نفـوس تأبـى الانحـدار

ولو لم تكن نفسي عليّ عزيزةً لمكنتُها من كلِّ نذلٍ تُحاربه.. يتأتى الشافعي هنا إلى فلسفةٍ أخلاقيةٍ من صنوف أخلاق النبلاء، قوامها في ترفُّع المرء بنفسه عن كل ما ينقص من قيمتها، ويبدد سلامها الداخلي، ويدفع بها إلى مسلك الرعونة، أو إلى تضييع الوقت والجد فيما لا طائل منه، وذلك عند التعامل مع سفهاء الناس. فهو يشير إلى تمكنه واقتداره على الدنو إلى منزلتهم، والتشفي بمقارعتهم وغلبتهم، غير أنه يأبى ذلك لنفسه؛ لكونها ذات قيمةٍ مثلى ونفيسة في نظره، فيصونها ويحفظ لها مكانتها من خلال ترفعه عن سوقة القوم. وكأن المشهد الذي يراد تصويره خلف هذا النهج هو اعتراض المستنقع سبيل الفارس؛ حيث إنه قادر على اختراقه والوصول إلى ضفته الأخرى، غير أن نظافة لأمته أو نقاء درعه ليسا بمأمن من وحل المستنقع، فلا بد من مغرمٍ يصيب المرء عند دخول البيئة العكرة، وإن كان النفاذ منها مقدورًا. ويذهب الشافعي إلى أبعد من ذلك، فيشبّه نفسه بعود الطيب؛ فكلما اشتد عليه الإحراق فاح أريجه، وكأن لحظة الإساءة ترد كل نفس إلى أصل معدنها؛ فالسفيه لا يزيده الأذى إلا سفاهة، والكريم لا تزيده الإساءة إلا حلمًا، كما يقول: يزيدُ سفاهةً فأزيدُ حلمًا كعودٍ زادَه الإحراقُ طيبًا. هناك في طيات الفلسفة ما يدعى بـ«سيادة الروح»، وهي من أجلِّ المراتب التي يبلغها الإنسان؛ إذ تغدو النفس فيها أسمى من أن تستدرجها الخصومات إلى ما يحط من قدرها، أو يعلق بها شيء من أدران اللؤم. وقد اصطلح بعض الفلاسفة على تسمية هذا مقام بـ«الأرستقراطية الروحية»؛ حيث يكون حفظ رفعة النفس ووقارها غايةً في ذاته، وذلك عندما لا تُبتذل النفس في كل معترك، وتنأى وتنطوي بنفسها عن السفاسف. وذكر ابن عبدالبر في كتابه «بهجة المجالس وأنس المجالس» أن الأحنف بن قيس، حليم العرب كان يقول: «ما نازعني أحدٌ إلا أخذتُ في أمره بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفتُ له قدره، وإن كان دوني رفعتُ نفسي عنه، وإن كان مثلي تفضلتُ عليه» إن كان فوقي عرفتُ له فضله، أي: فلم أُنازعه منزلته. وإن كان دوني رفعتُ نفسي عن مجاراته، أي: صنتُ كرامتي من النزول إلى مستواه. وإن كان مثلي تفضلتُ عليه بمكارم الأخلاق، أي: آثرت الحلم، ولنتُ في الخصومة، وقدمت حسن الأدب على لذة الغلبة. ويقترح علم النفس السلوكي مفهومًا مؤداه أن التجاهل والترفع يعتبران من أنجع الهجمات المضادة التي قد يتخذها المرء في مواجهة خصومه؛ إذ يكفلان للنفس أمران، الأول: سموها، والثاني: توريث الخصم خيبةً تتفاقم مع كل محاولة لا تجد صدى. ويتمثل ذلك في مفهوم عدم التعزيز (Non-reinforcement)؛ فالسلوك العدواني غالبًا ما يبتغي استثارة الطرف الآخر، فإذا لم يجد استجابة خبا أثره، واغتاظ صاحبه من إخفاقه في تحقيق غايته. لحظة ختام: هذه الآية الكريمة هي دستور أخلاقي جامع في القرآن الكريم، وتحديداً في سورة الأعراف (الآية 199) (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، وتتضمن ثلاث قواعد أساسية لمعاملة الناس: العفو والسماحة، الأمر بالمعروف، والإعراض عن السفهاء.