في عام 2016 كانت المملكة تدخل مرحلة مختلفة من تاريخها التنموي. انخفاض أسعار النفط فرض ضغوطًا اقتصادية ومالية، وأظهر الحاجة إلى تنويع الاقتصاد، ورفع كفاءة الإنسان، وتوسيع قاعدة المشاركة في صناعة المستقبل. وفي ذلك السياق جاءت رؤية السعودية 2030 كمشروع واسع للتحول الاقتصادي والاجتماعي والمؤسسي، ضمن أفق يمتد خمسة عشر عامًا. وبعد نحو عقد من انطلاقها، يصبح السؤال الأهم متعلقًا بالإنسان نفسه: ماذا حدث للوعي السعودي، وكيف انتقل التغيير من كونه مشروعًا تقوده الدولة إلى تجربة يعيشها المجتمع في تفاصيل الحياة اليومية؟
تظهر التحولات الاقتصادية في المؤشرات الكبرى، بينما تظهر التحولات الاجتماعية في تفاصيل أكثر هدوءًا: في طريقة التعلم، وفي المشاركة، وفي العلاقة بالمؤسسات، وفي حضور التطوع، وفي الوصول إلى الحقوق والخدمات، وفي اتساع مساحات الثقافة والمعرفة. ومن هذه التفاصيل تتشكل صورة التحول الذي أصاب البيئة التي يعيش فيها الإنسان السعودي ويتعلم ويعمل ويتفاعل داخلها.
يقدم التطوع صورة واضحة لهذا التحول. ففي عام 2016 كان عدد المتطوعين المسجلين أكثر من 34 ألفًا، ثم تجاوز 1.7 مليون متطوع في 2025، مع أكثر من 189 مليون ساعة تطوعية و552 ألف فرصة تطوعية، وامتداد المشاركة إلى أكثر من 30 مجالًا. وتشير بيانات رؤية السعودية 2030 إلى أن التطوع أصبح أكثر تنظيمًا وتخصصًا، مع دخول المهارات المهنية في مجالات الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية وتنمية المجتمع.
تحول التطوع بهذا الحجم يجعل المشاركة المجتمعية جزءًا من الحياة العامة. فالوقت والخبرة والمهارة أصبحت موارد يمكن أن تتحول إلى خدمة اجتماعية، وأصبح الفرد يجد أمامه مساحات منظمة للمبادرة والمساهمة وصناعة الأثر، سواء عبر العمل التطوعي أو المبادرات المجتمعية أو المؤسسات غير الربحية.
ويمتد التحول إلى مفهوم الإنسان نفسه. فالبنك الدولي ينظر إلى رأس المال البشري باعتباره حصيلة المعرفة والمهارات والصحة، ويتابع تشكله عبر مراحل الحياة من الطفولة المبكرة إلى التعليم والشباب والعمل. وفي أحدث موجز للمملكة لعام 2026 بلغ مؤشر رأس المال البشري الموسع للسعودية 210 من أصل 325، مع مستويات للمملكة أعلى من متوسط المنطقة في محاور الصحة والتعليم والتوظيف.
هذه النظرة تضع الطفولة والتعليم والصحة والمهارات والعمل ضمن مسار واحد، وتجعل بناء الإنسان عملية ممتدة ترافق الفرد منذ سنواته الأولى وتستمر مع التعليم والعمل والتعلم المستمر. ولذلك يرتبط الوعي بالبيئة التي ينشأ فيها الإنسان، وبنوعية التعليم الذي يتلقاه، والمهارات التي يكتسبها، والفرص التي يجدها أمامه، والمساحة التي تمنحه إياها المؤسسات للانتقال من المعرفة إلى الفعل.
وفي التعليم تبدو ملامح التحول أكثر وضوحًا. فقد ركزت المشاورات الوطنية السعودية التي وثقتها اليونسكو ضمن قمة تحويل التعليم على بناء القدرات، والمهارات المستقبلية، والتعلم مدى الحياة، والابتكار وريادة الأعمال، والمهارات الرقمية، والتفكير النقدي، والتنوع الثقافي. كما تضمنت الأولويات تطوير المناهج وإدخال مهارات القرن الحادي والعشرين، وتوسيع مسارات التعلم، ودعم التعليم الإلكتروني والتعلم المدمج، ورفع جاهزية الطلاب لمتطلبات سوق العمل المتغير.
أصبح التعليم بذلك مساحة لبناء القدرة على التعلم والتكيف والإبداع، وتمتد عملية بناء الإنسان إلى ما بعد سنوات الدراسة من خلال التعلم مدى الحياة والتدريب واكتساب المهارات الجديدة. المدرسة والجامعة وسوق العمل تتقاطع في تشكيل إنسان أكثر اتصالًا بالمعرفة وأكثر قدرة على التعامل مع التحولات المحيطة به.
وتأخذ الثقافة مكانًا مختلفًا في هذه الرحلة. ففي العلا، تعمل اليونسكو مع الهيئة الملكية لمحافظة العلا على نموذج يجعل التراث مساحة للحوار والتعلم والتفاعل بين الثقافات، ضمن مفهوم «المتحف الحي» الذي يربط التراث بالحياة المعاصرة ويشجع مشاركة المجتمع.
وفي عام 2025 نشرت اليونسكو دراسة عن التراث الوثائقي في العلا، ودعت إلى دمج هذا التراث في التعليم، وتمكين أفراد المجتمع من القيام بدور حراس للذاكرة المحلية، واستخدام التقنيات الحديثة في حفظ النقوش والمصادر التاريخية وإتاحتها.
بهذا تتحول الثقافة إلى علاقة حية بين الإنسان ومكانه وذاكرته. فالتراث يدخل إلى التعليم، والتقنية تفتح الوصول إلى الذاكرة، والمجتمع يشارك في حفظها وتفسيرها، وتصبح الثقافة مساحة يلتقي فيها الماضي بالحاضر، والهوية بالحوار، والمحلي بالعالمي.
وفي الحياة اليومية تظهر صورة أخرى للتحول عبر الحقوق والخدمات. فقد طورت وزارة العدل قنوات وخدمات موجهة لكبار السن والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة وغير القادرين على الوصول إلى مقرات الخدمة، ومن بينها خدمة كتابة العدل المتنقلة التي تصل إلى المستفيد في موقعه، إلى جانب القنوات الرقمية وأدوات الوصول المخصصة. وتشمل الخدمة نزلاء المستشفيات ودور الرعاية والملاحظة وحاملي بطاقة أولوية.
هذه التفاصيل اليومية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمؤسسة. فتصميم الخدمة وفق ظروف المستفيد، وتعدد قنوات الوصول، ووصول الخدمة إلى الإنسان في موقعه، كلها تنقل مفهوم الخدمة العامة إلى مساحة أكثر ارتباطًا بتجربة الفرد واحتياجاته.
وتتوزع هذه التحولات على المجتمع كله: الطفل والأسرة، المرأة والرجل، الشباب وكبار السن، الأشخاص ذوو الإعاقة، الطلاب، العاملون، المتطوعون، والمستفيدون من الخدمات العامة. ولذلك تبدو صورة الوعي السعودي اليوم مرتبطة بتغير البيئة الاجتماعية بكاملها، وباتساع الأدوار التي يستطيع الفرد أن يمارسها داخل المجتمع.
وتأتي الثقافة في هذا التحول ضمن حركة عالمية أوسع. فتقرير اليونسكو العالمي للسياسات الثقافية لعام 2025، الذي استند إلى أكثر من 1200 تقرير وطني ومحلي للفترة بين 2019 و2024، يتعامل مع الثقافة بوصفها مرتبطة بالحقوق والتعليم والتحول الرقمي والمرونة الاجتماعية وبناء المجتمعات الشاملة والمستدامة.
وعلى امتداد هذه المسارات تتشكل علاقة جديدة بين الإنسان والتحول. الرؤية تفتح الاتجاه، والسياسة تصنع المجال، والمؤسسة تبني الأدوات، والتعليم يوسع القدرة، والثقافة تعيد تشكيل العلاقة بالمعرفة والهوية، والخدمات تقرب الحقوق من الحياة اليومية، والتطوع يوسع مساحة المشاركة. ومع تراكم هذه المسارات يتغير السلوك، ومع تغير السلوك تتغير صورة الإنسان عن دوره في المجتمع.
ومن أكثر المفاهيم التي تستحق التأمل في هذه الرحلة تسريع الزمن الثقافي. فعندما تتحرك التشريعات والمؤسسات والتعليم والثقافة والخدمات والمشاركة المجتمعية في اتجاهات متزامنة، تقصر المسافة بين القرار والممارسة. وما يحتاج في الظروف التقليدية إلى زمن طويل حتى يصبح مألوفًا في الحياة العامة، يمكن أن يتشكل بوتيرة أسرع عندما تتغير البيئة المحيطة بالإنسان في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.
وفي هذا المشهد يمكن قراءة المدرسة السعودية للقيادة الواعية بوصفها إطارًا فكريًا يركز على الإنسان والبيئة التي يتحرك فيها. فالوعي يقرأ الواقع وامتداداته، والسكينة تمنح القرار عمقه، والحزم يحول الرؤية إلى فعل. وتصبح القيادة صناعة للبيئة التي تمنح الإنسان مساحة للتعلم والمشاركة والتجربة والمبادرة وتحمل المسؤولية وصناعة الأثر.