يشكّل الفلسطينيون الذين يحقّ لهم الاقتراع في انتخابات «الكنيست» الإسرائيلي، نحو 18%، أي ما يقارب 1.172 مليون ناخب من إجمالي أصحاب حق الاقتراع البالغ عددهم 7 ملايين و332 ألف ناخب، يقيم 11% منهم في الخارج. ويعدّ الفلسطينيون المشاركون في الاستحقاق الانتخابي، ومعهم سائر أبناء المجتمع العربي في إسرائيل، البقية الصامدة من الشعب الفلسطيني الذي هُجّر من أرضه منذ عام 1948. وكان انتزع هؤلاء الاعتراف بوجودهم بعد نضالات كبيرة خاضوها ضدّ دولة الاحتلال على مرّ السنين، بدءاً من مواجهة الحكم العسكري الذي أطبق عليهم حتى 1966، مروراً بيوم الأرض الخالد عام 1976، وغير ذلك من المواجهات ووجوه المعاناة، ومن بينها العقوبات الكبيرة التي طبّقت على أسرى الداخل، وعلى رأسهم الأسير الشهيد وليد دقة، والأسير الراحل ماهر يونس، ورفيقه كريم يونس، وغيرهم.وأسهمت مشاركة الفلسطينيين في هذه الانتخابات في رفع نسبة التصويت العامّة بشكل ملحوظ، في حين أدّت مقاطعتهم دورات انتخابية سابقة عدّة أو عزوفهم عن التصويت الواسع فيها إلى خفض الإقبال الكلّي. وتجاوزت المشاركة الفلسطينية مستوى 75% حتى نحو التاسعة من مساء أمس، وهي نسبة كبيرة تعبّر فعلاً عن اعتقاد هؤلاء بقدرتهم على إحداث اختراق، ولو بشكل نسبي. وبدا الإقبال هذه المرّة نابعاً من قناعة لدى الفلسطينيين بأن حضورهم القوي في «الكنيست» سيُسهم، ولو جزئياً، في كبح جماح إسرائيل في حربها المفتوحة على الشعب الفلسطيني وعلى المنطقة، وسيحميهم من غول اليمين الفاشي، الذي لم يعُد يجمّل خطابه تجاههم، بل بات الحديث عن تهجيرهم أحد التعبيرات الطبيعية عن توجّهاته، وليس مجرد دعاية انتخابية لشدّ عصب اليمين القومي والديني. يُضاف إلى ذلك، شعور فلسطينيي الداخل بفقدان الأمن، وخشيتهم اليومية من تصاعد معدّلات الجريمة في أوساطهم، برعاية رسمية من دولة الاحتلال وتغاضٍ من جانبها.
ولئن تُعدّ هذه الانتخابات مصيرية، فإن كلّ انتخابات في إسرائيل كانت كذلك؛ إذ جاءت في سياق تراكمات أنتجتها كلّ حكومة بأفعالها «المصيرية» بالنسبة إلى الفلسطينيين ككلّ، في الداخل والخارج على السواء. أمّا هذا الاستحقاق تحديداً، وهو الأول بعد حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، فيأتي وسط استشعار فلسطينيي الداخل أهمية دورهم في مواجهة الفكر الصهيوني، الذي كشّر عن أنيابه من دون لثام منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية في كانون الأول 2022، بل وقبل ذلك، ولا يزال حتى يومنا هذا. ولم يقتصر أثر فلسطينيي الـ48 على محيطهم المباشر يوماً، بل امتدّ دائماً إلى مسار القضية الفلسطينية وحضورها وفاعليتها. فالفلسطينيون الباقون في أرضهم يمثّلون طوقاً دائماً حول دولة الاحتلال ومشاريعها السلطوية والتصفوية، وهم العائق الرئيس أمام تحقيق «يهودية الدولة» منذ إعلانها، كما أن وجودهم هو ما مكّن فلسطين من الحفاظ على عروبتها ولسانها العربي.
ستظهر النتائج النهائية للانتخابات قريباً، وسيترتب عليها ظروف، لن تكون جديدة على المنطقة
أمّا في حصيلة مشاركتهم الآن، فإن تأكّد حصول قوائمهم على ما يزيد على 16 مقعداً في «الكنيست» -وفق النتائج الأولية-، أي بزيادة عمّا نالوه في انتخابات 2020، فإن ذلك سيكون في «عرف إسرائيل» بمثابة «هَبّة» مماثلة لتلك التي خاضوها نصرةً لبقية الجسد الفلسطيني في أيار 2021، خلال أحداث حيّ الشيخ جراح في القدس ومعركة «سيف القدس» في غزة، حيث نجحوا وقتها في تنفيذ «إضراب الكرامة والأمل» (18 أيار)، الذي عمّ المدن والقرى العربية كافة. والواقع أنه انطلاقاً من فهم الداخل المحتل، وواقع الفلسطينيين فيه، يمكن النظر إلى هذه الانتخابات بعين مواجهة القوة الاستعمارية من الداخل؛ فإن كانت «الديمقراطية» إحدى وسائل التعبير، فإن التمثيل الفلسطيني شكل من أشكال الحفاظ على الوجود والإعلان عنه، وهذا ما يجدر الدفاع عنه. فبقاء الداخل الفلسطيني بروح حيّة يمثّل أحد عوامل الحفاظ على فلسطين فلسطينية وعربية. وذلك هو ما جعل الفلسطينيين يشاركون في الانتخابات الإسرائيلية الأولى عام 1949، عبر «قائمة الناصرة والحزب الشيوعي» التي جمعت عرباً ويهوداً، وتصدّرها المناضل الوطني توفيق طوبي. ورغم أن التمثيل في البداية لم يكن ضمن قوائم عربية مستقلة، تشكّلت لاحقاً عام 1977 «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» التي طالبت بالمساواة بين العرب واليهود والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال، إلى جانب مطالباتها السياسية بإنهاء الاحتلال للأراضي المحتلة عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية.
وتشكّلت عبر السنين قوائم كـ«التقدمية» عام 1983، و«الحزب الديمقراطي العربي» عام 1988، الذي يعتبر أول الأحزاب العربية. وفي 1995، تشكّلت «الحركة العربية للتغيير» برئاسة أحمد الطيبي، و«التجمع الوطني الديمقراطي» برئاسة عزمي بشارة، وهو ائتلاف من قوى ذات توجّه قومي، منها حركة «أبناء البلد» و«الحركة التقدمية» وحركة «ميثاق المساواة». وكان من مطالب «التجمع» الاعتراف بالفلسطينيين في إسرائيل بوصفهم أقلية قومية ذات حقوق جماعية، فضلاً عن مطالبته بالمساواة في مواجهة الصهيونية والنظام الاجتماعي القائمة عليه. وعدا عن هذه القوى ذات التوجّه اليساري، كانت الحركة الإسلامية منقسمة عام 1996 بشأن المشاركة في انتخابات «الكنيست»، إذ رفض الجناح الشمالي المشاركة، بينما اختار نظيره الجنوبي التصويت، وهو ما ظلّ قائماً حتى اليوم. أما اليوم، فتتوزّع المشاركة العربية على قائمتين: الأولى هي «القائمة المشتركة» التي تضمّ «التجمع الوطني الديموقراطي» (بلد) و«الحركة العربية للتغيير»، و«الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة» (حداش)؛ والثانية هي «القائمة العربية الموحّدة» (راعم) برئاسة منصور عباس، إلى جانب يوآف سيغالوفيتش.
في المحصّلة، ستظهر النتائج النهائية للانتخابات قريباً، وسيترتب عليها ظروف، لن تكون جديدة على المنطقة، فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة دائماً تكمل ما بدأه أسلافها. لكن بالنسبة إلى الفلسطينيين في الداخل، فهم نجحوا مبدئياً في توجيه ضربة إلى معسكر نتنياهو، ولا سيّما أنه على الأغلب لن يتمكن من تشكيل حكومة كالموجودة حالياً، وسيضطر إلى التحالف مع المعارضة التي ربّما ستجعله يقدّم تنازلات كبيرة. كما ستكون أمامهم مواجهات جديدة، ليس آخرها محاولة تفكيك كتلتهم، بعد الذي أظهروه من تماسك في مشاركتهم الواسعة في الدفاع عن وجودهم في انتخابات دولة الاحتلال.