قبل أن يصل الزائر إلى مسجد النميري الأثري، تستوقفه حكاية المكان الأقدم: "وادي النميري"، الذي ارتبط اسمه برواية تاريخية تعود إلى قرون بعيدة، وتحيط به شواهد من آبار ونخيل وآثار مساكن وزراعة. وتُرجع بعض المصادر تسمية "وادي النميري" إلى بني نمير، الذين تذكر الرواية أنهم لجؤوا إلى الوادي وأقاموا فيه مدة طويلة، فرارًا من حملة عباسية قادها القائد بغا سنة "232ه" في عهد الخليفة العباسي الواثق، ولا تجزم المصادر بأن بني نمير استقروا في هذا الموضع تحديدًا، لذلك تظل الرواية مرتبطة بتسمية الوادي، مع التحفظ في تحديد مكان إقامتهم. ومع تعاقب السنين احتفظ الوادي بشواهد على حياة الإنسان فيه؛ من نخيل ومزرعة قديمة وآثار بيت حجري، إلى آبار صغيرة عُرفت باسم "الحساوة"، منها: حسو الفنين، وحسو الراشدية، وحسو السعيدية، وحساوة حمود ابن زومان وارتبط بعضها بالزراعة والنخيل، وعُرفت الراشدية بعذوبة مائها، فيما ارتبط حسو حمود ابن زومان بمزرعة كانت تنتج التمور والفواكه، وينقل إنتاجها إلى غسلة والبلدان القريبة. ومن بين هذه الشواهد يظهر مسجد النميري ليحمل فصلًا آخر من تاريخ الموقع، ويقع في وسط وادي النميري غرب بلدة غسلة بمحافظة شقراء، على بُعد نحو ستة كيلومترات من وسط البلدة، في الوادي المتصل بوادي العنبري، وبُني من الحجارة، وسُقف من الداخل بالأثل. ويبلغ طول المسجد من الشمال إلى الجنوب نحو "10 أمتار و30 سم"، وعرضه "3 أمتار و70 سم"، وارتفاع سقفه عن الأرض نحو "متر و90 سم"، فيما تبلغ سماكة جدرانه "60 سم"، ويلحق به من الجهة الجنوبية غرفة مربعة مخصصة للوضوء، تبلغ ثلاثة أمتار في ثلاثة أمتار، ومدخلها من الغرب، إلى جانب حوش بعرض نحو ستة أمتار و"30 سم"، ومحراب بعرض "85 سم". وتشير المعلومات المتاحة إلى أن عمر المسجد يتجاوز مئة عام، إلا أن تاريخ بنائه وبانيه لا يزالان غير محسومين، وورد في كتاب "على ضفاف العنبري"، احتمال أن يكون رجل من أسرة الراشد قد شيده قبل نحو قرن، دون تأكيد لهذه النسبة. ومع غياب كثير من تفاصيل حكايته، أسهم الأهالي والمهتمون وأبناء القرائن في المحافظة عليه، ومن ذلك تركيب دعامات حديدية من الداخل للمساعدة في دعم بنيانه، ولا يزال المسجد محتفظًا بجمال موقعه، ويقصده محبو المكان ومرتادو البر، خاصة في الشتاء، رغم بُعده وقساوة الطريق المؤدي إليه. ويؤكد وجود لوحة في الموقع أنه محمي بموجب نظام الآثار والمتاحف والتراث العمراني الصادر بالمرسوم الملكي رقم "م/3 وتاريخ 9/1/1436هـ"، بما يعكس أهمية المحافظة على معالمه. وهكذا لا تقف قيمة مسجد النميري عند جدرانه الحجرية، بل تمتد إلى واديه وآباره ونخيله وآثار الحياة التي عرفها، وربما كان أجمل ما فيه أن جزءًا من حكايته ما زال غائبًا؛ فلا نعرف على وجه اليقين من وضع حجره الأول أو متى شيد تحديدًا، لكن المكان حفظ ما لم تحفظه الكتب، وبقي شاهدًا على ذاكرة وادٍ أقدم من المسجد.