.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
لم تعد أسابيع الموضة مجرد منصات لعرض مجموعات الأزياء الجديدة، بل تحولت إلى أدوات اقتصادية تستقطب الزوار والمشترين والعلامات التجارية ووسائل الإعلام، وتنعكس على قطاعات الفنادق والمطاعم والنقل والتجزئة والخدمات الإبداعية. وبينما تواصل باريس وميلانو ونيويورك ولندن ترسيخ مكانتها في اقتصاد الموضة العالمي، تدخل دبي والرياض المنافسة من بوابة مختلفة تقوم على بناء منظومة متكاملة للصناعات الإبداعية والسياحة والأعمال.
في المدن الكبرى، يبدأ الأثر الاقتصادي لأسبوع الموضة قبل العرض ويستمر بعده. فالزوار الدوليون والمحترفون يحتاجون إلى الإقامة والتنقل وتناول الطعام، فيما تستفيد الشركات المحلية من خدمات الإنتاج والتصوير والإعلام والفعاليات والتجزئة.
وتقدم باريس مثالاً واضحاً على الأثر الاقتصادي لأسابيع الموضة. فبحسب بيانات المعهد الفرنسي للموضة (Institut Français de la Mode) التي أوردتها مدينة باريس، تحقق أسابيع الموضة في العاصمة نحو 1.2 مليار يورو، أي قرابة 1.4 مليار دولار، من العوائد الاقتصادية سنوياً. وتستضيف المدينة نحو 400 عرض أزياء في العام، فيما تشكّل العلامات الأجنبية نحو نصف العلامات المدرجة في الجدول الرسمي. كما تستقطب المعارض المهنية المرتبطة بقطاع الموضة نحو 100 ألف زائر فردي سنوياً، ما يعكس امتداد أثر هذه الفعاليات إلى قطاعات السياحة والضيافة والخدمات والأعمال.
وفي نيويورك، يقدّر تقرير صادر عن مكتب المراقب المالي للمدينة، استناداً إلى بيانات مؤسسة التنمية الاقتصادية لمدينة نيويورك ( (NYCEDCالأثر الاقتصادي لأسبوع الموضة في نيويورك بنحو 887 مليون دولار. ويُقام الحدث مرتين سنوياً، في شباط/فبراير وأيلول/سبتمبر، ويستقطب مصممين وعلامات تجارية ومشترين وصحافيين من مختلف الأسواق.
ويشير التقرير إلى أن قطاع الموضة في المدينة يدعم نحو 180 ألف وظيفة، ويولّد أكثر من 10 مليارات دولار من الأجور سنوياً، فيما يضم نحو 23 ألف شركة. كما تمتد فوائده إلى قطاعات أخرى، بينها الفنادق والمطاعم والنقل والخدمات الإبداعية، ما يجعل أسبوع الموضة جزءاً من منظومة اقتصادية أوسع تتجاوز عروض الأزياء نفسها.
أما في لندن، فتُظهر بيانات هيئة لندن الكبرى ومكتب عمدة لندن أهمية الموضة من ضمن الاقتصاد الإبداعي للعاصمة. ووفق البيانات الرسمية، يولّد أسبوع الموضة في لندن أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني، أي نحو 135 مليون دولار، من الطلبات التجارية في كل موسم، فيما تشير بيانات أخرى إلى أن الحدث حقق نحو 131 مليون جنيه إسترليني، أي ما يقارب 177 مليون دولار، من المبيعات المباشرة لتجار التجزئة الدوليين.
وعلى نطاق أوسع، ساهم برنامج "نمو الاقتصاد الإبداعي" في تأمين أكثر من 2.8 مليار جنيه إسترليني، أي نحو 3.8 مليارات دولار، من المبيعات والتجارة والاستثمار في لندن منذ عام 2019. وتوضح هذه الأرقام كيف تمتد قيمة أسبوع الموضة إلى ما وراء عروض الأزياء، لتشمل التجارة الدولية والمشترين والخدمات والفعاليات والاقتصاد الإبداعي في المدينة.
وتتحول ميلانو خلال أسبوع الموضة إلى إحدى أبرز الوجهات العالمية لصناعة الأزياء، مع مئات العروض والفعاليات التي تجمع دور الأزياء والمصممين والمشترين والإعلاميين من مختلف الأسواق. وفي نسخة خريف/شتاء 2025–2026، التي أقيمت بين 25 شباط/فبراير و3 آذار/مارس 2025، ضم البرنامج الرسمي 153 فعالية بين عروض أزياء وعروض تقديمية وفعاليات مختلفة، بحسب بلدية ميلانو، التي وصفت الحدث بأنه محرك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمدينة.
وتستند ميلانو إلى قطاع أزياء ضخم يتجاوز أسبوع الموضة نفسه. فبحسب منصة "يس ميلانو" (YesMilano ) ، تضم المدينة أكثر من 11 ألف شركة في قطاع الموضة، توظف نحو 93 ألف شخص، وتحقق أكثر من 14.7 مليار يورو، أي نحو 15.9 مليار دولار، من الإيرادات. كما تضم نحو 800 صالة عرض و6 آلاف منفذ بيع، فيما يصل متوسط إنفاق السائح الدولي اليومي إلى نحو 155 يورو، أي قرابة 168 دولاراً.
تشهد صناعة الموضة توسعاً جغرافياً متسارعاً، مع دخول دبي والرياض إلى المشهد العالمي عبر فعاليات تجمع الأزياء بالتجارة والسياحة والأعمال.
في دبي، رسّخ "أسبوع دبي للموضة" حضوره من ضمن أجندة القطاع العالمية، مع تنظيم دورتين خلال عام 2025. وبحسب المكتب الإعلامي لحكومة دبي، شهدت نسخة ربيع/صيف 2025 مشاركة أكثر من 30 علامة تجارية من دول عدة، بينها فرنسا والهند وإيطاليا والكويت ولبنان وماليزيا وفلسطين وروسيا والإمارات والمملكة المتحدة. كما تضمن الحدث برنامجاً للمشترين وفرصاً للتواصل التجاري، إلى جانب مشاركة وكالة التجارة الإيطالية التي قدمت 25 علامة إيطالية، ما عزّز البعد التجاري الدولي للفعالية.
وفي أيلول/سبتمبر 2025، استضافت دبي دورة خريف/شتاء 2025–2026، بمشاركة علامات ومصممين من أسواق مختلفة، في مؤشر على توسع الحدث واستمرار الاستثمار في موقع الإمارة من ضمن صناعة الموضة العالمية.
أما الرياض، فشهدت في تشرين الأول/أكتوبر 2025 النسخة الثالثة من "أسبوع الموضة في الرياض"، بين 16 و21 تشرين الأول/أكتوبر. ووفق وكالة الأنباء السعودية "واس"، تضمن البرنامج أكثر من 25 عرض أزياء و10 عروض تقديمية ومعرضاً وفعاليات مختلفة في أنحاء المدينة، فيما فُتح جدول الحدث للمرة الأولى أمام العلامات الدولية، إلى جانب حضور مشترين عالميين ووسائل إعلام وشخصيات من قطاع الأزياء.
وتشير دراسة "اقتصاديات أسابيع الموضة" الصادرة عن هيئة الأزياء السعودية إلى أن النسخ الثلاث الأولى من أسبوع الموضة في الرياض، استقطبت أكثر من 100 علامة ونحو 27 ألف زائر، وساهمت في تعزيز الحضور الإعلامي والعلاقات التجارية ونمو الأعمال للمشاركين.
ولا يتوقف هذا التوسع عند تنظيم العروض. ففي السعودية، امتد النشاط إلى بناء روابط مباشرة مع الأسواق العالمية، إذ أبرمت هيئة الأزياء اتفاقاً مع "وايت ميلانو" (WHITE Milano) لإنشاء أول صالة عرض دولية لها في المملكة، بهدف ربط المواهب والعلامات السعودية بالمشترين والأسواق العالمية.
تكشف أرقام أسابيع الموضة أن القيمة الحقيقية لهذه الفعاليات لا تُقاس بعدد العروض وحده، بل بقدرتها على تحويل الزوار والمهنيين والعلامات التجارية إلى حركة تجارية مستمرة. ومع توسع دبي والرياض في استقطاب المصممين والمشترين وبناء الشراكات الدولية، يصبح نجاحهما مرتبطاً بقدرتهما على تحويل الزخم الموسمي إلى نشاط اقتصادي مستدام على مدار العام.