مشروع تطوير كرة القدم السعودية – د. يحيى جابر

كرة القدم في عصرنا الحديث لم تعد مجرد منافسة رياضية تنتهي بإطلاق صافرة الحكم، بل أصبحت مشروعًا وطنيًا متكاملًا يجمع بين التنمية البشرية، والتعليم، والاقتصاد، والصحة، والاستثمار، والهوية الوطنية، والقوة الناعمة. وأثبتت التجارب العالمية، أن الدول التي حققت إنجازات كروية مستدامة لم تعتمد على المواهب الفردية أو الإنفاق المالي وحدهما، وإنما بنت منظومات مؤسسية متكاملة، تبدأ من الطفل في المدرسة، وتمتد إلى الجامعة والحي والأندية والمنتخبات، وتقودها الحوكمة الرشيدة، والإدارة الاحترافية، والتخطيط طويل المدى، وتعيش المملكة العربية السعودية اليوم مرحلة تاريخية غير مسبوقة في مسيرة الرياضة، بعد النجاحات المتتالية التي حققتها في استضافة وتنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، وصولًا إلى استضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2034، وهو إنجاز تاريخي يمثل فرصة استثنائية لإطلاق مشروع وطني شامل يعيد بناء كرة القدم السعودية من جذورها، بحيث لا تكون البطولة هدفًا بحد ذاتها، بل نقطة انطلاق نحو صناعة منظومة كروية مستدامة تمتد آثارها لعقود.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن بناء كرة القدم يبدأ من القاعدة، ففي اليابان، شكّل إطلاق دوري المحترفين عام 1993 نقطة تحول تاريخية، لكنه جاء ضمن مشروع وطني أوسع ربط المدارس والأندية والجامعات والبلديات بمنظومة واحدة لاكتشاف المواهب وتطويرها، وعدم المجاملة نهائياً في من يقود الادارة والاجهزة الفنية بأيادي يابانية أصلية تشعر بحب الوطن وتعمل بإخلاص، بمعايير الكفاءة والعلم، ونتيجة لذلك، تأهل المنتخب الياباني إلى جميع نسخ كأس العالم منذ عام 1998، وأصبح من أبرز منتجي اللاعبين المحترفين في أوروبا، بينما تجاوز عدد المسجلين في الاتحاد الياباني لكرة القدم ملايين الممارسين وفق بيانات الاتحاد الياباني لكرة القدم.

أما ألمانيا، فقد قدمت أحد أنجح نماذج الإصلاح الكروي في التاريخ الحديث، بعدما أعادت هيكلة منظومتها عقب إخفاقها في بطولة أمم أوروبا عام 2000، وألزم الاتحاد الألماني جميع أندية الدرجتين الأولى والثانية بإنشاء أكاديميات معتمدة، وأنشأ مئات مراكز تطوير المواهب في مختلف الولايات، وربط التدريب بالعلوم الرياضية والطب الرياضي والتحليل الرقمي، حتى تُوج هذا المشروع بالفوز بكأس العالم عام 2014، وأصبح نموذجًا يُدرَّس في الإدارة الرياضية معتمداً على الألمان المؤهلين رياضياً في الإدارة الإدارية والفنية، وفي فرنسا، لم يكن تتويج المنتخب بكأس العالم عامي 1998 و2018 وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عقود من الاستثمار في مراكز التكوين، وفي مقدمتها مركز كليرفونتين، الذي أصبح مرجعًا عالميًا في إعداد اللاعبين وتأهيلهم علميًا وبدنيًا ونفسيًا، إلى جانب تطوير المدربين والحكام والإداريين وفق برامج احترافية متقدمة، واليوم، تمتلك المملكة كل المقومات المالية التي تؤهلها لبناء نموذج سعودي متفرد يستفيد من هذه التجارب، دون أن يكررها حرفيًا، فالهدف ليس استنساخ اليابان أو ألمانيا أو فرنسا، وإنما الاستفادة من عناصر نجاحها، وصياغتها بما يتوافق مع البيئة السعودية واحتياجاتها وإمكاناتها، وينبغي أن يبدأ المشروع الوطني الرياضي في كرة القدم، من المدارس، عبر إنشاء دوري وطني متكامل لجميع المراحل الدراسية، وتوفير ملاعب مطابقة للمواصفات، ومدربين وطنيين مؤهلين في لعبة كرة القدم بالذات، وبرامج منتظمة لاكتشاف المواهب، وربط نتائج البطولات المدرسية بالأندية والمنتخبات السنية، كما يجب أن تتحول الجامعات إلى حاضنات للرياضة التنافسية، وأن تتوسع برامج الإدارة الرياضية والطب الرياضي والتحليل الفني والإحصائي، بما يسهم في إعداد كوادر وطنية قادرة على قيادة المرحلة المقبلة، ولا يقل دور الأحياء أهمية عن المدارس والجامعات، إذ أثبتت التجارب العالمية أن كثيرًا من نجوم كرة القدم خرجوا من البطولات المجتمعية المنظمة، ومن هنا، فإن إعادة إحياء بطولات الأحياء وفق لوائح فنية وإدارية واضحة، وربطها بمراكز اكتشاف المواهب، سيؤدي إلى توسيع قاعدة الممارسة الرياضية ورفع جودة المنافسة، إلى جانب تعزيز الصحة العامة والانتماء المجتمعي، كما ينبغي أن يشمل المشروع تنظيم بطولات سنوية بين القطاعات العسكرية، والوزارات، والهيئات الحكومية، والشركات الكبرى، بما يرع معدلات ممارسة الرياضة، ويعزز اللياقة البدنية، ويتيح اكتشاف المواهب في مختلف فئات المجتمع، على أن تُدار هذه البطولات وفق معايير احترافية موحدة، وبإشراف فني متخصص، يضمن العدالة وجودة التنظيم.

ولا يمكن لأي مشروع وطني أن يحقق أهدافه دون إدارة رياضية احترافية تعتمد على الكفاءة والخبرة والتخطيط والحوكمة، فالنجاحات الكروية العالمية لم تُبنَ داخل المستطيل الأخضر فقط، بل بدأت من مكاتب الإدارة، حيث تُتخذ القرارات وفق مؤشرات أداء واضحة، وتُقاس النتائج بالأرقام، وتُراجع الخطط بصورة دورية، ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الاستثمار في إعداد الإداري الرياضي السعودي، من خلال برامج مهنية متخصصة، وشهادات احترافية، وتبادل الخبرات مع الاتحادات الدولية والجامعات الرائدة، بما يضمن بناء قيادات تمتلك المعرفة الإدارية والقدرة على صناعة القرار، في كافة مناطق المملكة وليس منطقة واحدة، ويمثل المدرب الوطني أحد أهم ركائز المشروع المستقبلي، فالتجارب الدولية تؤكد أن المدرب المحلي، عندما يحظى بالتأهيل العلمي والفرص المناسبة، يصبح أكثر قدرة على فهم ثقافة اللاعب وبيئته الاجتماعية، ومن هنا، فإن توسيع برامج تأهيل المدربين، وإيفادهم إلى الدول المتقدمة، سيُسهم في تكوين قاعدة وطنية قادرة على قيادة المنتخبات والأندية في مختلف المراحل.