رغم التوقعات التي رجّحت أن تأتي ميزانية عام 2027 أكثر انكماشًا، تحت ضغط التطورات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد وتقلبات أسواق الطاقة، جاء البيان التمهيدي لوزارة المالية برسالة أقوى من مجرد أرقام الإيرادات والنفقات. فقد حافظت الميزانية على مستوى إنفاق قوي يقدر بنحو 1.392 تريليون ريال، واستمرت في تمويل الأولويات التنموية والمشروعات ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي، بما يعكس أن المملكة لا تتعامل مع الأزمات بمنطق التراجع، بل بمنهج يوازن بين الاستدامة المالية واستمرار التحول.
لكن التغطية الإعلامية، كالعادة، انشغلت بنشر الأرقام والتصريحات والرسوم البيانية، ولم تتوقف بما يكفي عند السؤال الأهم: ماذا تعني هذه الأرقام للناس؟
أبرز ما ورد في البيان من وجهة نظري أن مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي بلغت مستوى تاريخيًا قدره 57.3 % خلال النصف الأول من عام 2026. والمقصود هنا «الأنشطة» غير النفطية، لا «المنتجات» ولا الإيرادات الحكومية غير النفطية. وببساطة، يعني الرقم أن أكثر من نصف حجم الاقتصاد أصبح يأتي من قطاعات خارج النشاط النفطي، مثل الصناعة والسياحة والتقنية والتجارة والخدمات اللوجستية والترفيه والتمويل. وهذا ليس مجرد تغير إحصائي، بل تحول في مصادر الوظائف والاستثمار والدخل والفرص المتاحة للقطاع الخاص.
والصورة تصبح أوضح حين نعرف أن قيمة الأنشطة غير النفطية بلغت في عام 2025 أعلى مستوى تاريخي لها عند 2.7 تريليون ريال، وأن الإيرادات غير النفطية ارتفعت من 166 مليار ريال عام 2015 إلى 505 مليارات ريال عام 2025. كما أصبحت تغطي نحو 36% من إجمالي النفقات، مقارنة بـ17% قبل عشرة أعوام. هذه الأرقام تعني أن الاقتصاد بات أكثر تنوعًا وقدرة على امتصاص تقلبات أسواق النفط، وإن ظل النفط مكوّنًا رئيسيًا في قوته.
ولعلي أستذكر معكم ما درسته في تغطية الميزانيات، فعندما نُقلت الميزانية البريطانية عبر التلفزيون للمرة الأولى عام 1990، لم تكتفِ BBC ببث خطاب وزير الخزانة.
خصصت برنامجًا تحليليًا امتد أربع ساعات، واستخدمت الرسوم التوضيحية والخبراء، فيما نشرت مجلة «راديو تايمز» قائمة تفاعلية بعنوان: «ماذا تعني الميزانية لك؟»، ليتمكن المشاهد من متابعة أثر كل قرار في دخله ومدخراته وحياته اليومية.
هنا يظهر الدور الذي قصّر فيه الإعلام المحلي، وهو تحويل المؤشر الاقتصادي إلى معنى. فعوضًا عن الاكتفاء بعبارة «ارتفاع تاريخي»، كان ينبغي شرح كيف ينعكس هذا التحول على فرص العمل، ونمو المنشآت، وقدرة الدولة على مواصلة الإنفاق، ومتانة الاقتصاد أمام الأزمات.
برأيي حتى الجانب الجيوسياسي في البيان كان يستحق قراءة أعمق. فعندما تأثرت الملاحة عبر مضيق هرمز، ارتفعت حصة منافذ البحر الأحمر من الصادرات غير النفطية إلى 40.7 %، مقارنة بـ19.3 % قبل الأزمة، ومن الواردات إلى 48.3 % مقابل 23.1 %. هذه ليست أرقام شحن عابرة؛ إنها دليل على أن الاستثمار في الموانئ والطرق والخدمات اللوجستية صنع بدائل حقيقية وقت الأزمة.
يظل دور وزارة المالية مقتصرًا على إعلان الميزانية، لكن دور الإعلام يجب أن لا يكرر تلك الأرقام، بل يصنع منها قصة تحول وطني، ويفسر ما وراء تلك الأرقام للجمهور.
رغم التوقعات التي رجّحت أن تأتي ميزانية عام 2027 أكثر انكماشًا، تحت ضغط التطورات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد وتقلبات أسواق الطاقة، جاء البيان التمهيدي لوزارة المالية برسالة أقوى من مجرد أرقام الإيرادات والنفقات. فقد حافظت الميزانية على مستوى إنفاق قوي يقدر بنحو 1.392 تريليون ريال، واستمرت في تمويل الأولويات التنموية والمشروعات ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي، بما يعكس أن المملكة لا تتعامل مع الأزمات بمنطق التراجع، بل بمنهج يوازن بين الاستدامة المالية واستمرار التحول.
لكن التغطية الإعلامية، كالعادة، انشغلت بنشر الأرقام والتصريحات والرسوم البيانية، ولم تتوقف بما يكفي عند السؤال الأهم: ماذا تعني هذه الأرقام للناس؟
أبرز ما ورد في البيان من وجهة نظري أن مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي بلغت مستوى تاريخيًا قدره 57.3 % خلال النصف الأول من عام 2026. والمقصود هنا «الأنشطة» غير النفطية، لا «المنتجات» ولا الإيرادات الحكومية غير النفطية. وببساطة، يعني الرقم أن أكثر من نصف حجم الاقتصاد أصبح يأتي من قطاعات خارج النشاط النفطي، مثل الصناعة والسياحة والتقنية والتجارة والخدمات اللوجستية والترفيه والتمويل. وهذا ليس مجرد تغير إحصائي، بل تحول في مصادر الوظائف والاستثمار والدخل والفرص المتاحة للقطاع الخاص.
والصورة تصبح أوضح حين نعرف أن قيمة الأنشطة غير النفطية بلغت في عام 2025 أعلى مستوى تاريخي لها عند 2.7 تريليون ريال، وأن الإيرادات غير النفطية ارتفعت من 166 مليار ريال عام 2015 إلى 505 مليارات ريال عام 2025. كما أصبحت تغطي نحو 36% من إجمالي النفقات، مقارنة بـ17% قبل عشرة أعوام. هذه الأرقام تعني أن الاقتصاد بات أكثر تنوعًا وقدرة على امتصاص تقلبات أسواق النفط، وإن ظل النفط مكوّنًا رئيسيًا في قوته.
ولعلي أستذكر معكم ما درسته في تغطية الميزانيات، فعندما نُقلت الميزانية البريطانية عبر التلفزيون للمرة الأولى عام 1990، لم تكتفِ BBC ببث خطاب وزير الخزانة.
خصصت برنامجًا تحليليًا امتد أربع ساعات، واستخدمت الرسوم التوضيحية والخبراء، فيما نشرت مجلة «راديو تايمز» قائمة تفاعلية بعنوان: «ماذا تعني الميزانية لك؟»، ليتمكن المشاهد من متابعة أثر كل قرار في دخله ومدخراته وحياته اليومية.
هنا يظهر الدور الذي قصّر فيه الإعلام المحلي، وهو تحويل المؤشر الاقتصادي إلى معنى. فعوضًا عن الاكتفاء بعبارة «ارتفاع تاريخي»، كان ينبغي شرح كيف ينعكس هذا التحول على فرص العمل، ونمو المنشآت، وقدرة الدولة على مواصلة الإنفاق، ومتانة الاقتصاد أمام الأزمات.
برأيي حتى الجانب الجيوسياسي في البيان كان يستحق قراءة أعمق. فعندما تأثرت الملاحة عبر مضيق هرمز، ارتفعت حصة منافذ البحر الأحمر من الصادرات غير النفطية إلى 40.7 %، مقارنة بـ19.3 % قبل الأزمة، ومن الواردات إلى 48.3 % مقابل 23.1 %. هذه ليست أرقام شحن عابرة؛ إنها دليل على أن الاستثمار في الموانئ والطرق والخدمات اللوجستية صنع بدائل حقيقية وقت الأزمة.
يظل دور وزارة المالية مقتصرًا على إعلان الميزانية، لكن دور الإعلام يجب أن لا يكرر تلك الأرقام، بل يصنع منها قصة تحول وطني، ويفسر ما وراء تلك الأرقام للجمهور.
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.