يقدم كتاب «الأطر الاجتماعية للذاكرة» للمفكر وعالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبواكس، وترجمة د. ناهد عبد الحميد إبراهيم، رؤية رائدة للذاكرة الإنسانية، تنقلها من كونها مجرد مخزون شخصي للأحداث إلى كونها بناء اجتماعياً، يتشكل داخل الأسرة، والدين، واللغة، وسائر الأطر التي يعيش الإنسان في ظلها.من خلال معالجة فلسفية ونفسية واجتماعية متعمقة، يكشف هالبواكس كيف لا نستدعي الماضي بوصفه زمناً منقضياً، وإنما نعيد تشكيله دائماً وفق أسئلة الحاضر، وتأثير المجتمع، وما تفرضه البيئة المحيطة من معان ورؤى.كما يوضح كيف تسهم التقاليد والعلاقات الاجتماعية في صياغة الهوية الفردية والجمعية، لتغدو الذاكرة الجمعية المحرك الحقيقي للوعي، ومفتاحاً لفهم التاريخ والهوية والانتماء، مؤكداً أن الإنسان لا يتذكر بمعزل عن الآخرين، بل من خلال الأطر الاجتماعية التي تمنح ذكرياته معناها، وتعيد بناءها باستمرار.يمثل هذا الكتاب أحد أبرز الأعمال المؤسسة في علم الاجتماع الحديث، ويكشف للقارئ العربي جانباً من المشروع الفكري لموريس هالبواكس، الذي أسهم في ترسيخ مفهوم الذاكرة الجمعية، بوصفه أحد أهم المفاهيم التي أعادت قراءة العلاقة بين الإنسان والمجتمع والتاريخ.تأسيسعالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبواكس المؤسس الفعلي لعلم اجتماع الذاكرة، وذلك بفضل أعماله السوسيولوجية، التي اهتم فيها، على غير عادة مجايليه، بموضوع الذاكرة التي كان ينظر إليها، باعتبارها عملية داخلية ترتبط بالفرد وتنحصر فيه، كما هي الحال عند إميل دوركايم، إضافة إلى فرويد، فقد شدد هالبواكس في كتابه على أن الذاكرة ظاهرة مجتمعية، وليست مجرد إرث بيولوجي، كما كانت تعتقد الأوساط العلمية آنذاك.لم يكن مستغرباً أن يتعرض هذا التصور لانتقادات عدة، حيث نظر إليه باعتباره تعاملاً فضفاضاً مع ظاهرة نفسية داخلية، لا تعد من قضايا البحث السوسيولوجي، وهذا ما دفع هالبواكس طوال السنوات التي تلت صدور هذا الكتاب إلى الاشتغال بعمق أكبر على نظريته حول البعد الاجتماعي للذاكرة، قبل أن يعتقله - في باريس سنة 1944- جهاز الجستابو الألماني، وقد صدر هذا العمل غير المكتمل بعد خمس سنوات من وفاته في معتقل النازي، غير أن هذا الكتاب أعيد اكتشافه خارج ميدان علم الاجتماع (مع بداية سبعينات القرن الماضي تحديداً) في خضم الاهتمام البارز في فرنسا بقضايا التاريخ المعيش والمعاصر.أطريعالج موريس هالبواكس مسألة الذاكرة بوصفها ظاهرة اجتماعية تتجاوز حدود الفرد، وترتبط بالبنى الجماعية التي يعيش داخلها الإنسان، ويبين أن التذكر لا يتم في فراغ نفسي خاص، وإنما يتشكل داخل أطر اجتماعية، تحدد ما يستعاد من الماضي، وكيف يستعاد، ولماذا يستعاد في لحظة تاريخية معينة.يرسخ الكتاب تصوراً يرى الذاكرة فعلاً جماعياً مشتركاً، مرتبطاً باللغة والعادات والمؤسسات والرموز، ومتصلاً بالهوية الاجتماعية أكثر من اتصاله بالخبرة الفردية المعزولة، ويؤسس هالبواكس مفهوم الذاكرة الجمعية انطلاقاً من نقد التصورات النفسية الفردانية للذاكرة، ويوضح أن الفرد يتذكر بوساطة الجماعة، وأن استدعاء الماضي يتم دائماً من داخل سياقات اجتماعية حاضرة.يشرح الكتاب مفهوم «الأطر الاجتماعية» التي تمنح الذاكرة شكلها ومعناها، وأن العائلة، والدين، والطبقة الاجتماعية، والمؤسسات، والمكان، والزمن، تشكل كلها أطراً تنظم عملية التذكر، ويوضح أن الذاكرة العائلية تختلف عن الذاكرة الدينية، وأن الذاكرة الطبقية تعكس موقع الجماعة داخل البنية الاجتماعية، وتظهر الذاكرة هنا كنتاج تفاعل بين الفرد وهذه الأطر، حيث يستحيل فصل التجربة الشخصية عن الإطار الجمعي الذي يمنحها قابليتها للفهم والاستمرار.