هــيــاط – صالح الشادي

الهياط كلمة عربية قديمة، تعني في أصلها الصياح والجلبة والاضطراب، ويقال وقع القوم في هياط ومياط، أي في اختلاف وذهاب وإياب، ويقال هايط فلان فلاناً أي استضعفه، ومن هنا جاء في الكلمة ذلك الظل الخفي من الاستعلاء والاستنقاص، غير أن الاستعمال المعاصر نقلها إلى معنى آخر أكثر التصاقاً بحياة الناس اليومية، فصارت تعني المبالغة في التفاخر والتباهي، والادعاء بما ليس عند صاحبه، وصناعة صورة مزيفة يريدها الإنسان أن تصل إلى الآخرين، ولو كان الثمن كذباً أو إسرافاً أو ديناً يطارد صاحبه بعد أن ينفضّ عنه الناس.

والهياط ليس مجرد سلوك عابر، بل هو مرض اجتماعي ونفسي له جذور عميقة، فمن يمارسه يعاني في الغالب من نقص داخلي مزمن، ومن شعور بعدم الكفاية، ومن فراغ روحي يبحث عن امتلاء زائف، وكلما شعر الإنسان أنه أقل من غيره في العلم أو المال أو الجاه أو القبول، سعى إلى تعويض ذلك بالمظهر، فيظن أن الصورة التي يصنعها للناس قادرة على ستر الحقيقة التي يخافها في داخله. وهكذا يتحول الهياط إلى درع وهمي، يتخفى صاحبه خلفه من نظرات الناس، ومن شعوره هو نفسه بالدونية، لكن هذا الدرع لا يحمي، بل يزيد الجرح عمقاً، لأن صاحبه يعرف في أعماقه أنه ليس كما يظهر، فيعيش في قلق دائم من انكشاف أمره، وفي حاجة متكررة إلى مزيد من المبالغة حتى يبقى المشهد متماسكاً.

وقد ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على تضخيم هذا الداء حتى صار ظاهرة يومية، فالناس يرون من حولهم يعرضون بيوتهم وسياراتهم وأسفارهم وولائمهم وهداياهم، ويقارنون أنفسهم بهم، فيشعرون بالنقص، ثم يجرّبون الهياط بدورهم. وهكذا يدور الجميع في حلقة مفرغة، كل واحد يريد أن يثبت أنه أفضل مما هو عليه، وكل واحد يعرف أن الآخرين يفعلون مثله، لكن أحداً لا يجرؤ على كسر القاعدة، خوفاً من أن يوصف بالضعف أو الفقر أو التأخر، وهكذا يتحول المجتمع إلى مسرح كبير، لا قيمة فيه للحقيقة، بل للصورة، ولا وزن فيه للجوهر، بل للمظهر.

والهياط في الماديات من أبرز صوره وأخطرها، فهو يدفع صاحبه إلى الإسراف والتبذير، وإلى شراء ما لا يقدر عليه، وإلى إقامة الولائم التي تفوق حاجته، وإلى استعراض ما لا يملكه إلا بالقروض، وقد يصل الأمر إلى نثر الهيل أمام الضيوف، أو غسل الأيدي بأغلى العطور، أو ذبح الذبائح الكثيرة في مناسبة لا تستدعي ذلك، أو غلي الأوراق النقدية مع القهوة، أو ما هو أشد من ذلك من مظاهر الترف التي لا تنفع ولا تدفع ضراً، وكل هذا يستهلك الثروات، ويورث الضغوط النفسية، ويجعل الإنسان رهيناً لصورة صنعها بيده ثم صارت سجناً له، والأخطر أن هذا الهياط لم يعد محصوراً في الأغنياء، بل تعداهم إلى أصحاب الدخل المحدود، فصار كثيرون ينهكون جيوبهم، ويستدينون، ويحرمون أسرهم من الضروريات، من أجل وجاهة اجتماعية زائفة، ومن أجل أن يقول الناس عنهم ما لا يستحقونه.

وفي الشكل الاجتماعي، يتحول الهياط إلى استعراض في المناسبات والأعراس والعزائم واللقاءات. تصوَّر الولائم، وتنشر الصور، ويستدعى المشاهير لا حباً بهم ولا تكريماً لهم، بل لمجرد الظهور والمباهاة، ويظهر ما يسمى بالمستشيخين الذين لا يملكون علماً ولا حكمة ولا مكانة حقيقية، لكنهم يبنون لأنفسهم صورة زائفة، ويحيطون أنفسهم بجمهور ساذج تحركه العاطفة لا العقل، فيفسدون صورة الشيخ الحقيقي، ويزعزعون الثقة في أهل العلم والرأي.

وهذا كله يستفز مشاعر البسطاء، ويضخم قيمة المظاهر، ويجعل الشهرة نتيجة للضجيج لا للتميز، ويقيس قيمة الإنسان بما ينفق لا بما يقدم.

وأما الهياط والتغالي على الشعوب واستنقاص قدرها، فهو أشد أنواع الهياط خطراً، لأنه لا يقتصر على خداع النفس والآخرين، بل يمتد إلى احتقار الناس وازدرائهم.

فمن ينظر إلى شعب آخر نظرة دونية، ويتفاخر بما عنده من ثروة أو مكانة أو إنجاز على حساب كرامة الآخرين، إنما يكشف عن نفس ممتلئة بالعقد، وعن جهل بحقيقة الأمم، وعن ضعف في الإيمان بالعدل والكرامة، وقد حذرت التعاليم الدينية من هذا المسلك أشد التحذير، فالله لا يحب المختال الفخور، ولا يحب من يمشي في الأرض مرحاً، والكبر لا يقرب من الرحمة بل يطرد منها، والتواضع يرفع صاحبه، والتعالي يخفضه. والتفاخر على الشعوب ليس دليلاً على القوة، بل هو في الغالب قناع يخفي هشاشة داخلية، وقلقاً من المقارنة، وخوفاً من أن يكتشف الناس أن ما يظهر به ليس أكثر من قشرة.

وقد أدى هذا الهياط بكل أنواعه إلى مشاكل وردود فعل سلبية على مستويات متعددة. على المستوى الفردي، أدى إلى تفكك العلاقات، وانتشار الشحناء والبغضاء، وفقدان الثقة بين الناس، لأن الجميع يعرف أن المهايطي لا يمكن الاعتماد عليه في وقت الشدة، وعلى المستوى الاجتماعي أدى إلى تغليب المظاهر على الجوهر، وإلى ثقافة استهلاكية متطرفة، وإلى إهدار الموارد في غير موضعها، وإلى اتساع الفجوة بين الطبقات، وإلى شعور الفقراء والمحتاجين بالإهانة والاستفزاز.

وعلى المستوى الوطني والإنساني، أدى إلى تشويه صورة المجتمعات، وإلى تصدير صورة غير حقيقية عنها، وإلى ردود فعل معاكسة من الشعوب الأخرى، قد تصل إلى الكراهية أو السخرية أو المقاطعة، وقد رأى الناس كيف ينقلب الهياط على صاحبه، فينكشف أمره، وتصبح صوره المبالغ فيها مادة للسخرية، ويخسر احترام من كان يحاول إقناعهم.

إن الهياط في جوهره هروب من الواقع، ورفض للنقص، ومحاولة يائسة لتعويض انعدام القيمة الداخلية بالقيمة الخارجية، لكن القيمة الحقيقية لا تشترى بالمال، ولا تصنع بالصور، ولا تفرض بالصياح.

القيمة الحقيقية تبنى بالإيمان والأخلاق والعمل الصالح، وبالصدق مع النفس ومع الناس، وبالتواضع الذي يرفع صاحبه، وبالعدل الذي لا يظلم أحداً، ومن أراد أن يعالج الهياط في نفسه، فليبدأ بمواجهة نقصه بدلاً من إخفائه، وليقنع بما عنده بدلاً من التطلع إلى ما ليس له، وليجعل شكر النعمة بحسن استخدامها لا بإهدارها.

ومن أراد أن يعالج الهياط في مجتمعه، فليبدأ بنفسه وأسرته، وليكن قدوة في البساطة والاعتدال، وليعلم أن الناس لا تحترم من يبالغ، بل تحترم من يصدق، ولا ترفع من يتكبر، بل ترفع من يتواضع، وهكذا فقط يمكن أن نخرج من مسرح الهياط إلى حياة حقيقية، لا يختبئ فيها أحد خلف صورة، ولا يدفع فيها أحد ثمن وجاهة زائفة، ولا يظلم فيها أحدا باسم التفاخر أو التعالي.

الهياط كلمة عربية قديمة، تعني في أصلها الصياح والجلبة والاضطراب، ويقال وقع القوم في هياط ومياط، أي في اختلاف وذهاب وإياب، ويقال هايط فلان فلاناً أي استضعفه، ومن هنا جاء في الكلمة ذلك الظل الخفي من الاستعلاء والاستنقاص، غير أن الاستعمال المعاصر نقلها إلى معنى آخر أكثر التصاقاً بحياة الناس اليومية، فصارت تعني المبالغة في التفاخر والتباهي، والادعاء بما ليس عند صاحبه، وصناعة صورة مزيفة يريدها الإنسان أن تصل إلى الآخرين، ولو كان الثمن كذباً أو إسرافاً أو ديناً يطارد صاحبه بعد أن ينفضّ عنه الناس.