من حكايات رهيف تمساح *

1. الساكن الجديد/ حكاية شادي بطرس

لم تكن لشادي بطرس علاقة حقيقية من أيّ نوع بالكتابة وأهلها، ولكنه كان يكنّ للكتّاب كلهم تقديراً عميقاً من بُعد. وقد جمعَتني به صداقة استمرّت عشرة أعوام ولم تنجح على رغم متانتها بدفعه إلى مناداتي يوماً باسمي مجرّداً من الألقاب. أنا دائماً عنده «حضرة الكاتب»، وفي أحسن الأحوال «الأستاذ رهيف».وخلافاً لما قد يبدو عليه الأمر، وللسياق الساخر الذي يرد من خلاله هذا التعبير على ألسنة آخرين مثل هشام جوهر، فإن شادي كان ينطق عبارته بجدية واحترام مطلقين. لم يقبل شادي يوماً أن أقوم بعملٍ أراه عادياً ويرى أنه يحطّ ولو قليلاً من مكانتي التي يراها سامية، فقط بوصفي كاتباً. كل هذا وهو لم يقرأ لي حرفاً واحداً على رغم حرصي على إهدائه نسخة من مؤلفاتي تقديراً لمحبته الغامرة.

ولم يقبل يوماً ألا يعاملني الآخرون أمامه بالاحترام المفرط ذاته الذي يعاملني به، كأن يكتفوا بإلقاء تحية عادية عليّ مثلاً، فإن فعلوا لجهل منهم بشخصي ومهنتي، تبرّع لإعلامهم بما يجهلونه، مخاطباً إياهم بلهجة ضائعة بين المزاح والجد: — ألا تعرف الأستاذ رهيف؟ ألم تسمع باسمه من قبل؟وأمام الحرج البادي على وجه المستمع، يواصل شادي معزوفته: — اكتب اسم «رهيف تمساح» في خانة البحث على «غوغل» أو سواه من محرّكات البحث، وانظر ما يطالعك من نتائج لتعرف من يكون الشخص الواقف قبالتك.

ومن البديهيّ أن ينتهي البحث عن اسمٍ يعمل صاحبه في الصحافة ويمارس الكتابة الأدبية منذ زمنٍ طويل إلى نتائج كثيرة. ولكنني جهدتُ لإقناع شادي أنها ليست طريقة موثوقة لتقييم الأشخاص، وأن قيمة المرء ليست في عدد المرات التي ذُكِرَ فيها اسمه عبر شبكة «الإنترنت»، وقيمة الكتاب في محتواه لا في أصل وجوده، وأن ثمّة من يؤلفون بدل الكتاب عشرة، فلا يضيفون إلى الإنسانية شيئاً، ولا إلى الموضوع الذي زعموا معالجته في كتابهم من أدبٍ أو نقدٍ أو علمٍ من العلوم.

ويتجاوز شادي أحياناً عن كل ما سبق، لا عن اقتناع، بل يوهمني بذلك كي يتيسر له الانتقال إلى الحجة التي يرى أن تواضعي الزائد لن يسعفني في ردّها: «ماذا تقول عن توقيع كتابك الذي حضرته بنفسي وشهدتُ تهافت الناس لحضوره ووقوفهم أمام طاولتك يتزاحمون بالمناكب للحصول على نسخة موقّعة من الكتاب؟ ماذا تقول عن القاعة الكبيرة التي غصّت بأكثر من أربعمئة امرأة ورجل على الرغم من البرد القارس يومها؟»أستمع لمحدّثي، وعوض الابتهاج بكلماته، أرثي لحال نسخ الكتاب الموزّعة بإهمال على أرفف مكتبات منزلية لقرّاء وهميين حضروا الحفل بدافع من محبتهم لشخصي فقط، وقد عرفوني صديقاً أو جاراً أو قريباً أو نسيباً، ومن دون اهتمام فعليّ بالكتاب، إلا بالقدر الذي يعرفه شادي نفسه. وأتذكر تلك التجربة الأولى والأخيرة لي مع حفلات التوقيع بشكلها السائد واكتفائي بندوات المناقشة التي لا يحضرها إلا المهتمون فعلاً، بشكل طوعيّ تماماً، بعيداً من أي دعوة يوجهها إليهم ناشرٌ أو كاتبٌ أو منتدى ثقافي.

وكانت تحضرني نماذج كثيرة من الكتّاب — الذين ذُكِروا في هذا الكتاب، أو سواهم — حين ينبري شادي إلى تبجيل عموم الكتّاب، تلك «الفئة الراقية» من الناس، فأكره أن أروي له بعض حكاياتها، كي لا يصيبه ذلك بالصدمة والإحباط، فينتقل من التعميم الإيجابي إلى التعميم السلبي.حتى جاء يوم أنكرتُ فيه همود شادي وصمته غير المعتاد. سألته عن السبب فحدّثني عن الساكن الجديد في بنايتهم، الذي لم يترك شكلاً من أشكال إزعاج الجيران — المعروفة والمبتكَرة — يعتب عليه، حتى باتت الحياة في تلك البناية جحيماً، من دون أن يقوى الساكنون القدامى على طرده منها أو كفّ شرّه وأذاه، أو يملكوا القدرة على الانتقال بأنفسهم منها، لأنه مواطنٌ مدعومٌ يعرف من أين تؤكل الكتف.كل ذلك لم يكن كافياً كي يصيب شادي بطرس — دائم البشاشة والمرح والثرثرة — بمرض السكوت والخيبة، لولا أن الساكن الجديد كان كاتباً!

2. لغتنا فرحتنا: حكاية أنطوان أبي طاي

كَمَن «أتى برأس كُلَيب»، قدِم سعيد ضاحكاً مستبشراً في ذلك الصباح.— هل تعرف الأستاذ أنطوان أبي طايع؟كانت بيني وبين سعيد شديد معرفة ناشئة، و«شبه صداقة» حاول شادي بطرس، صديقنا المشترك، إرساء دعائمها بالحديث المتكرّر عني وعن «موهبتي الأدبية». وكان سعيد مثل شادي، لطيفاً ودوداً بصورة لا تملك معها إلا أن تحبّه وتتجنّب ما أمكنك أن تخيّب ظنه أو تكسر خاطره.

أجبتُه بالنفي فحاول كتم استغرابه، من دون أن ينجح تماماً في ذلك، وبادرني قائلاً: — افتح «الفايسبوك» من هاتفك الآن.فامتثلت، لأتلقى بعدها الطلب التالي من سعيد بالدخول إلى صفحة «لغتنا فرحتنا». بدأت أفهم الأمر قليلاً، ولكنني واصلت تنفيذ طلبات سعيد، ومن صفحة «لغتنا فرحتنا» إلى مجموعة مغلقة تحمل الاسم ذاته، ثمّ إلى الحساب الشخصي للأستاذ أبي طايع على الموقع الأزرق، ألفيت نفسي غارقاً في مجموعة نصوص ركيكة وخواطر وجدانية متهافتة، كتبتها طامحات إلى دخول دنيا الأدب من أضيق الأبواب، في صفحة أخرى من تلك الصفحات التي انتشرت كالفطر في الفضاء الافتراضي حاملةً أسماء فضفاضة مثل «رحيق الحروف» و«شذى الكلمات» و«أزاهير الأدب»، ساعيةً لإشباع شهوة العذارى إلى الكتابة والنشر والشهرة الموهومة، والتي يديرها شيّابٌ اقتصرت حصتهم من الأدب على لغة سليمة، وحلم فائت، وشبق متجدّد بالعذارى لا سبيل إلا إطفائه إلا بسنّارة الكلمة وطعم الشهرة.

بشّرني سعيد بأنه ذكرني بالخير أمام أستاذه الكبير، الذي عرفت للتوّ أنه جاره، وامتدحني بوصفي شاعراً موهوباً ينتظره مستقبل واعد، وكان الشعر تهمتي الأدبية الأبدية التي لم أرتكبها يوماً، واضطررتُ على الدوام إلى نفيها من دون جدوى، فـ «كلّه عند العرب صابون». وبينما أفكّر في مخرجٍ من تلك الورطة لا أخيّب فيه ظنّ سعيد بي، ولا بأستاذه الكبير، ولا بـ «رأس كُلَيب» الذي أتى به، فوجئتُ به يهاتف الرجل، ليحدّثه عني!كان واضحاً أن الأستاذ أبي طايع نسي اسمي تماماً، وأنه ليس ممتنًّا لإيقاظه في هذا الوقت المبكر لأجل عينَي رهيف تمساح، أو هذا ما بدا من نبرته المتأففة المتسللة من سماعة الهاتف، ولكنه اضطرّ إلى التجاوب مع طلب سعيد بالتحدث إليّ، وبدوري وجدتُ نفسي أحيي شخصاً سمعت باسمه قبل دقيقتين فقط باحترام بالغ معرباً عن تقديري لشخصه وجهده في خدمة الأدب!

وفي تلك اللحظة النادرة، عرض عليّ أنطوان أبي طايع مفتاحاً للمجد لم يمنحه من قبل إلا لعذراواته، فأخبرني أنه يرحّب بنشر نصوصي في مجلته الافتراضية كرمى لعينَي سعيد، منبّهاً إلى ضرورة أن تكون لغتي جيّدة بما يكفي كي أتجنّب سهام النقّاد المتمرّسين الذين يتفاعلون مع الصفحة ويتركون تعليقاتهم على منشوراتها، ووجدتُ نفسي أطمئنه بجدّية تامّة إلى سلامة لغتي، وأعده أنني لن أخيّب ظنه، طامحاً إلى إنهاء المكالمة بسلام، وهو ما حصل، قبل أن أعيد الهاتف إلى سعيد الذي انزوى في ركنٍ من المكان مكملاً حديثه مع أستاذه باحترام شَديد، شاكراً له نبله وتواضعه ومعتذرًا عن إزعاجه في مثل هذا الوقت المبكر على الأدباء الكبار.بدوري، شكرتُ لسعيد حُسنَ صنيعه معي، وحرصه على تكريمي عن طريق تسهيل انضمامي — الذي لم يحصل — إلى المجموعة الأدبية المغلقة الرائعة «لغتنا فرحتنا»، بينما كانت ماغي التي شهدت الحادثة منذ البداية، واقفةً بالقرب منا تهزّ رأسها بأسف، وتتمتم بكلمات التقطتُ من بينها عبارة «لن تتغير أبداً يا رهيف»!* من كتاب صدر حديثاً للكاتب عن دار «فضاءات للنشر والتوزيع» في عمَّان يحمل عنوان «حكايات رهيف تمساح»، يضمّ 25 حكاية حقيقية عن عالم الكتابة وأهلها.