعية تتغيّر مع استعماله، وقد يمنح الاسم الأجنبي صاحبه شعوراً بتجاوز ما هو محلي ووصل شبكة الاستهلاك المحلية بالعواصم والحواضر الأجنبية الكبرى.

يستحضر المؤلف نقد عمر الزعني لمظاهر الأبهة والتشاوف والفساد المرتبط بإسراف الطبقة الحاكمة وتبذيرها لأموال الشعب على موائدها ومجونها، ويرصد دخول ألفاظ وافدة إلى الممارسة المحلية. يقدّم حضور عمر الزعني مادةً أساسية لفهم انتقال الطعام إلى النقد السياسي. تتسلّل اللقمة والفواكه وأصناف المآكل إلى هجاء الفساد والامتياز والحرمان، مستمدّةً قوتها من ألفة الجمهور بها. وفي التذكير بأنّ عزّ الحاكم «فاكهة مولّاية»، تستدعي الصورة قرب انتهاء الموسم وقابلية الثمرة للتلف، وتمنح السلطة زمناً قصيراً يخالف ما تتوهّمه عن دوامها. ومن نداءات الباعة إلى القصيدة، ينتقل معجم محسوس يعرفه المستمع، فيدرك التلميح ويشارك في استكماله.

بذلك يبيّن الكتاب كيف تتيح المادة الغذائية قولاً سياسياً بليغاً وقابلاً للتداول. وتضيف ملاحظة جلوس بعض السياسيين في الصفوف الأولى من حفلات الزعني، وضحكهم لقفشاته، تعقيداً إلى المشهد. فالضحك المشترك لا يضمن تغيير العلاقة بين الناقد وأصحاب السلطة، وقد يتيح لهم الظهور داخل فضاء شعبي يستوعب هجاءهم. كذلك تكشف عبارات الرشوة، من «لقمتها صغيرة» إلى «لقمتهم كبيرة»، كيف تصبح مفردة الإطعام وسيلةً لتقدير المنفعة غير المشروعة وتداولها. هنا تكتسب الصلة بين الطعام والكلام بعداً حادّاً: قد تخفّف الكناية وقع الفعل، وتجعله مألوفاً في اللسان، حتى وهي تفضح منطقه وتفاوت المستفيدين منه.

يكشف الكتاب أيضًا أن الاقتراض رافق المطبخ ولغته طويلاً، عبر الاتصال بالتركية والفارسية والفرنسية وغيرها. تقود هذه المعطيات إلى فهم الخصوصية المحلية بوصفها عملاً متواصلاً في الأخذ والتعديل وإعادة التسمية. وهنا يحتاج القلق على التراث إلى تمييز أدقّ بين التبادل الذي يغني الممارسة، وبين شروط السوق التي توحّدها وتضيّق تنوّعها. فالطعام الوافد قد يستقرّ في ذاكرة البيت، كما قد تتحوّل الوصفة المحلية إلى سلعة منفصلة عن سياقها. وتتيح شواهد سراج نفسها مساءلة فكرة النكهة الثابتة، والتفكير في الاستمرار باعتباره قدرةً على التحوّل أيضاً.

في مطابخ الشرق

على مستوى آخر، ينطلق البحث من بيروت ليحط رحاله في مدن لبنانية وشامية وعربية، فتدخل طرابلس وحلب ودمشق وفلسطين ومصر وغيرها في المقارنة. يمنح هذا الامتداد البحث غنىً واضحاً، ويضع المائدة البيروتية داخل مجال من التبادل والتقارب. لكنه يعيد طرح السؤال الذي يستدعيه العنوان: أين تتحدّد نكهة بيروت داخل هذا المشترك؟ يمكن العثور على جواب جزئي في مطاعمها وأسواقها وذكرياتها وتقاطعات سكانها، أكثر مما يمكن العثور عليه في ملكية حصرية لطبق. وكان تثبيت الفروق بين الاستعمالات المحلية، كلما أمكن، سيزيد صورة المدينة دقّةً داخل الخريطة الواسعة لمأكولات الشرق.

أما الذاكرة المنزلية، فتمنح البحث حرارةً مختلفة. حين يستعيد سراج استقبالات جدّته، ومشروبات الضيافة والبزر المحمّص والحلويات وأواني الحفظ والعجن، نقرأ خبرةً عاشها الباحث قبل أن يخضعها للدرس. ويمكن لهذه الصلة أن تكشف تفاصيل يعسر على المراقب العابر التقاطها، شرط الانتباه إلى حدود التجربة العائلية وموقعها الاجتماعي. كما تفتح تلك الصفحات سؤال العمل الذي تقتضيه الضيافة: من يشتري ويعدّ ويقدّم وينظّف، ومن يجلس للاستمتاع؟ إنّ الإنصات إلى الجهد المبذول خلف المائدة يوسّع الحكاية، ويعيد إلى احتفائها بالكرم كلفته المادية والزمنية.

يستدعي الحنين بدوره مساءلةً مماثلة، إذ تمنح أسماء المطاعم الغائبة والوصفات المتوارثة إحساساً بالخسارة، خصوصاً حين يرتبط زوالها بالحرب ومحو الأمكنة. لكنّ الماضي الذي تستعيده الموائد موزّع بين تجارب متفاوتة: وجبة العامل المقتصد، وضيافة البيت الميسور، وتباهي الصاعد اجتماعياً، وسهرة الطلاب البسيطة. تملك مادة الكتاب ما يكفي لإظهار هذا التفاوت، ولمنع الذاكرة من الاستقرار في صورة مدينة متجانسة. وكلما اقترب سراج من السعر والمهنة والمكان وظروف الاستهلاك، اكتسب استرجاعه التاريخي قوةً تتجاوز الأسى على زمن مضى، وتساعد على فهم ما تغيّر ولمن تغيّر.

معجم النكهات وذاكرة المدينة

ومن هذه الزاوية، تبرز قيمة الملاحق المعجمية في بنية العمل، إذ يخصّصها المؤلف لأسماء الأطعمة والمشروبات والحرف والأدوات والأفعال والكنايات. يتيح هذا التنظيم العودة إلى مفردات تتناثر في الحكايات، ويمنح القارئ وسيلةً لمتابعة معانيها. وتبقى حياة اللفظة أوسع من تعريفها: يتبدّل إيحاؤها بحسب المتكلّم والمقام، وقد تحمل الاسمَ نفسه أطباقٌ مختلفة بين منطقة وأخرى. لذلك تكتمل فائدة الجمع والتصنيف حين تقترن بالسياق، وهو ما تمنحه المقاطع السردية الأنجح في الكتاب، حيث نرى اللفظة مستخدمةً في علاقة اجتماعية محدّدة، وندرك ما تفعله بين الناس.

تنبع أهمية «نكهة بيروت» من قدرته على جعل المألوف قابلاً للسؤال، وعلى وصل تاريخ المدينة بتفاصيل تتوزّع عادةً بين كتب اللغة وذكريات الأسر وأخبار المطاعم والأغاني. وتظهر حدوده حين تتكاثر عبارات التأسيس على حساب التمييز بين الشواهد وتحليلها، فيما تتألّق صفحاته كلما أصغت إلى شخص أو مكان أو استعمال بعينه. عود على بدء إلى «الخبيصة»، الحلوى التي تعدها الأم بالصنوبر المتواري تحت سطحها، والتسمية التي تحوّلها إلى مشهد سماوي يربطها بالنجوم: تحتفظ اللغة بما يتيح للابن أن يعود إليه بعد عقود، وأن يفتح من مذاقه باباً على بيروت الشهية بكل تفاصيلها.