حين يقف فيها المرء أمام السماء وهي تُرسل ماءها، لا يجد في قاموسه الصغير غير كلمة واحدة يُلقيها على كل ما يهطل ويسيل وينفجر: «مطر». وحدها العربية تأبى هذا التبسيط. لا تكتفي بوصف خروجه، بل تُصغي إلى طريقته في الخروج: أهو نازلٌ برفق، أم منسكبٌ بغزارة، أم منفجرٌ بعنف؟ وخصصت العربية لكل درجة من هذه الدرجات لفظٌ بعينه، لا يقوم غيره مقامه. فأخفّ ما يخرج من الماء وأرقّه هو الطلّ، ذلك المطر الضعيف القريب من الندى، الذي لا يكاد يُحدث أثرًا في الأرض. ثم يليه الرذاذ، وهو قطرات دقيقة متطايرة كأنها غبار الماء. وقد اجتمع اللفظان في آية واحدة تصف حال المنفقين في سبيل الله، يقول تعالى: (كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير) البقرة 265، فجعل «الطلّ» أضعف ما يمكن أن يصيب الأرض من ماء، في مقابل «الوابل» الذي سيأتي ذكره بعد قليل. فإذا استمر هذا الماء الخفيف بهدوء ودون انقطاع، سُمّي ديمة، وإذا جاء بعد طول احتباس وجفاف، فهو الغيث بعينه؛ ولذلك ورد اللفظ القرآني في سياق الرجاء بعد اليأس: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ) الشورى 28، «الغيث» في العربية مطرٌ يحمل معنى الإحياء بعد يأس، ولا يصحّ أن يُستعمل للمطر العابر الذي لا ينتظره أحد. حين يشتدّ الانصباب يتصاعد المعجم مع هذا الاشتداد. فـالهطل هو المطر المتتابع كبير القطرات، الذي يُقبل بلا توقف؛ يقول أبو العلاء المعري واصفًا سحابة أمطرت أرضًا: والخير يعدي، كغادي مزنة هطلت .. أرضًا، فلما رآها رائحٌ هطلا. ثم يأتي الوابل، وهو المطر الشديد ضخم القطر الذي يروي الزرع ريًّا حقيقيًّا، كما في الآية السابقة، وكما صوّره امرؤ القيس في معلقته وهو يصف سحابة انفجرت بعد سكونها: ساعةً ثمّ انتحاها وابلٌ .. ساقطُ الأكنافِ واهٍ مُنهمِر وهنا اجتمع في هذا البيت وحده لفظان من مفردات الشدّة: «وابل» و»منهمر»، وكلاهما لا يوصف به إلا الماء الغزير الذي يسقط بقوة، لا الهادئ الذي يترقرق. وعند ذروة الانصباب، يظهر فعلٌ لا يشترك فيه إلا القليل من الأفعال في دلالته على الاستمرار والغزارة معًا: سحّ. و»سحّ الماء» يعني انصبابه من علوٍّ إلى أسفل بتتابع شديد لا يفتر، قالت العرب: «سحّت السماء مطرها» إذا أمطرت بغزارة متصلة. ومن بديع استعمالهم لهذا اللفظ أنهم لم يقصروه على المطر وحده، بل استعاروه للدمع الغزير المنهمر، وللعطاء الذي لا ينقطع، كما جاء في الحديث الشريف صفةً ليمين الله تعالى: «يمين الله سحّاء لا يغيضها شيء» رواه البخاري ومسلم، أي دائمة الصبّ لا تنضب. كانت هذه أبرز الألفاظ التي تصف نزول الماء من السماء، وعلى امتداد هذا الخيط اللغوي، يطالعنا في العدد القادم تتبّع ألفاظ خروج الماء من الأرض.