بعد قرن على ولادته، يعود ميشال فوكو إلى واجهة الأسئلة الفلسفية الأكثر إلحاحاً. من المصحّ والسجن إلى خوارزميات العصر الرقمي، تتجدّد أفكاره حول السلطة والمعرفة وصناعة الحقيقة. كيف تتحوّل المؤسسات إلى أدوات لتشكيل الإنسان وضبط سلوكه؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تكشف ما تخفيه البداهات، وتفتح ثغرة في جدار ما نعدّه يقيناً؟
في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2026، اكتمل قرن على ولادة الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو. تبدو مئويته أقل شبهاً بذكرى فلسفية منها بموعد مع حاضر لم يكفّ عن الاقتراب من كتبه. فالعالم الذي نعيش فيه مزدحم بما أثار شكه: كاميرات مراقبة لا تنام، مؤسسات تصنِّف الإنسان وتضعه في جداول، خبراء يقررون الطبيعي والمنحرف، ومنصات تتعرف (وتعرف) إلى رغبات أصحابها قبل أن يتعرفوا إليها. توفي فوكو سنة 1984، غير أن أسئلته وهمومه بقيت على قيد الحياة وربما صارت أكثر إزعاجاً، خصوصاً أنّ المراقبة انتقلت من برج في السجن إلى هاتف في الجيب.
بدأ فوكو مساره داخل المناخ الماركسي الذي طبع الحياة الفكرية الفرنسية بعد الحرب. انضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي مطلع الخمسينيات، متأثراً بأستاذه لويس ألتوسير، ثم غادره بعد سنوات قليلة. حملت كتاباته الأولى أثراً ماركسياً واضحاً، قبل أن يبتعد عن تفسير التاريخ انطلاقاً من الاقتصاد والصراع الطبقي وحدهما، وعن تصور السلطة كأداة تحتكرها طبقة وتستخدمها لقمع طبقة أخرى.
في الستينيات، تقاطع مشروعه مع البنيوية في نقد الذات بوصفها أصلاً للمعنى ومصدراً مستقلاً للمعرفة. انصرف إلى دراسة القواعد التاريخية التي تنظّم الخطاب، وتحدّد ما يمكن قوله ورؤيته والتفكير فيه داخل عصر معين. حافظ فوكو، مع ذلك، على مسافة من البنيوية؛ فقد اهتم بالقطائع والتحولات التاريخية أكثر من اهتمامه بالبنى الثابتة. وفي السبعينيات، انتقل من حفريات المعرفة إلى أنساب السلطة، فدرس السجن والمصح والمدرسة والثكنة، وتتبع عمل السلطة في الجسد والانضباط والمراقبة وصناعة الأفراد. وضعت هذه النقلة مشروعه ضمن ما سُمّي لاحقاً «ما بعد البنيوية»، وهي تسمية صاغها النقاد أكثر مما اختارها أصحابها.
قاوم فوكو تثبيت فكره داخل هوية مذهبية، لأنّ التصنيف عنده لا يصف المفكر وحده؛ إنه يحدّد موقعه بمعنى أنه يضبط مجال كلامه، ويطالبه بالبقاء مطابقاً لاسمه. لذلك، كتب في خاتمة «حفريات المعرفة» أنه يكتب كيلا يكون له وجه، وطلب ألا يسأل عمّن يكون.
الحداثة التي ساءلت الحاضر
في كانون الأول (ديسمبر) 1784، نشر إيمانويل كانط مقالته القصيرة «جواب عن سؤال: ما الأنوار؟»، وعرّف فيها التنوير بأنه خروج الإنسان من قصوره الذي يتحمل مسؤوليته بنفسه. بعد قرنين تقريباً، عاد فوكو إلى السؤال نفسه في المحاضرة الافتتاحية من دروسه في «الكوليج دو فرانس» في 5 كانون الثاني (يناير) 1983، ثم وسّع أطروحته في نص «ما الأنوار؟» قبل وفاته بأشهر. وجد فوكو في مقالة كانط منعطفاً دقيقاً في تاريخ الفلسفة. لقد أصبح الحاضر نفسه موضوعاً للتفكير، وصار على الفيلسوف أن يسأل عن موقعه داخل اللحظة التي يتكلم منها.
آثر فوكو الانهماك باللحظة على استنزاف الفكر في مجهولٍ بعيد أو انتظار مستقبل يتكفّل بتحرير الإنسان. انشغل بسؤال أكثر إلحاحاً يطاول اللحظة الراهنة. ما الذي يحدث لنا الآن؟ كيف تشكّلت طرائق تفكيرنا، وما القوى التي جعلتنا نرى أنفسنا بهذه الصورة؟ هذا المسعى أو بالأحرى هذا السعي بغية القبض على الآن أو الراهن، هو ما أطلق عليه اسم «أنطولوجيا الحاضر»؛ أي إخضاع واقعنا الراهن لفحص تاريخي يكشف كيف تكوّن، وما الحدود التي فرضها علينا، وأين يمكن خلخلتها.
من هذا المدخل، صاغ فوكو نقده للحداثة. لقد حمل عصر الأنوار وعداً بتحرير الإنسان من الوصاية لكنه شهد في الوقت نفسه نشوء مؤسسات جعلته قابلاً للضبط والمراقبة والتصنيف. صحيح أنّ الحريات القانونية توسعت لكن توسعت معها ــ بالتوازي ــ سلطات «معاصرة» مثل المدرسة والمصنع والمستشفى والسجن. وفي هذا التحوّل، تكمن مفارقة الحداثة المترتبة عن الأنوار كما رأى فوكو: إنّ العقل الذي حرر الإنسان من سلطة الخرافة طوّر معرفةً دقيقة بجسده وسلوكه، حتى تحولت هذه المعرفة إلى وسيلة لإدارته. وعليه، لم تعد السلطة تحتاج إلى الظهور في صورة حاكم يأمر ويعاقب، بل أصبحت تعمل داخل الامتحان والتشخيص والملف والتقرير، وغدا الفرد يقيس نفسه وفقاً للمعيار الذي وضعته له المؤسسة.على هذا النحو، رفض فوكو اختزال الحداثة في انتصار العقل. فالعقل الذي حرر الإنسان من الخرافة أقام حدوداً جديدة بين الطبيعي والمنحرف، والعاقل والمجنون، والسليم والمريض، بمعنى أن العقل وضع حدود سجن جديد قام برسمه.
ثقب في جدار المعقول: كيف تصنع السلطة حقيقتها؟
أراد فوكو للفكر أن يحدث «ثقباً في الجدار» كما ردد دائماً، أي أن يفتح ممراً في أكثر البداهات صلابة، حيث تبدو الحدود طبيعية والأحكام حتمية. تعامل مع الفلسفة كأنها ممارسة تزعزع ما استقر، وتختبر إمكان العبور إلى المناطق التي أحكم العقل إغلاقها. ولأنّ الفلسفة تتوقف عند عتبة اللامعقول، انجذب فوكو إلى الأدب مستعيراً منه قوة رأى فيها طاقة تشحن عدته الفلسفية. تتردد الفلسفة أمام الجنون والرغبة والموت والتجارب التي تخلخل وحدة الذات.
أما الأدب، وخصوصاً عند ساد ونيتشه وأرتو وباتاي وبلانشو، فيوغل في اللامعقول، ويدخل إلى المناطق التي طردها الخطاب الفلسفي أو سلّمها إلى الطبيب. حضر الأدب عند فوكو كصدى يعيد الصوت المُستبعَد (والمُستعبَد)، ولو في ومضة خاطفة، بعدما أسكته المصح والتشخيص، وكحيّز للمطموس والخفيّ بعدما استبعدته الأرشيفات وطردته مكتبات الوطنية من قاعاتها. هكذا، قاده مفهوم الجنون في الأدب إلى البحث عن «تاريخ الجنون». كان فوكو يبحث عن الكلام الذي ضاع حين احتكر العقل حق تعريفه، أكثر مما يبحث عن تعريف طبي جديد للجنون.
غير أن الجدار عند فوكو لا يبنيه عقل مجرّد، ولا يحرسه حاكم واحد. تبنيه علاقات القوة، وتحصّنه المؤسسات، وتمنحه اللغة أسماءً تستقر مع الزمن كأنها حقائق طبيعية ونهائية. ومن بين الأدوات التي حملها فوكو لفتح ثقب في ذلك الجدار كانت مطرقة نيتشه. فقد أتاحت له العبارة النيتشوية «لا توجد حقائق، إنما تأويلات» أن يسأل عن القوى التي تقف خلف كل حقيقة، وعن الصراع الذي حسم قبل أن يستقر أحد التأويلات في صورة معرفة يقينية.
علّمنا أن السؤال عن السلطة لا ينتهي عند معرفة الحاكم أو تحديد مركز القرار
نحن إزاء انتقال السؤال من مضمون الحقيقة إلى شروط إنتاجها. إنها أنطولوجيا البداهة إن أمكن وصفها، تتلخص في أسئلة على شاكلة: كيف يصير الكلام (المقبول) كلاماً (مقبولاً بالتالي سائداً)؟ ما المؤسسة التي تصادق على قوله ولماذا صادقت على قوله؟ ما الإجراءات التي تشكّل الخطاب وتتيحه فيغدو خطاباً؟ الحقيقة، بهذا المعنى، لا تعيش خارج القوة، إنها تنشأ داخل شبكة من المؤسسات والخبرات والإجراءات، ثم تكتسب بعد ترسّخها ما يخفي تاريخ صنعها ويحجبها بوصفها بناء مصنوعاً.
من هنا صاغ فوكو مفهوماً للسلطة يختلف عن صورتها التقليدية. فالسلطة عنده لا تقيم في مركز واحد، ولا تختصرها إرادة الحاكم أو أجهزة الدولة؛ إنها شبكة متحركة من علاقات القوة، أخطبوطية الامتداد من دون رأس واحد يتحكّم في جميع أطرافها. تسري في المدرسة والمصح والسجن والمصنع والأسرة والثكنة، وتعمل من خلال الامتحان والملف الطبي وجدول الحضور وتقرير السلوك وترتيب الأجساد داخل المكان. في المجال السياسي، إن الدولة تكثّف هذه العلاقات، وتنظم جانباً واسعاً منها، وتمنحها القانون والسلاح والجهاز الإداري. غير أنّ علاقات القوة تسبق مؤسساتها، وتعبرها، بالتالي، إن السلطة تظهر أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية. من ثم، للسلطة تاريخها وقد تتغير أشكالها وأدواتها تبعاً لتحول المجتمعات وأنماط المعرفة. سلطة الملك التي كانت تعلن نفسها فوق منصة الإعدام تختلف عن السلطة الانضباطية التي تعمل داخل المدرسة والسجن. الأولى تعرض قوتها على جسد المحكوم، والثانية تراقب الجسد وتدرّبه وتعيد تشكيل عاداته. لذلك لا يقدّم فوكو السلطة جوهراً ثابتاً يطوف فوق العصور. إنه يتتبع التقنيات التي تتجسد فيها ويتتبع أثر الأفراد الذين تنتجهم أثناء عملها.
السلطة إذن ممارسة وعلاقة، وهي تنتج موضوعاتها. هي تصنع الأفراد الذين تزعم أنها تتولى إدارتهم. المدرسة مثلاً لا تعثر على «الطالب» جاهزاً، إنها تصنعه عبر الصف والامتحان والرتبة والنجاح والرسوب. المصح العقلي يمنح نزيله اسماً وملفاً وتشخيصاً، ثم يدعوه إلى التعرّف إلى نفسه داخل الصورة التي رسمها الطبيب. أما السجن، فيصنع فئة «الجانحين»، ويقيم حولها معرفةً وخبرةً وجهازاً دائماً للمراقبة. بالتالي، إنّ كل حالة نتاج المؤسسة التي تجعل الفرد قابلاً للرؤية والوصف والمقارنة والتقويم.
ضمن هذه الشبكة تتكوّن الحقيقة. هي لا تهبط على العالم عارية من التاريخ، وإنما تنتجها إجراءات الفحص والقياس والتصنيف؛ الحقيقة إذن منتج تاريخي. كان مشروع فوكو محاولة متصلة لإحداث ثقب في هذا الجدار لكشف الحدود التي صنعتها الصراعات. أراد أن يجعل الجدار مرئياً؛ فأول شروط العبور أن ندرك أنّ ما يقف أمامنا بناء تاريخي، لا أفق نهائي للعالم.
«تاريخ الجنون»: العقل يبني سجناً لنقيضه
في «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»، الصادر سنة 1961، قلب فوكو السؤال الذي حكم الكتابة الطبية عن الجنون. عوضاً عن تتبع الأمراض النفسية وتطور طرائق علاجها، راح يتعقب كيف أصبح الجنون موضوعاً طبياً، وكيف ظهر «المجنون» كائناً ينبغي عزله وفحصه ولاحقاً إجباره على قول الحقيقة عن نفسه. انتقل فوكو بذلك من تاريخ الجنون كمرض إلى تاريخ النظرة التي عرّفته، والمؤسسة التي احتجزته، واللغة التي جعلته قابلاً للتشخيص.
تتبّع فوكو انتقال أوروبا من زمن جاور فيه الجنون الفن والنبوءة والخطيئة، إلى زمن «الحبس الكبير» في القرن السابع عشر. داخل مؤسسات الإيواء جُمعت فئات شديدة الاختلاف، الفقراء والمتشردون والعاطلون والمجانين وكل من عُدّ عبئاً على نظام العمل والأخلاق. للتخلص من خطورة الجنون، صار السجن، قبل العيادة، وسيلة لتنظيم المدينة، وتهذيب الأجساد، وإقصاء من يعجزون عن الامتثال لإيقاع العمل.
تكمن جرأة الكتاب في إخراج العقل من صورة القاضي المحايد إلى صانع «الحقائق» والقوانين والقواعد. إنه ضرب مفلح لتاريخ الفلسفة الأوروبية ولعصر الأنوار برمته وللحداثة التي نتجت عنه. إنّ العقل يرسم حدوده عندما يحدد نقيضه، ويثبت سلامته حين يمنح الجنون اسماً ومكاناً مغلقاً. مع الجنون إذاً يصير ما هو عكس الجنون القاعدة الرسمية. في «تاريخ الجنون» نرى كيف احتفظت السلطة بقوّتها وغيّرت أداتها. شارك الطب النفسي في عصور لاحقة، بلغته ومؤسساته، في تشكيل الموضوع الذي تصدى لوصفه، هكذا، صارت العيادة سجناً آخر، يهذّب الذات ويعيد ترتيبها وفقاً لـ«نظام الحقيقة» التي يفرضها المجتمع.
حلّت المراقبة الأخلاقية والتشخيص والاعتراف محل الحديد والقفص. أصبح المريض مطالباً بأن يرى نفسه بعين الطبيب، وأن يروي تاريخه باللغة التي وفّرها له الطب، وأن يتبنى الاسم الذي مُنح له. صحيح أن القيد قد فكّ عن المعصم بيد أنه اشتد داخل الوعي. هكذا كشف فوكو أن الإصلاح الإنساني قد يحمل تقنيةً أرقّ للسيطرة؛ تقنية تعمل عبر الإصغاء والتقويم واستدراج الفرد إلى الاعتراف.
من الجنون المودي إلى المصح، ستقود هذه السلسلة فوكو إلى السجن، ثم إلى المدرسة والمصنع والثكنة. فالمؤسسات الحديثة تعزل المختلف، وتراقب حركاته، وتسجل أداءه، وتقيس بعده عن المعيار، ثم تعده بالإصلاح إذا أتقن الانضباط. لذلك يشكل الجنون المختبر الأول لسؤال سيلازم مشروع فوكو: كيف تصنع المؤسسة فرداً يمكن معرفته، ثم تحوّل هذه المعرفة، أي معوفتها به، إلى وسيلة لإخضاعه؟
«الكلمات والأشياء»: حين يفتح الاسم للشيء سجلاً
بلغ مشروع فوكو الحفري ذروته في «الكلمات والأشياء»، الصادر سنة 1966؛ الكتاب الذي نقله إلى قلب المشهد الفكري الفرنسي، وأثار حوله خصومات لم تهدأ، وقد كان أول الخصوم، الصديق القديم... جان بول سارتر. يفتتح فوكو كتابه بلوحة «وصيفات الشرف» لفيلاسكيز. يقف الرسام أمام قماشته، يطلّ الملك والملكة من مرآة في عمق اللوحة، المشاهد يجد نفسه داخل فضاء لا يستقر فيه موقع الناظر أو المنظور إليه. جاءت اللوحة كاستهلال يفتح فوكو من خلاله سؤاله المركزي: ما هو النظام الذي يوزّع مواقع الرؤية والكلام، ويحدد من يعرف، وما الذي يصلح موضوعاً للمعرفة؟يمنح فوكو هذا النظام اسم «الإبستيميه». إنها الأرضية التاريخية التي تنتظم فوقها معارف عصر كامل، ومجموعة القواعد التي تقرر، من وراء وعي الأفراد، ما يمكن التفكير فيه، وما يدخل مجال القول. نحن هنا أمام ولادة النسبية الثقافية؛ لكل عصر حدوده المعرفية، وهي حدود ترسم شكل الحقيقة.
انتظمت المعرفة في عصر النهضة حول التشابه والتجاور والتناظر؛ كان العالم يبدو كتاباً واسعاً تتبادل عناصره الإشارات. وفي العصر الكلاسيكي، احتلت التمثيلات والجداول والتصنيفات مركز المعرفة، وصار فهم الموجودات رهناً بوضعها في نظام يحدد أوجه القرابة والاختلاف بينها. أما العصر الحديث، فقد أخرج الحياة والعمل واللغة من جداول التمثيل، ومنحها كثافة تاريخية خاصة. من هذه النقلة وُلدت علوم الإنسان، وظهر الإنسان نفسه كائناً حياً ومنتجاً ومتكلماً، يمكن إخضاعه للفحص والمعرفة.
تحتل التسمية موقعاً حاسماً في هذا الترتيب. فالشيء قد يوجد قبل اسمه، غير أن دخوله إلى المعرفة يبدأ لحظة يُسمّى. ينتشل الاسم موضوعه من الصمت وما إن تستقر التسمية يصبح الشيء معروفاً، أي قابلاً للرصد والمقارنة والتدخل.
يفتح الاسم باب المصح أو المحكمة أو العيادة، ويستدعي الطبيب والقاضي والخبير، ثم يثبت فوق صاحبه كأنه يختصر حقيقته كلها. الاسم، بهذا المعنى، بطاقة دخول إلى المعرفة والمؤسسة معاً؛ يجعل المسمّى مرئياً للسلطة، ويمنحها لغة تتعامل معه من خلالها.
يعيش الإنسان داخل الأسماء، ويراكم من خلالها معرفته بنفسه وبالعالم. غير أن الأسماء تحمل آثار الذين صاغوها والمؤسسات التي منحتها شرعيتها. من يملك حق التسمية يملك قدراً من السلطة على المسمّى. هكذا تخرج اللغة من براءتها، ولا تعود الكلمات «أوعيةً» محايدة للأشياء، وإنما تصير جزءاً من النظام الذي يجعل الأشياء قابلة للمعرفة والحكم. هي كلها جدران تقيّد الإنسان وتسجنه، حاول فوكو في مشروعه تحريره منها، بدءاً من الاسم، مروراً بالمدرسة وصولاً إلى مؤسسة العمل.
الإنسان: وجه حديث على الرمل
في خاتمة «الكلمات والأشياء»، أطلق فوكو أشهر استفزازاته: الإنسان اختراع حديث، و«قد يختفي كما يختفي وجه مرسوم على الرمل عند حافة البحر». يشير هذا الإعلان إلى صورة محددة للإنسان ظهرت في المعرفة الأوروبية الحديثة، أي الإنسان ذات تعرف العالم، وعقل ينتج الحقيقة، وجسد يخضع للفحص والقياس.قبل نهاية القرن الثامن عشر، لم يحتل هذا «الاختراع» الموقع المركزي داخل المعرفة. كان ثمة بشر وأجساد، أما الإنسان بوصفه أساساً للمعرفة وموضوعاً لها في آن واحد، فقد وُلد مع تشكّل علوم الحياة والعمل واللغة. صار الإنسان بعد عصر التنوير يدرس الكائنات الحية وهو واحد منها، ويحلل الاقتصاد فيما يخضع لشروطه، ويفحص اللغة التي يتكلم بها علماً أنها تسبقه وتحدد مجال تعبيره. عند فوكو إن الإنسان كائن محدود تصوغه شروط التاريخ والحياة واللغة.
المقصود بـ«موت الإنسان» أفول هذه الصورة المعرفية. إنها نهاية الاعتقاد بأن الذات تقف خارج التاريخ وتمنحه معناه، وأنها تعرف نفسها معرفة شفافة ومكتملة. يكشف فوكو، في المقابل، إنساناً تشكله اللغة والمعرفة والسلطة، ويظل قادراً على تعديل علاقته بما صنعه.لهذا كتب في «حفريات المعرفة» أنه يكتب كي «لا يكون له وجه»، وطلب إلى قارئه ألا يسأله من يكون، وألا يجبره على البقاء الشخص نفسه. فالوجه الثابت هو ما تحتاج إليه المؤسسة كي تنشئ ملفاً متماسكاً؛ هوية مستقرة، ومسار يمكن تتبعه ومحاسبته. أما الكتابة بلا وجه كما أصر فوكو وخصوصاً في أعوامه الأخيرة، فتعني الاحتفاظ بحق التحول والتغيّر، ومنع الأفكار السابقة من أن تصبح زنزانةً يحبس صاحبها داخلها.
ضرورة فوكو اليوم
تغدو استعادة فوكو اليوم ضرورية لأن عصرنا أعاد إنتاج الأسئلة التي شغلت مشروعه في صور أشد تعقيداً. في عصر ما بعد الحقيقة الذي نعيشه تبدو أسئلة فوكو مثل كيف تتحول المعرفة إلى سلطة؟ وبأي وسائل يدفع الإنسان إلى قبول الصورة التي ترسمها المؤسسة له؟ عوارض لقلق العصر. تكمن راهنية فوكو بالتالي في قدرته على تعقّب القوة حين تتخفى داخل المؤسسات والإدارة، وحين تقدم القرارات والإجراءات بوصفها استجابةً طبيعية تفرضها الوقائع.
علّمنا فوكو أن السؤال عن السلطة لا ينتهي عند معرفة الحاكم أو تحديد مركز القرار. ثمة سلطة تعمل تحت مستوى الدولة، داخل المدرسة والمستشفى والسجن والأسرة ومكان العمل. إنها ترتب الوقت والمكان، وتضع المعايير. هذه السلطة لا تنتظر لحظة القمع كي تظهر، بل إنها ما يصنع السلوك اليومي، وتدفع الإنسان إلى مراقبة نفسه بعين المؤسسة. لهذا تبدو قراءة فوكو ملحّة في زمن اتسعت فيه أدوات القياس، وأصبح الفرد محاطاً بالتقييمات والملفات والمؤشرات منذ طفولته حتى موته.
استعادة فوك إذن لهي استعادة لمنهجه، كالحفر تحت البداهة، وإعادة التاريخ إلى ما يقدم نفسه كطبيعة، وأيضاً البحث عن علاقات القوة داخل أكثر المؤسسات براءةً. تقتضي استعادته أيضاً دفع أسئلته إلى مناطق لم يمنحها ما تستحق من الاهتمام، وفي مقدمتها الاستعمار والعرق والطبقة والاقتصاد. الحاجة إلى فوكو اليوم بعد مئة عام من ولادته تبدأ من هذه المهمة: كشف عن مكامن السلطة (الخفية) فجعلها مرئية حتى لا تستقر فينا، وتحويل ما يبدو قدراً إلى واقعة تاريخية قابلة أولاً وأخيراً للنقد والنقض.