مكتبات أحرقتها حرب إسرائيل على الذاكرة: لبنانيون يَرْثُون نسخاً نادرة من ثقافتهم

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

على مدى 18 عاماً، خاض عباس فقيه، صاحب مكتبة "فيلوسوفيا"، رحلة طويلة في اقتناء الكتب وتجميعها وبيعها. هو الذي درس الهندسة الكهربائية، وجد نفسه بالصدفة في عالمٍ لم يتوقع يوماً أن يستحوذ عليه إلى هذا الحد، حتى بات مستعداً للتخلي عن كل شيء من أجل الكتب.

الكتب التي جمعها على مرّ السنوات لم تكن عادية. بعضها طبعات أولى نادرة، وأخرى مخطوطات مكتوبة بخط اليد. يستذكر بأسى كتاب "خواطر" الذي جمع بين موسى الصدر وكمال جنبلاط وغسان تويني، ويقول إن تعويضه مستحيل. ويتحدث عن مخطوطات بخط يد محمود درويش وسميح القاسم وأمل دنقل، وهي مقتنيات نادرة كانت من الأسباب التي دفعته إلى شراء كامل لـ"دار العودة"، حفاظاً على هذا الإرث الثقافي.

لكنّ هذا الكنز الذي كان عباس يفتخر بجمعه، احترق بالكامل داخل المستودع في مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في حارة حريك ببيروت. ويؤكد أن المكتبة احترقت جزئياً، لكنّ "الخسارة الأكبر كانت في المستودع… احترقت كل الكتب، ولم أستطع إنقاذ أي منها"، رغم مجازفته بالوصول إلى المكان بعد الغارة بقليل.

خسر عباس أكثر من 20 ألف كتاب، في انتكاسة يصفها بأنها موجعة ولم يكن يتخيّل أن يعيشها يوماً بهذا الشكل. ولم يكن وحده من تكبّد هذا الفقد الثقافي، إذ امتدت الخسارة إلى شركائه في المستودع، بينهم "مركز الحضارة"، إلى جانب احتراق مستودع آخر لـ"مؤمنون بلا حدود".

مكتبة فيلوسوفيا في حارة حريك قبل تضررها (النهار)

وُصفت هذه الحرب بأنها حرب على الذاكرة والثقافة. فبرغم الحماية التي يوفّرها القانون الدولي للمكتبات ومحتوياتها خلال النزاعات المسلحة، ولا سيما بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954 التي تُعدّ المرجعية القانونية الأساسية لحماية الممتلكات الثقافية، والتي تحظر أي أعمال عدائية تستهدف المكتبات والأرشيفات ومراكز التوثيق، بما في ذلك المخطوطات والوثائق النادرة، فإن الواقع يعكس مستوى قاسياً من التدمير طال هذا الإرث الثقافي.

وأكدت وزارة الثقافة اللبنانية لـ"النهار" أن "الحرب أدت إلى تدمير 13 مكتبة عامة في لبنان، بينها 5 دُمّرت بالكامل، فيما تعرضت 8 مكتبات أخرى لأضرار جزئية أو أُقفلت وهُجرت بسبب النزوح".

يرى وزير الثقافة غسان سلامة، في حديثه لـ"النهار"، أن المنشآت الثقافية لم تكن استثناءً من حملة التدمير الممنهجة التي يشهدها الجنوب، والتي طالت المدارس والجامعات والمساجد والكنائس. ويقول إن "المكتبات أيضاً كانت ضحية هذا التدمير".

ويشير سلامة إلى أن خمس مكتبات تعرضت لتدمير كامل في مركبا ومجدل سلم وعيترون والطيبة وبنت جبيل، معرباً عن حزنه العميق لهذه الخسائر، ولا سيما في الطيبة وبنت جبيل. ويوضح أن مكتبة بنت جبيل كانت تقع في موقع أثري يُعرف بـ"السراي الكبير"، وقد نُقلت إليه بعد حرب 2006 التي دمّرت المكتبة السابقة، "وكنت من المساهمين في إنشائها"، على حدّ قوله. أما مكتبة الطيبة، فكانت خسارتها مؤلمة بشكل خاص، بعدما كانت أعمال ترميمها قد انتهت، وكان يُفترض افتتاحها قبل اندلاع الحرب الحالية.

ويلفت الوزير أيضاً إلى تضرر مكتبات أخرى جزئياً في الهرمل وجباع وكفررمان ومعركة والنبطية والنبي شيت وغيرها. وبرغم هذا الوجع، يؤكد تمسكه بإعادة بناء هذه المكتبات وحمايتها، كما حصل بعد الحروب السابقة، مشيراً إلى أن المهمة ستكون شاقة، بدءاً من رفع الركام وصولاً إلى إعادة الترميم والبناء.

ويختم بالتأكيد أن هذه المناطق، التي شهدت تدمير بيوتها ومكتباتها، "لن تقبل أن تبقى من دون مكتبات ومراكز ثقافية تعيد إليها الحياة بعد عودة سكانها".

بدأت حكاية الكتب مع عباس عندما عمل خلال عطلة الصيف في إحدى دور النشر. منذ اللحظة الأولى، شعر كما يقول، بأن "هناك كيمياء خاصة بيني وبين الكتاب. وجدتُ في المكتبة ما كنت أفتقده". هكذا بدأت علاقته بعالم الكتب قبل أكثر من 22 عاماً، إذ أغواه بيع الكتب وشراؤها، حتى بات يحب أن يُعرّف عن نفسه بلقب "بائع الكتب".

يستعيد عباس بداياته مع القراءة، متذكراً أول كتاب قرأه لمالكوم أكس من مكتبة بيسان، والذي جذبه إلى عالم الفكر الغربي. ويحتفظ حتى اليوم بنسخة من كتاب "زوربا اليوناني"، فهذا الكتاب على حد قوله "أثّر فيّ كثيراً، وما زلت أعود إليه بين الحين والآخر".

ويكشف أن أكثر ما كان يتمنى إنقاذه هو نسخة أولى من رواية "البؤساء" لفيكتور هوغو، تعود إلى أكثر من 110 سنوات ومؤلفة من خمسة أجزاء.

دمار جزئي لمكتبة فيلوسوفيا بعد تعرضها للقصف الاسرائيلي في حارة حريك (النهار)

ولا يختصر عباس خسارته في البعد المادي، التي تُقدّر بين 200 و250 ألف دولار، بل يصرّ على أنها أولاً "خسارة ثقافية وفكرية"، أشبه ما تكون على حد تعبيره بـ"إبادة جزء من الذاكرة والتاريخ". ويصف شعوره "كأنني خسرت صديقاً عزيزاً. عندما رأيت الكتب تحترق، شعرت كأنني أشاهد أحد أولادي يُفقد أمامي… فهي جزء مني".

من عباس إلى الشاعر محمد ناصر الدين، تمتدّ رحلة من الخسارات الصغيرة والكبيرة مع الكتب، تفاصيلها مثقلة بوجعٍ لا يمكن تعويضه. حكايات مختلفة تجمعها ذاكرة الورق، وما تركته الحرب من فراغٍ في أرواح أصحابها قبل رفوف مكتباتهم.

ترعرع ناصر الدين في بيتٍ جنوبيّ أحبّ الكتب والمطالعة، حيث كبرت علاقته بالقراءة على رائحة الورق وشغف اقتناء الكتب، في تقليد ورثه عن والده الذي كان مولعاً بهذا العالم.

عندما غادر والده قريته الجنوبية إلى المدينة، عمل في وظيفة صغيرة خلال الصيف لمساعدة عائلته، وهناك بدأت حكايته مع الكتب. يروي محمد: "بدأ والدي ببيع الكتب في العازارية مع صديقه خليل عواد، صاحب المكتبة العلمية اليوم". ومنذ ذلك الوقت، أخذ شغفه يكبر مع كل كتاب كان يشتريه من مصروفه القليل، إلى أن بدأ جدّ محمد يحتفظ بهذه الكتب داخل "النملية"، التي تحوّلت مع السنوات إلى ذاكرة متنقلة ترافق العائلة من منزل إلى آخر.

لم تعد "النملية" مجرد خزانة خشبية، بل صارت جزءاً من تاريخ العائلة، قبل أن يحقق الوالد حلمه بإنشاء مكتبته الخاصة، التي ضمّت كتباً نادرة وطبعات أولى وإصدارات استثنائية. ومن بين مقتنياتها مكتبة فرنسية كاملة تضم نحو خمسة آلاف كتاب، تعود إلى موريس توبي، أحد آخر اليهود الذين سكنوا وادي أبو جميل. اشتراها والد محمد في الثمانينيات، بعدما كانت مهددة بالضياع والاحتراق، رغم أن ثمنها كان يعادل يومها سعر شقة في الحمرا. لكن بالنسبة إليه، لم يكن يشتري كتباً فقط، بل كان يحاول إنقاذ ذاكرة كاملة من الزوال.

هذه المكتبة، التي عُرفت داخل المنزل باسم "غرفة اليهودي"، لم تنجُ من الحرب. ففي القصف الإسرائيلي على بئر العبد، احترق جزء كبير منها، بما فيه كتب فرنسية نادرة وأعمال لألبير كامو وجان بول سارتر، إلى جانب مؤلفات توثق للفكر والثقافة الفرنسية منذ عشرينيات القرن الماضي.

ولإنقاذ ما تبقى، نقل محمد ناصر الدين، الكتب والمجلات الثقافية اللبنانية، مثل "شعر" و"مواقف" و"الطريق" و"الآداب"، إلى منزل العائلة في بلدة سجد بقضاء جزين. لكن الملاذ الأخير لم ينجُ بدوره. وفق محمد "هذا الحلم الجزئي الذي احتفظنا به في منزل الضيعة، تحوّل اليوم إلى ركام بعدما قصفته إسرائيل".