في كل مرحلة مفصلية من التاريخ كانت الجغرافيا تفرض نفسها لاعباً رئيسياً في صياغة موازين القوى، مهما بلغ التقدم العلمي أو العسكري. فقد تغيرت الإمبراطوريات، وتبدلت التحالفات، وتطورت وسائل القتال، بينما بقيت الممرات البحرية الضيقة تمثل مفاتيح النفوذ العالمي، لأن حركة التجارة والطاقة تعتمد عليها بصورة تجعل السيطرة عليها تعادل امتلاك أحد أهم عناصر القوة الدولية.
في القرن الحادي والعشرين عاد هذا الواقع إلى الواجهة بقوة، مع تصاعد التوتر في مضيقي هرمز وباب المندب، اللذين تحولا إلى محور رئيسي في معادلة الأمن الدولي والاقتصاد العالمي.
تبدو المفارقة واضحة عند النظر إلى خريطة العالم. فالدول التي تمتلك أحدث الأساطيل البحرية وأضخم الاقتصادات ما تزال تعتمد على ممرات لا يتجاوز عرض بعضها عشرات الكيلومترات. وهذا الاعتماد يمنح الموقع الجغرافي قيمة تضاهي القوة العسكرية، لأن أي اضطراب في هذه النقاط ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، وحركة التجارة، وأسواق المال، وسلاسل الإمداد، ويستدعي تحركاً سريعاً من القوى الكبرى التي تدرك أن استقرار تلك الممرات جزء من أمنها القومي.
يأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه الممرات، إذ يمثل المنفذ البحري الرئيسي لصادرات النفط والغاز القادمة من الخليج العربي. ويعبر خلاله يومياً نحو واحد وعشرين مليون برميل من النفط الخام والمشتقات النفطية، أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي، إضافة إلى القسم الأكبر من صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، فضلاً عن صادرات السعودية والإمارات والكويت والعراق وإيران. ولهذا اكتسب المضيق مكانة استثنائية في النظام الاقتصادي العالمي، فأي اضطراب فيه يمتد أثره سريعاً إلى الأسواق الدولية.
تكشف التجارب التاريخية حجم الحساسية المرتبطة بهذا الممر. فقد شهدت الحرب العراقية - الإيرانية خلال ثمانينيات القرن الماضي ما عرف بحرب الناقلات، عندما تعرضت مئات السفن التجارية وناقلات النفط للاستهداف، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى إطلاق عملية عسكرية لحماية السفن وتأمين الملاحة. وقد أظهرت تلك المرحلة أن استهداف حركة النقل البحري يحقق مكاسب إستراتيجية تتجاوز نتائج المواجهات البرية، كما رسخت لدى إيران قناعة بأن تعطيل الملاحة يمثل إحدى أكثر أدوات الردع تأثيراً في مواجهة خصومها.
ومع تطور التكنولوجيا العسكرية، تغيرت أدوات الصراع بصورة كبيرة. فالصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والزوارق السريعة أصبحت ركائز أساسية في العقيدة البحرية الإيرانية، التي تعتمد على حرمان الخصم من استخدام المضيق عبر استنزافه وإرباكه بدلاً من السعي إلى السيطرة الكاملة على المياه. يساعد الموقع الجغرافي للساحل الإيراني، الممتد بمحاذاة الضفة الشمالية للمضيق، على نشر منظومات صاروخية قادرة على تغطية معظم الممر الملاحي، وهو ما يفرض تحديات كبيرة أمام القوات البحرية التي تتولى حماية السفن التجارية. يزداد المشهد تعقيداً بفعل الخلاف القانوني حول طبيعة المرور داخل المضيق. فالقانون الدولي للبحار يمنح السفن حق المرور العابر عبر المضائق الدولية، في حين تتبنى إيران تفسيراً يمنح الدولة الساحلية صلاحيات أوسع ترتبط بمفهوم المرور البريء ومتطلبات الأمن الوطني. وقد تحول هذا الخلاف إلى أحد مصادر التوتر المستمر، إذ تستند إليه طهران في بعض إجراءاتها تجاه السفن العابرة، بينما تتمسك الولايات المتحدة والدول الغربية بحرية الملاحة باعتبارها قاعدة أساسية في النظام البحري الدولي.
وتتجاوز أهمية هذا الخلاف الجانب القانوني، لأنه يوفر أرضية للاحتكاك السياسي والعسكري. فكل حادثة اعتراض أو احتجاز أو تغيير لمسار سفينة تحمل في داخلها احتمال التصعيد، خصوصاً مع وجود قوات بحرية تابعة لعدد كبير من الدول داخل الخليج العربي، وهو ما يجعل هامش الخطأ محدوداً، ويزيد احتمالات سوء التقدير.
وتشير تقديرات اقتصادية عديدة إلى أن أي توقف واسع لحركة الملاحة في هرمز قد يؤدي إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط والغاز خلال فترة قصيرة، مع انتقال آثار الأزمة إلى التضخم العالمي وأسواق الأسهم وسلاسل الإمداد. كما أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو فرض قيود على حركة السفن يكفي لرفع أسعار التأمين والشحن، وإثارة قلق الأسواق، ودفع الشركات إلى إعادة حساباتها التجارية والاستثمارية.
في مقابل هرمز، يقف باب المندب بوصفه البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق المؤدي إلى قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة الدولية. ويمر عبر هذا المضيق جزء كبير من التجارة العالمية وحركة الحاويات، لذلك ينعكس أي اضطراب فيه مباشرة على حركة البضائع بين آسيا وأوروبا، ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل وأسعار السلع في الأسواق العالمية.
وقد فرضت التطورات العسكرية في اليمن واقعاً أمنياً جديداً بعد امتلاك جماعة الحوثيين منظومات صاروخية وطائرات مسيّرة مكنتها من استهداف السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر. وأظهرت هذه الهجمات أن أدوات منخفضة التكلفة قادرة على تعطيل حركة بحرية تبلغ قيمتها مئات المليارات من الدولارات سنوياً، وهو ما يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة الحروب الحديثة، حيث أصبح الاستنزاف الاقتصادي جزءاً أساسياً من ميدان المعركة.
أدت الهجمات التي استهدفت السفن في البحر الأحمر إلى تغيير ملموس في خريطة التجارة الدولية. فقد اضطرت شركات الشحن الكبرى إلى تحويل مسارات سفنها عبر رأس الرجاء الصالح، وهو طريق يضيف آلاف الكيلومترات إلى الرحلة ويطيل مدة الوصول أياماً وربما أسابيع، مع زيادة كبيرة في استهلاك الوقود وارتفاع تكاليف التشغيل والتأمين. ولم تتوقف الآثار عند هذا الحد، إذ امتدت إلى نقص الحاويات في بعض الموانئ، وتأخر عمليات التسليم، وارتفاع أسعار السلع في أسواق عديدة نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
وكشفت هذه التطورات تحولاً مهماً في طبيعة القوة البحرية. فقد وجدت سفن حربية تبلغ تكلفة الواحدة منها مليارات الدولارات نفسها في مواجهة طائرات مسيرة وصواريخ زهيدة الثمن نسبياً، بينما بلغت تكلفة اعتراض الهدف الواحد أضعاف قيمة الوسيلة المستخدمة في الهجوم. وفرض هذا الواقع معادلة استنزاف جديدة، تقوم على إنهاك الخصم اقتصادياً قبل إنهاكه عسكرياً، وهو ما يجعل استمرار عمليات الحماية البحرية لفترات طويلة عبئاً مالياً وسياسياً على القوى الكبرى.
يمتد أثر الأزمة إلى الدول المطلة على البحر الأحمر. فمصر، التي تعتمد قناة السويس على حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، تأثرت بانخفاض أعداد السفن العابرة نتيجة تحويل المسارات، الأمر الذي انعكس على الإيرادات المرتبطة بالقناة، وأصبح جزءاً من الضغوط الاقتصادية التي تواجهها المنطقة. كما تأثرت موانئ عديدة على امتداد البحر الأحمر وخليج عدن نتيجة تراجع النشاط الملاحي وارتفاع تكاليف التأمين.
ويزداد المشهد تعقيداً عندما تتداخل مصالح القوى الكبرى. فالصين، التي تعد أكبر مستورد للنفط الخليجي، تعتمد بصورة واسعة على استقرار مضيقي هرمز وباب المندب للحفاظ على تدفق الطاقة ووصول صادراتها إلى الأسواق الأوروبية. ويعني أي اضطراب طويل توقف جزء مهم من حركة التجارة الصينية، مع انعكاسات مباشرة على الصناعة والنمو الاقتصادي والاستقرار الداخلي.