رسالة لمعالي أمين عسير.. أنسنة طريق الملك فهد «أبها – خميس مشيط» ضرورة لمراعاة الحركة المرورية وزحمة الصيف – د. يحيى جابر

تُعد أنسنة المدن والطرق أحد التحولات المهمة في فلسفة التخطيط الحضري الحديث، إذ تقوم على إعادة تصميم البيئة العمرانية لتكون أكثر ملاءمة للإنسان، وتحقق التوازن بين احتياجاته في التنقل والحركة والراحة والترفيه والتفاعل الاجتماعي، مع المحافظة على كفاءة البنية التحتية واستدامتها، وقد أصبحت هذه الفلسفة جزءاً من التوجهات التنموية التي تتبناها المملكة ضمن رؤية 2030 وبرنامج جودة الحياة.

وفي هذا السياق تابعت باهتمام تفاعل عدد من أهالي منطقة عسير، وبالذات سكان أبها وخميس مشيط، مع إحدى تغريدات معالي أمين منطقة عسير المهندس عبدالله الجالي بشأن مشروع أنسنة طريق الملك فهد الرابط بين مدينة ابها ومحافظة خميس مشيط، واستوقفتني الملاحظات التي طرحها المواطنون حول ضرورة المحافظة على اتساع الطريق وعدد مساراته، وأن لا تؤدي أعمال التطوير إلى تقليص قدرته الاستيعابية أو التسبب في اختناقات مرورية جديدة، وهي ملاحظات تستحق الاهتمام والدراسة، لأنها تنطلق من تجربة يومية لمستخدمي الطريق، وتعبّر عن حرصهم على أن تكون المشروعات التطويرية متوافقة مع احتياجاتهم الفعلية، وهنا أرى أن النقاش حول المشروع يمثل فرصة لتوضيح مفهوم الأنسنة وأهدافها، وكيف يمكن تحقيقها دون الإخلال بالوظيفة المرورية لطريق يُعد من أهم المحاور الحيوية في المنطقة.

بداية، من الإنصاف الإشادة بالجهود التي تبذلها أمانة منطقة عسير بقيادة معالي المهندس عبدالله الجالي، وما تشهده المنطقة من حراك تطويري في تحسين المشهد الحضري والارتقاء بالطرق والمرافق العامة والمساحات المفتوحة، وهي جهود تعكس اهتماماً متزايداً بجودة الحياة وتطوير المدن بما يتناسب مع مكانة عسير السياحية والعمرانية، خصوصاً أن طبيعة المنطقة الجغرافية وتنوع مدنها ومحافظاتها يفرضان تحديات تخطيطية وتنفيذية تتطلب رؤية شاملة وحلولاً تراعي خصوصية كل موقع، وقد أكد معالي أمين المنطقة أن مشاريع تحسين المشهد الحضري بدأت منذ عام 2022، وشملت تطوير الطرق والأرصفة والإنارة والمرافق العامة وعناصر الأنسنة في أبها وخميس مشيط ومحايل وبيشة والمجاردة وسراة عبيدة وغيرها من مدن ومحافظات المنطقة، مشيراً إلى أن هذه المشروعات تسهم في تحسين تجربة السكان والزوار وتعزيز النشاط الاقتصادي والتجاري، «المصدر: وكالة الأنباء السعودية، أمانة عسير: مشاريع أنسنة الطرق والمرافق العامة تعزز جودة الحياة وتنشط الاقتصاد، 2 يوليو 2026».

وهذا التوجه يستحق الدعم، فالتطوير الحضري ليس مقتصراً على إنشاء الطرق وتوفير الخدمات الأساسية، بل أصبح مرتبطاً بجودة المكان ومدى قدرته على تلبية احتياجات السكان، وتحويل الفضاءات العامة إلى بيئات أكثر جاذبية وأماناً وحيوية.

الأنسنة في مفهومها الحضري تعني أن يكون الإنسان محور التخطيط والتصميم، وأن تُبنى المدن والطرق والمرافق وفق احتياجات مستخدميها بمختلف فئاتهم، وليس وفق متطلبات المركبات والمباني والبنية التحتية وحدها، وتشمل توفير أرصفة مهيأة للمشاة، وممرات آمنة، ومسارات للدراجات، وأشجار وظلال، ومقاعد للجلوس، وإنارة مناسبة، ومعابر آمنة، ومرافق تراعي احتياجات كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأطفال، إلى جانب تحسين جودة المشهد البصري والبيئي، لكن الأنسنة أوسع من التشجير والتجميل، وأعمق من إضافة الممرات والمقاعد، فهي ترتبط بكيفية استخدام الإنسان للمكان، ومدى سهولة وصوله إلى الخدمات، وشعوره بالأمان والراحة، وقدرته على ممارسة الأنشطة اليومية والاجتماعية والترفيهية، ويؤكد برنامج جودة الحياة، أحد برامج رؤية المملكة 2030، أهمية تطوير مناطق حضرية أكثر ملاءمة للعيش، وتحسين المشهد الحضري في المدن السعودية، والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للسكان، وهو ما يجعل الأنسنة جزءاً من مسار تنموي متكامل، وليس مجرد مشروع تجميلي محدود، «المصدر? رؤية المملكة 2030، برنامج جودة الحياة، الأهداف الاستراتيجية والتقرير السنوي لعام 2025»، ومن هنا فإن نجاح الأنسنة يقاس بمدى تحسينها لحياة الإنسان اليومية، وليس بعدد الأشجار التي تزرع أو أطوال الأرصفة التي تنفذ فقط.

يكتسب مشروع أنسنة طريق الملك فهد الرابط بين أبها وخميس مشيط أهمية خاصة بسبب طبيعة الطريق ووظيفته، فهو ليس شارعاً داخلياً يخدم حياً سكنياً محدوداً، وإنما محور رئيسي يخدم حركة التنقل بين مدينتين حيويتين، ويرتبط بالأنشطة السكنية والتجارية والخدمية والتعليمية والسياحية، وقد أوضحت أمانة منطقة عسير في إعلانها عن المشروع أن المرحلة الأولى تشمل أعمال التطوير على جانبي الطريق في كلا الاتجاهين، وتتضمن تأهيل الأرصفة وإنشاء مسارات للمشاة والتشجير وتوفير المواقف وتنظيم العناصر الحضرية المصاحبة، بهدف تحسين تجربة التنقل وإضفاء طابع جمالي على أحد المحاور الرئيسية في المنطقة، «المصدر: أمانة منطقة عسير، خبر طريق الملك فهد الرابط بين أبها وخميس مشيط، الموقع الرسمي للأمانة، 2026».

وهذا الإعلان يوضح طبيعة الأعمال التطويرية المعلنة، لكنه لا يقدم في حد ذاته تفاصيل كافية للحكم على عدد المسارات المرورية بعد التنفيذ أو التغييرات المحتملة في عرض الطريق، ولذلك فإن التساؤلات التي طرحها الأهالي بشأن المحافظة على المسارات تحتاج إلى إجابات فنية واضحة من الجهة المختصة، وهي تساؤلات أتساءلها أيضاً، الآن عدد المسارات متعددة في كل طريق وبالرغم من ذلك يوجد زحام، وفي الصيف إختناق مروري حقيقي في كثير من الأماكن بنفس الطريق، ففي حال تنفيذ الطريق كما شاهدنا تخطيطه وصورته يصبح مساران في كل طريق بدلاً من السابق عدة مسارات وهنا يصبح الإختناق مضاعف والزحام مضاعف ايضاَ، لذلك لابد من وجهة نظري دراسة هذه المشكلة قبل الوقوع في مأزق لأن معالي الأمين سيبقى فترة زمنية ثم يذهب ويبقى الطريق عشرات السنين للأهالي والمنطقة وهنا علينا التنبه، وهي في الأساس اقتراحات فقط للدراسة ومن ثم تتخذ الجهة ما تراها مناسب.

من أبرز الملاحظات التي ظهرت في تفاعل الأهالي وأنا منهم التخوف من أن يؤدي التوسع في المساحات المخصصة للأرصفة والممرات والتشجير إلى تقليص المساحة المتاحة للمركبات، وبالتالي التأثير في عدد المسارات والطاقة الاستيعابية للطريق، وهنا لا بد من التأكيد أن هذه الملاحظة ليست رفضاً لفكرة الأنسنة، وإنما تساؤل مشروع حول كيفية تحقيقها دون أن تنعكس سلباً على حركة التنقل اليومية، فالمواطن الذي يستخدم الطريق للوصول إلى عمله أو جامعته أو منزله يريد بيئة حضرية جميلة وآمنة، لكنه يريد أيضاً طريقاً يستوعب الحركة المرورية دون تأخير غير مبرر، والأنسنة الحقيقية ينبغي أن تحقق المطلبين معاً، إن تقليص المسارات في الطرق ذات الحركة المرتفعة، إذا لم تسبقه دراسة متخصصة وحلول بديلة، قد يؤدي إلى زيادة كثافة المركبات وارتفاع زمن الرحلات، خصوصاً خلال ساعات الذروة، كما أن الاختناقات المرورية لا تؤثر في وقت المستخدمين فحسب، بل قد تزيد استهلاك الوقود والانبعاثات ومستويات التوتر، وتؤثر في كفاءة الحركة الاقتصادية والخدمية، ومن المهم هنا ألا نستبق النتائج أو نحكم على التصميم قبل الاطلاع على تفاصيله الهندسية، لكن من حق الأهالي معرفة عدد المسارات المعتمدة، وعرضها، ومدى المحافظة على الطاقة الاستيعابية للطريق بعد اكتمال المشروع.