رغم التزامات بـ65 مليار دولار… الاستثمار الفعلي في المعادن الحرجة يتراجع 9%

شهد قطاع المعادن الحرجة تحولاً سريعاً خلال العامين الماضيين، فرغم تقديم الاقتصادات المتقدمة التزامات حكومية بقيمة 65 مليار دولار العام الماضي، انخفض الاستثمار الفعلي بنسبة 9% بسبب صعوبة توقع التدفقات النقدية طويلة الأجل، لتصبح الاستثمارات في ذلك القطاع بمثابة رهانات متعثرة ومحفوفة بالمخاطر.

أزمة الطلب المستدام

وقال الكاتب ديفيد فيكلينغ في مقال بالنسخة الإنجليزية لوكالة أنباء "بلومبرغ"، إن قطاع المعادن الحرجة يفتقر إلى الطلب المستدام الكفيل بتحويل التعهدات الحكومية والاستثمارات الخاصة إلى أعمال تجارية متينة، كما أن خسارة مستخدم نهائي رئيسي قد تتداعى آثارها عبر سلسلة التوريد وتُنفّر المستثمرين من المعادن الحيوية كلياً.

وأوضح أن التدفقات المالية المفاجئة قد تخلق من المشاكل بقدر ما تحل، في ظل معاناة المعادن الحرجة من بناء سلاسل إمداد مستقرة وضمان طلب ثابت من المستخدمين النهائيين، مضيفاً: "في عالم المعادن الحرجة، لا وجود لحلول وسط: إما جفاف قاحل أو طوفان جارف".

وتابع أنه لسنوات طويلة، كان على الشركات الساعية إلى تعدين أو معالجة العناصر النادرة والحيوية لأداء السيارات الكهربائية، والمسيّرات، والأجهزة الطبية، ومصابيح الليد، والمحركات النفاثة، والرقائق الإلكترونية، أن تقاتل من أجل كل سنت.

ولم يجد مستثمرو أدوات الدين والأسهم مبرراً قوياً للمخاطرة بأموالهم في المعادن الحرجة، لأن تكاليف التشغيل عادةً لا تقل عن تكاليف المعادن التقليدية كالنحاس والألمنيوم، بل غالباً ما تكون أسوأ بكثير، كما أن الأسواق المحدودة وشحيحة السيولة تجعل التنبؤ بالتدفقات النقدية طويلة الأجل أمراً شبه مستحيل، مما يحرم المصارف من الثقة الكافية لتقديم قروض ضخمة.

تراجع الاستثمار الفعلي

وضخت الاقتصادات المتقدمة العام الماضي التزامات حكومية بقيمة 65 مليار دولار لصالح المعادن الحرجة، وهو ما يتجاوز أربعة أضعاف مستويات عام 2023، ومع ذلك لم تُترجم هذه الأموال الموعودة إلى سيولة تشغيلية فعلية على أرض الواقع، إذ تراجع الاستثمار الفعلي بصورة مقلقة بنسبة 9% العام الماضي.

ولعل مسار شركة "إنرجي فيولز" يجسد ذلك بوضوح، فقد أسست الشركة كمنتج أمريكي لليورانيوم، غير أن الحظ عاكسها لتصطدم بانهيار أسعار الوقود النووي في أعقاب كارثة فوكوشيما دايتشي عام 2011.

وخلال الحروب التجارية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أعادت الشركة ابتكار نموذج أعمالها، مستغلة منشأتها لمعالجة اليورانيوم في جنوب شرق ولاية يوتا لفصل العناصر الأرضية النادرة، لكنها خسرت كامل مكاسب قيمتها السوقية المحققة خلال العام الماضي.

وبدأت الشركة عمليات الفصل التجريبية لأكثر العناصر ندرة، مثل الديسبروسيوم والتيربيوم والساماريوم- اللازمة لصناعة المغناطيسات المقاومة لدرجات الحرارة العالية - العام الماضي، بالتزامن مع حالة الذعر التي أصابت المصنعين الأمريكيين إثر قطع الصين صادرات هذه المغناطيسات رداً على الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب.

وبحلول أواخر يناير من هذا العام، تضاعفت القيمة السوقية لأسهم "إنرجي فيولز" خمس مرات مقارنة بما كانت عليه قبل سبعة أشهر، وسعت الإدارة إلى تحويل الشركة إلى كيان متكامل رأسياً ينتج العناصر الأرضية النادرة من "المنجم إلى المغناطيس"، فأنفقت 300 مليون دولار للاستحواذ على شركة تعدين أسترالية، قبل أن تضخ 1.9 مليار دولار أخرى في يونيو للاستحواذ على شركة "فاك" المتخصصة في صناعة المغناطيسات.

إلا أن هذه الانطلاقة اصطدمت بعائق جسيم الشهر الماضي؛ فوفقاً لتقرير أوردته وكالة "رويترز"، أنهت شركة "جنرال موتورز" - العميل المستحوذ على 90% من إنتاج مصنع مغناطيسات "فاك" في سومتر بولاية كارولاينا الجنوبية - اتفاقها التعاقدي. ونتيجة لذلك، هوت القيمة السوقية لشركة "إنرجي فيولز"، التي ناهزت 6.5 مليار دولار في يناير، لتصل اليوم إلى أقل من الثلث.

الخوف من الصدمة

وأشار الكاتب إلى أنه في ظل القلق العالمي المتصاعد بشأن العناصر الأرضية النادرة، يُفترض منطقياً وجود قاعدة عريضة من العملاء البدلاء لمنتجات "فاك"، غير أن تحقق ذلك ليس مضموناً بأي حال، وتكمن الخطورة في هذا القطاع الصغير والهش في أن انسحاب مستخدم نهائي عملاق واحد قادر على إحداث صدمة تتداعى عبر سلسلة التوريد بأكملها.

وأوضح أن تداعيات ذلك لن تقتصر على إلحاق الضرر بالشركات المعرضة للخطر مباشرة فحسب، بل قد تُنفر المستثمرين من قطاع المعادن الحيوية برمته، وتطرد رؤوس الأموال الخاصة التي تحتاجها الصناعة بإلحاح لإرساء استقرارها المالي.