من قلب النزوح والجوع.. الفلسطينية سلوان جودة تروي مأساة نساء غزة تحت نيران الحرب

في خيمة صغيرة داخل مخيم الشاطئ، تعيش الفلسطينية سلوان نهاد عبدالحميد جودة، البالغة من العمر 38 عامًا، رحلة يومية من المعاناة والصمود، بعدما أجبرتها الحرب على النزوح من منزلها الأصلي في مخيم جباليا، لتبدأ فصلًا جديدًا من القهر الإنساني رفقة زوجها وأطفالها الخمسة، وسط ظروف معيشية قاسية فرضتها الحرب المستمرة على قطاع غزة.

تقول سلوان إن المرأة الفلسطينية واجهت خلال الحرب تحديات وصعوبات “تفوق قدرة البشر على الاحتمال”، خاصة خلال فترات النزوح والطوارئ والمجاعة التي ضربت القطاع، موضحة أن النساء أصبحن يتحملن أعباء مضاعفة في محاولة توفير الحد الأدنى من احتياجات أسرهن، بينما تحولت الحياة إلى دائرة متواصلة من الخوف والمعاناة وانعدام الاستقرار.

وتؤكد أن النساء كنّ الفئة الأكثر تضررًا من الحرب، ليس فقط بسبب فقدان الأزواج والأبناء والأقارب، بل أيضًا نتيجة النزوح المتكرر وغياب الأمن والأمان، إلى جانب تضاعف المسؤوليات اليومية بشكل غير مسبوق داخل حياة الخيام ومراكز الإيواء.

وتضيف: “أصبحت المرأة تقوم بكل شيء بطرق بدائية ومرهقة؛ الطبخ على الحطب، والغسيل اليدوي، ومواجهة الأمراض المنتشرة، في ظل فقدان الخصوصية وازدياد حالات الاستغلال الاقتصادي والابتزاز والتحرش داخل أماكن النزوح”.

وتوضح سلوان أن الحرب أثرت بشكل كارثي على الحالة النفسية للنساء، حيث تعاني الأمهات من القلق الدائم والعصبية المفرطة والخوف المستمر على الأطفال، وهو ما انعكس بشكل مباشر على العلاقات الاجتماعية والحياة الأسرية.

كما أشارت إلى أن الارتفاع الجنوني في الأسعار فاقم معاناة الأمهات، خاصة مع العجز عن توفير الطعام والملابس والمسكن للأطفال، إضافة إلى ارتفاع إيجارات المنازل بشكل كبير، الأمر الذي دفع آلاف العائلات للبقاء داخل الخيام التي “لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء”.

أما على صعيد التعليم، فتؤكد أن إغلاق المدارس والجامعات والمعاهد التعليمية تسبب في كارثة حقيقية لجيل كامل من الطلاب، بعدما تعطلت العملية التعليمية وظهرت فجوة تعليمية واسعة، خاصة مع تدمير المدارس وسرقة محتوياتها.وتضيف: “الطلاب اليوم يتلقون التعليم داخل خيام تعليمية وهم جالسون على الأرض، في ظروف خطيرة قد تتعرض للقصف بأي لحظة”.

ورغم حجم المأساة، تؤكد سلوان أن النساء العاملات في القطاع الصحي قدمن نماذج بطولية خلال الحرب، حيث خاطرن بحياتهن من أجل إنقاذ المصابين وتقديم الرعاية الطبية.

وتقول: “الأم تترك أطفالها داخل الخيمة وتذهب للمستشفى أو المستوصف لتؤدي واجبها الإنساني”، مشيرة أيضًا إلى أن الصحفيات الفلسطينيات تعرضن للاستهداف المباشر أثناء نقلهن الحقيقة من الميدان.

الحوامل والأمهات في مواجهة الخطروتشير سلوان إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه النساء في غزة حاليًا انعدام الخصوصية داخل الخيام، وغياب الأمن الغذائي، خاصة بعد تفشي المجاعة بصورة واسعة.

كما أوضحت أن نسبة كبيرة من النساء فقدن أزواجهن خلال الحرب، ما اضطرهن لتحمل مسؤولية الأسرة كاملة، ورعاية الأيتام والقيام بالأعمال المنزلية الشاقة بوسائل بدائية تتطلب جهدًا بدنيًا هائلًا.

وفيما يتعلق بالنساء الحوامل، أكدت أنهن يعانين من نقص حاد في التغذية والرعاية الصحية، إضافة إلى غياب مواد التنظيف وانتشار الأمراض والأوبئة، الأمر الذي يهدد صحة الأمهات والأجنة معًا.وأضافت أن الحوامل والمرضعات يعتمدن حاليًا على العيادات المتنقلة ونقاط الطوارئ التي لا تستطيع توفير الرعاية الكاملة، ما يزيد من مخاطر الإجهاض والمضاعفات الصحية.

وتختتم سلوان جودة حديثها بالتأكيد على أن النساء في غزة يعشن تحت ضغوط نفسية “تفوق الوصف”، تشمل القلق والاكتئاب والخوف واضطرابات نفسية حادة نتيجة الحرب المستمرة، مضيفة أن آثار هذه المأساة لن تتوقف بانتهاء القصف، بل ستبقى جراحًا نفسية عميقة في ذاكرة النساء والأطفال لسنوات طويلة.