من سؤال طفل إلى حرفة العمر… أربعون عاماً في كتابة الوجوه المقدسة

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

في الكنيسة، قد تبدو الأيقونة للوهلة الأولى لوحة دينية معلّقة على جدار. لكن الوقوف أمامها يكشف شيئاً آخر: وجوه صامتة، ألوان وذهب، رموز وخطوط، تحمل في تفاصيلها رواية دينية كاملة. إنها ليست صورة فحسب، بل لغة بصرية ارتبطت عبر قرون بالصلاة والتأمل وتكريم المسيح والعذراء والقديسين.

في سوريا، تعود شواهد استخدام الصور المسيحية في أماكن العبادة إلى القرون الأولى للمسيحية. ففي مدينة دورا أوروبوس شرق البلاد، عُثر على مبنى أعيد تهيئته للعبادة المسيحية نحو عام 232 ميلادياً، وفي غرفة المعمودية فيه رسوم مسيحية، بينها تصوير للمسيح في هيئة الراعي الصالح ومشاهد من العهد الجديد. وتُعد هذه الرسوم من أقدم الشواهد المعروفة عن الفن المسيحي التصويري، وإن كان توصيف المبنى باعتباره "كنيسة منزلية" لا يزال موضع نقاش بين الباحثين.

لكن الطريق من تلك الرسوم المبكرة إلى الأيقونة البيزنطية كان طويلاً؛ طريق تشكلت خلاله قواعد الصورة المقدسة، ورمزيتها، وتقنياتها، وصولاً إلى مدارس فنية حملت ملامح المناطق التي احتضنتها.

لم يكن أيمن بيطار يعرف شيئاً عن هذا التاريخ عندما بدأت علاقته بالأيقونة. كان في العاشرة من عمره، من سؤال بسيط لم يفارقه: لماذا يقف الناس أمام هذه الصور ويصلّون؟ يستعيد بيطار تلك اللحظة "شوف العالم عم تروح عالكنيسة عم يصلوا للأيقونة، صار عندي فضول أعرف الأيقونة شو هيي؟".كان السؤال بداية طريق لم يكن يعرف إلى أين سيقوده؟

بدأ بيطار محاولاته الأولى في الرسم، ولا يزال يحتفظ، بحسب روايته، بأول عمل أنجزه بالألوان الزيتية. التحق بدورة استمرت أربع سنوات في مركز صبحي شعيب، ثم حاول دخول كلية الفنون الجميلة في دمشق، لكن محاولته لم تنجح، فاتجه إلى دراسة الرياضة في المعهد الرياضي.كان يمكن أن تنتهي القصة عند هذا الحد، لولا شخص آخر رأى في تلك المحاولات موهبة تستحق أن تتحول إلى اختصاص.

أيقونة القدّيسون الأربعون شهيداً للفنان أيمن البيطار في سوريا(الصورة مروة البرغش- النهار)

موهبة اكتشفها مطران... فكان الطريق إلى اليونان

في حمص، كان المطران ألكسي عبد الكريم يتابع أعمال بيطار ولوحاته، ويشجعه على التخصص في هذا المجال.

في ذلك الوقت، كان بعض الكنائس السورية يستعين بفنانين من اليونان ورومانيا لتنفيذ أعمال الأيقونات، فيما كان عدد المتخصصين في هذا الفن داخل سوريا ولبنان محدوداً. لذلك جاءت الخطوة التي غيّرت مسار حياة بيطار: في عام 1989، أرسله المطران إلى اليونان للتخصص في كتابة الأيقونة.

هناك، لم يكتف بالدراسة، بل عمل لتأمين تكاليفها. وفي الجامعة، لفتت أعماله أحد أساتذته الذي طلب منه العمل معه في الكنائس، واستمر التعاون سبع سنوات. كانت تلك السنوات، بحسب بيطار، المدرسة العملية التي أتاحت له أن يتعلم الأيقونة لا من الكتب وحدها، بل من الخشب والجدار واللون وممارسة العمل داخل الكنيسة. منذ ذلك الحين، لم تعد الأيقونة هواية عابرة، أصبحت مهنة وإرثاً يحاول أن يحمله إلى الجيل التالي.

في التقليد المسيحي الشرقي، تشير كلمة "أيقونة" إلى الصورة المقدسة التي تمثل المسيح أو العذراء أو القديسين، أو تصور مشهداً من الرواية الدينية. والكلمة مشتقة من اليونانية "eikōn"، بمعنى الصورة أو التمثال/الشبه.

يصرّ بيطار على استخدام تعبير "كتابة الأيقونة" بدلاً من "رسمها". فالفنان، في هذا التقليد، لا يبدأ من خياله وحده، ولا يتعامل مع الشخصية المقدسة باعتبارها موضوعاً فنياً مفتوحاً لكل الاحتمالات. هناك مرجعيات وقواعد ورموز وتكوينات وألوان تحمل دلالاتها.

يقول:"الأيقونة لوحة دينية روحانية نصور فيها المسيح والعذراء والقديسين وحياة المسيح بالإنجيل، برموز معينة كي تكون جسراً للمصلي والتأمل".

ولهذا ارتبطت الأيقونة في التقليد المسيحي الشرقي بالصلاة والتكريم والتأمل. فالجدل التاريخي الطويل حولها لم يكن متعلقاً بجمال الصورة وحده، بل بالسؤال عن العلاقة بين الصورة والشخص المقدس الذي تمثله.ومن هنا تأتي مسألة كثيراً ما يُساء فهمها: الأيقونة لا تُعبد. في التقليد الأرثوذكسي، لا يتوجه التكريم إلى الخشب أو اللون لذاتهما، بل إلى الشخصية المقدسة التي تمثلها الصورة، فيما تبقى العبادة لله وحده.

بالنسبة إلى بيطار، الأيقونة وسيلة للتأمل والصلاة، "جسر بين العبد والرب"، لا غاية في ذاتها. ويضيف أن المؤمن عندما يقف أمام الأيقونة لا يتوجه إلى المادة نفسها، وإنما تستحضره الصورة إلى الشخصية المقدسة التي تمثلها، لتكون جزءاً من تجربته الروحية داخل الكنيسة.

أيقونة العذراء المرشدة التي كتبها أيمن البيطار (الصورة مروة البرغش)

يرتبط فن الأيقونة ارتباطاً وثيقاً بالتقليد البيزنطي، لكن انتقاله بين المراكز المسيحية المختلفة في الشرق لم ينتج نمطاً واحداً متطابقاً في كل مكان. ومع مرور الزمن، ظهرت اختلافات محلية في الأسلوب والتكوين والألوان والزخارف والملامح، مع بقاء الموضوعات الدينية والقواعد الأساسية للإيقونوغرافيا حاضرة.

وكانت سوريا جزءاً من هذا العالم المسيحي والبيزنطي منذ قرون مبكرة. لكن بيطار يرى أن انتقال هذا الإرث إلى سوريا لم يكن مجرد نقل لنموذج يوناني كما هو، بل نشأت داخل المنطقة مدارس وأساليب حملت ملامح بيئاتها المحلية.

ويقول: "المنبع للأيقونات البيزنطية هو اليونان، لكن كل مدرسة أخذت من هذا الإرث واشتغلت بحسب تقاليدها. الأيقونة الروسية والأيقونة القبطية وغيرهما، كل واحدة صار لها أسلوبها، والاختلاف يظهر بالخطوط والألوان والتعابير".

وفي سوريا، يميز بين تجارب ومدارس عدة، ويشير خصوصاً إلى المدرسة الحلبية بوصفها الأبرز، إلى جانب المدرسة الحمصية والمدرسة القدسية، ويرى أن لكل منها سمات في طريقة معالجة الخطوط والألوان والتعبير.

أيمن البيطار يروي رحلته في عالم الأيقونات (صورة مروة البرغش)

تحتل حلب مكانةً مهمة في تاريخ الأيقونة المشرقية، وتوجد أعمال محفوظة في المتاحف الدولية تربط بعض الأيقونات مباشرة بالمنطقة.

فالمتحف البريطاني، مثلا، يحتفظ بأيقونة يرجح أنها من فنان من القرن السابع عشر كان ينشط في مناطق نفوذ البطريركيات المسيحية الشرقية، ويربطها المتحف بمدينة حلب ومدرستها الفنية. وتتميز بخصائص تجمع بين عناصر كريتية وكتابات باليونانية والعربية وحدود زخرفية مرتبطة بمدرسة حلب.

كذلك يحتفظ بأيقونة صنعت في حلب عام 1998، مرتبطة بالمجتمع المسيحي الأرثوذكسي فيها، وتحمل كتابات بالسريانية. وهذه القطعة لا تثبت وحدها استمرارية المدرسة الحلبية التاريخية بالمعنى الفني، لكنها توثق استمرار صناعة الأيقونة في البيئة المسيحية الحلبية إلى العصر الحديث.

خلف الصورة التي تبدو بسيطة للعين، عملية طويلة ودقيقة.

في الأيقونات الخشبية التقليدية، يُحضّر السطح بطبقات تأسيسية، ثم يُصقل بعناية قبل أن يبدأ التخطيط. ويستخدم الفنانون تقنيات مثل تمبرا البيض، التي تعتمد صفار البيض وسيطاً لربط الأصباغ، إلى جانب الجسو والذهب، وهي تقنيات توارثها هذا الفن عبر أجيال.