ميشيغان… والمسافة بين أميركتين

في عطلة نهاية أسبوع واحدة، وعلى أرض ولاية أميركية واحدة، وقفت أميركا أمام صورتين لنفسها؛ في ديترويت، تحدث رئيس سابق عن قوة لا تحتاج دائماً إلى إطلاق الصواريخ كي تحقق أهدافها، وفي بورت هورون، تحدث رئيس حالي عن خصوم ينبغي إخضاعهم، وحلفاء يمكن الضغط عليهم، ومواطنين تصبح أسماؤهم وعقائدهم مادة للريبة.

لم تكن المسافة بين المدينتين هي التي تستحق القياس، بل المسافة بين تصورين للسلطة؛ أحدهما يستحضر الديبلوماسية بوصفها امتداداً للقوة، والآخر يمنح المواجهة موقعاً مركزياً في ممارستها.

قبل أيام من الانتخابات النصفية، عاد باراك أوباما إلى ميشيغان داعماً مرشحي الديموقراطيين، فيما جاء دونالد ترامب لحشد الجمهوريين. لكنّ الخطابين تجاوزا صناديق الاقتراع إلى سؤال أبعد: كيف تمارس أميركا قوتها؟ وماذا يبقى من تلك القوة حين تتراجع الثقة بها؟

ولعل الأرقام أبلغ من الخطب؛ ففي عهد أوباما، ساهم قانون الرعاية الصحية في توسيع التأمين لنحو عشرين مليون أميركي، وانخفضت نسبة غير المؤمن عليهم من نحو 16% عام 2010 إلى 8.6% عام 2016. أما اليوم، فيكشف استطلاع صندوق الكومنولث ارتفاع غير المؤمن عليهم بين البالغين في سن العمل من 8.9% عام 2024 إلى 11.2% عام 2026، فيما أجّل نصفهم علاجاً أو تجنّبه بسبب تكلفته. ورغم اختلاف الفترات والمنهجيات، فإن السؤال يبقى: ماذا تعني عظمة الدولة لمواطن يخشى المرض أكثر مما يطمئن إلى حمايتها؟

وفي ملف التشرد، انخفض عدد المشردين إلى نحو 550 ألفاً عام 2016، وتراجع تشرد المحاربين القدامى بنحو 47% منذ 2010. لم يبدأ نهج "الإسكان أولاً" مع أوباما، ولم تنتهِ الأزمة في عهده، لكن الأرقام تذكّر بأن الأمن لا يُقاس بما تحرسه الجيوش خارج الحدود وحده، بل بما يحمي الإنسان داخلها.

وفي ميشيغان، ظهر اختبار آخر لمعنى المواطنة. أوباما يدافع عن حق عبدول السيد، الأميركي المسلم، في تمثيل ولايته، وترامب يربطه بالإرهاب والإخوان المسلمين من دون دليل. وبينما يستحضر الأول تجربته مع التشكيك في هويته، يستدعي الثاني هجمات سبتمبر في مواجهة مرشح وُلد على الأرض الأميركية. فأي معنى للمساواة حين يصبح الاسم موضع اتهام، والعقيدة قرينة اشتباه؟

ولم تتوقف اللغة عند الداخل؛ سخر ترامب من اسم "محمد" في حديثه عن أبناء الشرق الأوسط، ووصف ليبيا واليمن والصومال وهايتي بأوصاف مهينة، حتى طالبت ليبيا باعتذار رسمي. والمفارقة أن واشنطن تحتاج إلى تعاون دول وشعوب تجعلها أحياناً مادة للتعبئة الانتخابية.

أما الحلفاء، فتروي كندا حكاية أخرى. سخر أوباما من اعتبار الجار الشمالي عدواً تجارياً، بينما أظهرت استطلاعات تراجع ثقة الكنديين بالولايات المتحدة من 83% عام 2022 إلى 35% عام 2026. وفي العام نفسه، فتحت أوتاوا حصة من سوق سياراتها الكهربائية للصين بتعرفة 6.1%، بعدما فرضت رسوماً إضافية بلغت 100%. لا يعني ذلك انتقال كندا إلى المعسكر الصيني، لكنه يكشف اتساع خيارات الحليف حين تضيق مساحة الثقة.

وهنا مفارقة القوة الأميركية: تضغط واشنطن على شركائها، فيما تبحث عن احتواء الصين وموازنة روسيا. فهل تتحول سياسات الضغط إلى فرصة استراتيجية للمنافسين الذين تسعى إلى تطويق نفوذهم كما تدعي؟

وفي إيران، استعاد أوباما اتفاق 2015 قائلاً إنه لم يحتج إلى إطلاق صاروخ واحد. أما حرب ترامب، فقد أعادت إلى الواجهة كلفة العمليات العسكرية وأمن الحلفاء ومضيق هرمز. ومع ذلك، لم تكن ديبلوماسية أوباما بلا إخفاقات؛ فسوريا وليبيا شاهدتان على حدود قراراته، والربيع العربي أصبح خريفاً بفضل سياسته. ليست المسألة سلاماً مطلقاً في مواجهة حرب مطلقة، بل سؤال النتائج: ماذا حققت القوة؟ وماذا كلّفت؟

حتى إعادة تقديم وزارة الدفاع باسم "وزارة الحرب" تحمل دلالة تتجاوز تبديل اللافتات؛ فاختيار المفردات يكشف كيف تريد السلطة أن تصف وظيفتها.

وصف أوباما عهد ترامب بالفوضى والقسوة والفساد وعدم الكفاءة. وصف سياسي قابل للمساءلة، لكن الأرقام والوقائع تضع أمام الأميركيين أسئلة لا تمحوها الشعارات.

ففي الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر، لن يكون الاقتراع مجرد تنازع على مقاعد الكونغرس، بل محطة في صراع أعمق على هوية الجمهورية التي صاغ آباؤها المؤسسون دستوراً لتقييد سلطتها عند الحاجة، لا لإطلاق يدها بلا حساب؛ جمهورية جعلت من الحرية والمساواة وعوداً تأسيسية، وإن طال نضالها للوفاء بهما.

وبين أميركا التي تُداوي مواطنها وأميركا التي تخشى فيها بعض الفئات أن تُدان بأسمائها، وبين دولة تطمئن حلفاءها وأخرى تدفعهم إلى البحث عن ضمانات بديلة، يتجاوز السؤال شخص أوباما وشخص ترامب. إنه سؤال الجمهورية عن نفسها: هل تبقى القوة عظيمة حين تتسع قدرتها على الحرب، وتضيق قدرتها على الحماية؟ وهل تصون أميركا إرث مؤسسيها بما تملكه من سلطان، أم بما تضعه لذلك السلطان من حدود؟