الأسبوع الماضي تناولنا خطورة وسائل التواصل الاجتماعي على شعوب دول الخليج العربي. طبعا هذه الدائرة لا يمكن عزلها عن المحيط العربي الأوسع. ففي القضايا المصيرية همومنا وقضايانا واحدة. فالمواطن العربي المحب لوطنه، والغيور على كرامته ومصالحه، نتمنى أن يعي خطورة المحتوى المطروح في التواصل الاجتماعي. فهذا من مهددات الأمن والاستقرار، وسلاح فعال بيد الأعداء.
كل عربي واجبه الوطني أن يقف مع نفسه ليسأل: ماذا يستفيد حين يعيد نشر خبر يسيء إلى شعب عربي آخر، وماذا يستفيد حين يشارك في ترويج شائعة تزيد الخصومة بين الأشقاء، من المستفيد مما يفعل؟ وهل فكر في أنه قد يكون، بحسن نية، مجرد أداة في يد أعداء بلاده لإفساد علاقاتها مع أشقائها؟ قد تكون نيته الخالصة الدفاع عن وطنه، وقد يعتقد أنه ينتصر للحق، لكن هل تحقق من صحة ما ينشر؟ وهل تأمل النتائج التي تتركها كلماته في نفوس الآخرين، وهل يعي أنه يساهم في توسيع دائرة العداء بين شعوب جمعتها قرون طويلة من التاريخ والدين واللغة والمصالح والمصير المشترك؟
المواطن ليس مطلوبًا منه التخلى عن حب وطنه، ولكن حب الوطن لا تبرره كراهية الشعوب الأخرى، والدفاع عن الحق لا يستقيم بنشر الباطل. بل إن من اكتمال الحكمة والعقل الحرص على مصالح بلاده وعلاقاته، وتفويت الفرصة لمن يريد الإضرار مستغلا عواطفه الوطنية.
الامور أصبحت مزعجة، وتجعلنا الآن نتألم من مشاهدة موجات متلاحقة من الخصومات والسباب بين مواطني الدول عربية في وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي. تبدأ أحيانًا بمعلومة غير صحيحة، أو مقطع مجتزأ من سياقه، أو إساءة فردية، ثم تتحول خلال ساعات إلى معركة يتبادل فيها الآلاف الاتهامات والإهانات، وكأن الشعوب العربية أصبحت خصومًا تتحارب.
وهنا نحتاج إلى استدعاء واحدة من أعظم القيم التي أرساها الإسلام في تنظيم العلاقات الإنسانية، فكيف ننسى قول الله سبحانه وتعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ»، أو الحديث النبوي «كفي بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع».
الأمر المزعج هذه الأيام هو استعداد الجماهير لتصديق الأخبار المثيرة للغضب وتوسيع نشرها. فأنظمة التوصية والخوارزميات في وسائل التواصل تمنح المحتوى المثير للانفعال فرصًا أوسع كلما حقق تفاعلًا أعلى، فتتسع دائرة انتشاره بغض النظر عن صحته أو قيمته وتفاهته. وهكذا تصبح الخصومة مربحة والشهرة متاحة لمن يجيد تأجيج الخلافات.
وهذا ليس انطباعًا خالصا. فقد بيّنت دراسة معهد ماساتشوستس للتقنية عام 2018 أن الأخبار الكاذبة على تويتر كانت أكثر احتمالًا لإعادة التغريد بنسبة 70%، واستغرقت الصحيحة نحو ستة أضعاف الوقت لتصل إلى 1500 شخص. وتؤكد دراسات أحدث استمرار هذه الديناميكية: إذ تصل نسبة المحتوى المضلل على تيك توك إلى نحو 20-25% من المنشورات ذات الاهتمام العام، وتحصل الحسابات منخفضة المصداقية على تفاعل أعلى بعدة أضعاف، بينما تميل خوارزميات مثل إكس إلى تضخيم ما يثير الغضب لأن المستخدمين يتفاعلون معه أكثر، خاصة عبر الردود.
ويضاف إلى ذلك الأمر الأخطر: (الانحياز المعرفي)، وهذا يعني ان الناس تندفع عن رغبة وقناعة إلى تصديق ما يؤكد ويدعم قناعاتهم السابقة عندما يستثار الخوف أو الغضب.
والأخطر أن بعض المحتوى لا يكتفي بتشويه الوقائع، بل يسعى إلى تحويل الخلافات السياسية بين الدول إلى عداوات بين الشعوب. وهنا ينبغي أن نتذكر أن الحكومات قد تختلف وتتفق، وأن المصالح السياسية قد تتباين وتتغير، لكن العلاقات بين الشعوب أعمق وأطول عمرًا من الخلافات العابرة. فليس من العدل أن نحاسب شعبًا كاملًا على تصريح (فرد سفيه)، أو أن نُحمل ملايين البشر مسؤولية موقف سياسي لا يملكون القرار فيه.
إننا لا نريد مواطنًا عربيًا يتخلى عن مواقفه أو يفقد حماسته للدفاع عن بلاده، وإنما نرغب وجود مواطنًا أكثر وعيًا وحكمة، يعرف أن الوطنية ليست منافسة في الإساءات، وأن الدفاع عن المصالح الوطنية لا يتعارض مع احترام الشعوب الأخرى. بل إن حماية العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين العرب جزء من حماية المصالح الوطنية نفسها. فهذه العلاقات رصيد تاريخي وثقافي واقتصادي لا ينبغي التفريط فيه بسبب شائعة أو حملة تحريض عابرة.
وهنا نؤكد أهمية دور (المسؤؤلين العرب) بالذات في الجهات السيادية، فالمسؤولية الأكبر تقع على عاتقهم لتنشيط دور مؤسسات العمل العربي المشترك. فكما تتعاون الدول في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، لماذا لا تتعاون أيضًا في حماية العلاقات بين شعوبها من حملات التضليل والتحريض الرقمي؟ ولماذا لا تبادر (جامعة الدول العربية)، إلى إطلاق (منصة عربية) مشتركة تكون مهمتها مساعدة المواطن على الوصول إلى الحقيقة، وتمكينه من الدفاع الواعي عن وطنه وعن علاقاته مع أشقائه؟ هذا هو الوقت الذهب للجامعه. هذا الامر يتطلب تطوير أدوات حديثة لرصد الشائعات وتتبع انتشارها، والتحقق من الأخبار والصور والمقاطع المضللة، وتقديم نتائج موثوقة ومبسطة يستطيع المواطن العربي الوصول إليها بسهولة عبر هاتفه.
ولا ينبغي أن يكون هذا المشروع جهازًا للدفاع عن الحكومات أو محاصرة النقد السياسي المشروع، بل (خدمة معرفية مستقلة) تحمي حق المواطن في تبين الحقائق، وتساعده على التمييز بين النقد والإساءة، وبين الخبر الصحيح والشائعة، وبين الخلاف السياسي والتحريض على الشعوب، والتي يمارسها الكيان الصهيوني بكل براعة.
وإلى جانب الأدوات التقنية، نحتاج إلى إحياء قيمة الوعي في المدرسة والمسجد والأسرة ووسائل الإعلام، حتى يصبح الامتناع عن نشر الأخبار غير الموثوقة سلوكًا اجتماعيًا راسخًا، ويصبح التعميم العدائي على الشعوب أمرًا يرفضه الضمير الجمعي. فالتقنية تستطيع مساعدتنا على كشف الشائعة، لكنها وحدها لا تستطيع أن تمنح الإنسان الحكمة أو العدل أو الإحساس بمسؤوليته تجاه الآخرين. هذا تحققه مؤسسات التربية والتعليم والإعلام.
ونعود لمخاطبة الوجدان الشعبي لنقول: أيها العربي المحب لوطنك، تذكر أن الكلمة التي تنشرها ليست مجرد مشاركة عابرة على شاشة هاتفك؛ إنها موقف أخلاقي قد يسهم في إصلاح علاقة أو إفسادها، وفي إطفاء خصومة أو إشعالها. فلا تجعل محبتك لوطنك مدخلًا يستغله من يريدون الإضرار.
ونقول للمسؤولين العرب: إن خير ما يستطيعون تقديمه لشعوبهم اليوم هو أن يساعدوهم على حماية مشاعرهم من (الاستغلال الاستثماري)، وأن يوفروا لهم المعرفة والأدوات التي تجعل الدفاع عن الوطن دفاعًا عن الحقيقة والعدل والمصالح المشتركة، وحمايتهم من الفتن الرقمية التي قد تنمو لاحقا لتفتيت وحدة الشعب الواحد.
ما نحتاجه اليوم ليس أن نعلّم المواطن العربي كيف يحب وطنه، بل أن نساعده على ان يكون الحب في المسار الصحيح، دون أن يتحول إلى سلاح ضد أشقائه. فهل يتصدى حكماء العرب لهذا الامر، ويمارسوا مسؤولياتهم؟ ويتذكروا قول الشاعر الأفوه الأودي:
المنطقة العربية تواجه تحديات وجودية رئيسية، وتذكرنا بنفس ظروف حقبة دول الطوائف الأندلسية التي سقطت بعد انفتاح الباب للخلافات، وتغلب الأهواء والمصالح الخاصة، وعدم لجم السفهاء!