سبق أن كتبت عن الذكاء الاصطناعي، وكنت أرى أن التطور الحقيقي للذكاء الرقمي لا ينبغي أن يتوقف عند قدرة الآلة على تحليل البيانات أو التعرف على الأنماط أو التنبؤ بالنتائج أو حتى اقتراح الحلول أمام الإنسان. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، يظل في جوهره أداة أو مجموعة من الأدوات الذكية التي تساعد الإنسان والمؤسسة على فهم الواقع واتخاذ القرار. ولذلك طرحت في أعمالي السابقة رؤية تقوم على أن المرحلة الأكثر أهمية ليست فقط تطوير الذكاء الاصطناعي ليصبح أكثر قدرة، وإنما تطويره ليصبح جزءًا من منظومة ذكاء أكبر تستطيع أن تنتقل من التحليل والتنبؤ واقتراح الحلول إلى التفاعل والتنفيذ والمتابعة والتعلم والتكيف بصورة مستمرة. ومن هذا المنطلق جاء طرحي لمفهوم الذكاء التنظيمي أو المنظومي Systemic Intelligence (SI) بوصفه مستوى مختلفًا من التفكير في مستقبل الذكاء الرقمي. فالهدف لم يكن إنشاء آلة أكثر ذكاءً من آلة أخرى فحسب، وإنما الانتقال من مفهوم «الآلة الذكية» إلى مفهوم «النظام الذكي». وهذا فرق جوهري؛ لأن النظام الذكي لا يعتمد على الذكاء الاصطناعي وحده، بل يجمع بين الذكاء البشري والذكاء المؤسسي والذكاء الاصطناعي والبيانات وأجهزة الاستشعار وإنترنت الأشياء والتوائم الرقمية والروبوتات والبنية الرقمية والاتصالات والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وآليات الحوكمة.
ومن هنا، فإن الإعلان والتطورات الأخيرة المتعلقة بما يسمى الذكاء الاصطناعي العام Artificial General Intelligence (AGI) أراها من منظور نظري جزءًا من المسار الذي سبق أن طرحته في كتابي « الحياة في مدن المستقبل الذكية» (الفايز 2025)، وليست نهاية الطريق الرقمي. فالذكاء الاصطناعي العام يمثل، في أبسط تعريفاته، محاولة للانتقال من أنظمة متخصصة في مهام محددة إلى ذكاء أكثر عمومية يستطيع التعامل مع مجالات ومشكلات متعددة، ونقل المعرفة بين المجالات، والتعلم والتكيف والاستدلال بصورة أوسع. وهذه خطوة مهمة بلا شك، ولكنها لا تعني بالضرورة أننا وصلنا إلى الصورة النهائية للذكاء الذي تحتاجه المدن والمؤسسات والدول والمجتمعات.
لقد كان جوهر طرحي أن الذكاء الاصطناعي الحالي ما زال في مرحلة مبكرة من مساره، وأن له قدرات كبيرة، ولكن له أيضًا هفواته وحدوده ومخاطره. ولذلك فإن السؤال الأهم بالنسبة لي لم يكن: كيف نجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً؟ وإنما: كيف نجعل الذكاء يعمل داخل نظام متكامل يستطيع أن يفهم الواقع ويتخذ الإجراء المناسب وينفذه ويراقب نتائجه ويتعلم منها ويتكيف معها؟ وهنا تظهر أهمية مفهوم Systemic Intelligence (SI) الذي طرحته باعتباره تطورًا مفاهيميًا يتجاوز مجرد زيادة القدرات الحسابية أو المعرفية لآلة واحدة. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد في الإجابة عن سؤال: ماذا يحدث؟ ويمكنه بدرجات متزايدة أن يساعد في الإجابة عن سؤال: ماذا يمكن أن يحدث؟ أما الذكاء الاصطناعي العام، إذا تحقق بالصورة التي يتوقعها الباحثون، فقد يضيف قدرة أوسع على الفهم والاستدلال والتعلم وحل المشكلات عبر مجالات مختلفة.
لكن الذكاء التنظيمي يطرح سؤالًا أوسع: ماذا يجب أن نفعل، وكيف ننفذ ما يجب فعله، وكيف نتابع النتائج، وكيف يتكيف النظام مع التغير المستمر؟ وهذا هو الفارق الأساسي بين AGI و SI. فالذكاء الاصطناعي العام يركز على تعميم الذكاء داخل كيان أو نظام حاسوبي ذكي، بينما يركز الذكاء التنظيمي على دمج أنواع متعددة من الذكاء داخل منظومة مترابطة قادرة على العمل بصورة مستمرة. ولذلك فإن الذكاء الاصطناعي العام يمكن أن يكون أحد مكونات الذكاء التنظيمي، ولكنه لا يمثل الذكاء التنظيمي نفسه.
وبعبارة أكثر وضوحًا، يمكن تصور التطور على ثلاثة مستويات مترابطة: الذكاء الاصطناعي هو ذكاء آلي متزايد القدرة، والذكاء الاصطناعي العام هو ذكاء آلي عام ومتعدد المجالات، والذكاء التنظيمي هو دمج هذه القدرات مع أشكال أخرى من الذكاء داخل نظام متكامل قادر على التشغيل الذاتي مع بقائه خاضعًا للحوكمة البشرية والمؤسسية. وهذا ما يفسر لماذا لا أرى أن ظهور AGI يعني أن SI أصبح غير ضروري، بل على العكس، يمكن أن يصبح AGI أحد المكونات المعرفية المهمة داخل SI.. المشكلة في بعض الطروحات الحالية هي أنها تنظر إلى الذكاء باعتباره سباقًا في زيادة قدرات الآلة، وكأن الوصول إلى ذكاء اصطناعي عام يعني تلقائيًا الوصول إلى أعلى مستوى ممكن من الذكاء. ولكن المدن والدول والمجتمعات لا تعمل كآلة واحدة. فهي أنظمة معقدة تضم ملايين البشر والمؤسسات والبنى التحتية والأسواق والبيئة والقوانين والموارد والمعلومات والمخاطر. ولذلك فإن زيادة ذكاء آلة واحدة لا تكفي لجعل المدينة أو الدولة ذكية بصورة حقيقية.
ومن هنا تأتي الفكرة الأساسية في نظريتي: الذكاء الحقيقي في المستقبل لن يكون فقط في الآلة، وإنما في العلاقة بين الآلات والبشر والمؤسسات والبيانات والبنية التحتية والبيئة والحوكمة. ففي المدينة الذكية التقليدية يمكن للنظام أن يراقب حركة المرور ويكتشف الازدحام ويقترح تحويل مسار المركبات. وفي مستوى أكثر تقدمًا يمكن للنظام أن يتنبأ بالازدحام قبل حدوثه. أما في منظومة الذكاء التنظيمي فإن النظام لا يتوقف عند التنبؤ أو الاقتراح، بل يستطيع، ضمن الصلاحيات المحددة مسبقًا، أن يفعل الإجراء المناسب، وأن يراقب نتائجه، وأن يغير استراتيجيته إذا لم تحقق النتائج المطلوبة. والأمر نفسه يمكن أن ينطبق على الطاقة والمياه والنقل والصحة والطوارئ والبنية التحتية والبيئة والخدمات العامة. فالنظام يستطيع أن يستشعر التغير، ويفهم المشكلة، ويقيم البدائل، ويحدد الاستجابة المناسبة، ويفعل الأنظمة المرتبطة به، ثم يراقب النتائج ويتعلم منها ويعدل سلوكه التشغيلي. لكن هنا يجب التأكيد على نقطة أراها جوهرية في نظري: الاستقلالية التشغيلية لا تعني الاستقلالية في السلطة. فالذكاء التنظيمي الذي أطرحه ليس نظامًا يستبدل الإنسان أو يلغي دور المؤسسات. وإنما هو نظام قادر على العمل دون تدخل بشري مستمر، بينما تبقى الأهداف والقيم والقوانين والحدود ومستويات المخاطر المقبولة والصلاحيات النهائية بيد الإنسان والمؤسسات الشرعية. فالإنسان يحدد ما الذي ينبغي تحقيقه، وما الذي يجب ألا يحدث، وما مستوى المخاطر المقبول، ومتى يجب أن يتدخل الإنسان، بينما يستطيع النظام أن يحدد بصورة ذاتية كيفية تحقيق الأهداف المصرح بها في ظل الظروف المتغيرة.
ولهذا فإن المبدأ الذي يلخص هذه الفكرة هو: العمل الذاتي لا يعني السلطة الذاتية. وهذا المبدأ، في رأيي، ضروري حتى لا يتحول النقاش حول الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي العام إلى نقاش عن استبدال الإنسان بالآلة.