ملتقى الشارقة للخط.. الحرف يعرّج في فضاء الجمال

تتواصل تجارب الفنانين في ملتقى الشارقة للخط في دورته الثانية عشرة «ميزان» من خلال ما يقدمونه من مشاركات تعكس جماليات الحرف العربي، باعتباره فناً يجمع بين الهندسة والروحانية، ويشكل في هذه التجارب أيقونة بصرية تفيض بالأصالة والإيقاع والحركة.في هذا الإطار نقف عند ثلاث تجارب تترجم قوة وروح هذا الخط باعتباره ممارسة فنية تبرز عناصر وجماليات الفن الإسلامي.الخطاط مسعود بن حافظ قدم لوحة استخدم فيها الآيتين 70 و71 من سورة الأحزاب: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا».نفذ الخطاط الآية 70 في أسفل اللوحة باعتبارها تمثل خطاباً مباشراً يدعو العبد إلى التقى واتباع القول السديد، كما أن تنفيذ هذا الأمر الإلهي، نجده متجسداً في الطاعة التي ستكون نتيجتها هي الفوز بالمغفرة والثواب، حيث قام الخطاط باجتزاء نهاية نص الآية 71 ليرسم من خلاله نموذجاً إسلامياً في فن الخط والزخرفة.وواضح أن مسعود حرص على إبراز عظمة الحرف باعتباره تعبيراً راقياً عن الجمال والروحانية، خلال تكوين بصري باذخ من ناحية تشكيل الحرف وطواعيته، ومن خلال اللون والزخرفة، كما هو ظاهر في اللوحة.واللافت في اللوحة بالنسبة لعين المشاهد، هو توظيف الحرف ليشكل قوساً يشبه المحراب، وهذا يوجه عين المشاهد نحو الأعلى، في لحظة من الشعور الإيماني العميق.استفاد الخطاط من امتدادات وانحناءات الحروف، ليبني توازناً من الحروف الرأسية كما في (الألفات) و(اللامات)، لتستند إلى قاعدة ثابتة من الحروف الأفقية، وقد تجلت في اللوحة براعة استثنائية من الفنان في إبراز جماليات تشكيل الحرف خاصة في منتصف اللوحة، في مقابل نسبة الفراغ الظاهرة في الأعلى كما في الجزء المزخرف من اللوحة.برز حرف العين في كلمة «عظيماً» باللون الأحمر، كأن الفنان يضخ طاقة بصرية في الكلمة تعكس عظمة الفوز، مع ما يعكسه اللون الأحمر في الثقافة الإسلامية من حيوية وطاقة وقوة، والأحمر أيضاً هو لون جاذب ويشكل وسيلة تعبيرية موازية استخدمها الفنان، برزت من خلال بروز العين بلونها الأحمر وسط كثافة اللون الأسود، لتوجيه انتباه المتلقي إلى جوهر الآية التي أراد الفنان إبرازها وهي الفوز العظيم.إبداع الشكلفي تجربة للخطاط السوري حسام المطر، نتوقف عند لوحة استخدم فيها خطي الثلث والثلث الجلي في تشكيل الآية القرآنية «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات-13) ونفذ حسام المطر هذه اللوحة بتوزيعها في ثلاث كتل نصية: واحدة في اليمين والثانية في اليسار، أما الثالثة في المنتصف فاحتضنت معنى ودلالة هذا الخطاب القرآني الذي تجسد في «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».تعكس هذه التجربة جماليات تشكيل الحرف من خلال تشابك الحروف وتوظيف قواعد رسم خط الثلث والثلث الجلي في عمل فني بصري متكامل، وقد برعت حرفية الفنان في الكتلة الخطية التي جاءت بحجم كبير في منتصف اللوحة، فظهرت حروفها بشكل هندسي بديع، من خلال تشابك وتراكب الحروف التي ولدت إحساساً بوحدة الكتلة وتلاحمها.وهناك الحروف الرأسية كما في (ألفات) و(لامات) معظم الكلمات المشكلة للكتلة الخطية، التي جاءت بدورها لتمنح الشكل هيبة وجلالاً، وإيقاعاً يصعد بالنظر إلى الأعلى، وهذا منع رتابة تكوين الحروف، وكان لتوظيف علامات التشكيل دوره في إبراز جماليات الخط حيث ملأت هذه العلامات الفراغات بين الحروف وخلقت نوعاً من الزخرفة التي أضافت غنى بصرياً يكمل المنظور العام للوحة.جاء تصميم الكتلة المركزية بشكل بيضوي، وهذا منحها ثباتاً ورسوخاً، خاصة مع وجود كتلتي اليمين واليسار، اللتين جاءتا بشكل شبه مقوس يحيط بالكتلة المركزية، مما وفر توازناً بصرياً بين مختلف الجهات، فنجح الخطاط في بناء تشكيل فني تحولت فيه الحروف إلى ما يشبه الأوتار الموسيقية والكتل الفنية المتناغمة.اتساعالخط المغربي كان له نصيب في ملتقى الشارقة للخط من خلال تجربة للفنان عبد الرحيم الزهيري، الذي كتب الآيتين 48 و49 من سورة الطور هما: «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ».يتميز هذا الخط بحروفه المستديرة ومنحنياته المفتوحة أسفل خط الرسم، واتساع بعض حروفه كما في العين الظاهرة في كلمة «بأعيننا»، وتبرز في اللوحة حرفية خاصة في تشكيل هذا الخط، الذي لا يعتمد قواعد أو موازين محددة من حيث تقوسات وامتدادات بعض حروفه.نجح الزهيري في إبداع تكوين متوازن بصرياً، فملأ المساحة المستطيلة المكونة للنص القرآني من دون أي ازدحام يشوه تشكيل النص، وقد ارتفعت بعض حروف النص، وانخفضت أخرى بشكل منحن كما في (الميم) و(اللام) تبعاً لتقدير الفنان لخلق نسيج فني متكامل، وهذا منح اللوحة وقاراً وهيبة، وإيقاعاً مدروساً، خاصة مع استخدام الفنان لسماكات مختلفة في خط بعض الحروف، وما بذله من دقة في تلوين وتشكيل الحركات الظاهرة في النص الديني باللون القريب من الأحمر، لتسهيل قراءته، ومنحه بعداً جمالياً ولونياً رائعاً، مع تلك الأرضية الفاتحة والإطار الذهبي الذي يعلو الإطار من كافة الجهات.