لم تنجح ثلاث سنوات من الحرب على لبنان، وما خلّفته من تهجير ودمار وشلل اقتصادي في مستوطنات شمال فلسطين المحتلة، في إحداث «الانقلاب الانتخابي» الذي راهن عليه معارضو رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو. فرغم إخفاق حكومته في توفير الأمن وتعثّر إعادة الإعمار وعودة المستوطنين، أظهرت النتائج الجزئية لانتخابات «الكنيست»، التي جرت أول من أمس، احتفاظ «الليكود» بمعظم قوّته في معاقله الشمالية، بل تقدّمه في بعضها. أمّا تراجعه في بلدات أخرى، فلم يصبّ بالضرورة في مصلحة المعارضة؛ إذ بقي جزء من الأصوات داخل معسكر اليمين، منتقلاً إلى قوى أكثر تشدّداً.ومثّلت «كريات شمونة» المثال الأوضح على ثبات الولاءات السياسية رغم خسائر الحرب. فالمدينة التي تغيّرت ملامحها بفعل الإخلاء الطويل والقصف وتراجع النشاط الاقتصادي، منحت «الليكود» نحو 48% من أصواتها، مقارنة بـ49.5% عام 2022. وبحسب معطيات نشرها موقع «يديعوت أحرونوت»، حصل معسكر اليمين فيها على 71.2%، مقابل 75.8% في الانتخابات السابقة، فيما أظهرت نتائج فرز 80% من الأصوات حصول حزب «يشار»، بقيادة رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت، على 10.8%، و«القوة اليهودية»، بقيادة إيتمار بن غفير، على 9.6%. ولعلّ موقف رئيس بلدية «كريات شمونة»، أفيحاي شتيرن، عشية الاقتراع، أنبأ بوضوح بأن الغضب من الائتلاف لن يفضي إلى قطيعة، خصوصاً في ظلّ الحسابات المرتبطة بالموازنات ومشروعات إعادة الإعمار، والأهم: الحفاظ على الأمن. فبعد مواجهة طويلة خلال السنوات الماضية، اتّهم خلالها حكومة نتنياهو بالتخلّي عن المدينة، قائلاً في آذار الماضي إن «الدولة تحاربني، لا حزب الله»، ظهر إلى جانب رئيس الحكومة نفسه قبل الانتخابات بأسبوع، مشيداً بمشروعاتها، ومخاطباً نتنياهو بالقول: «أنا أؤمن بك».
وتكرّرت الصورة نفسها في معاقل أخرى. ففي «شلومي»، التي أُخلي سكانها خلال الحرب، ارتفعت حصة «الليكود» من 43.5% إلى نحو 46%، وحافظ اليمين على تأييد يقارب 70%. وفي طبريا، حصل الحزب على 40.72% مقابل 40.38% عام 2022، فيما ارتفعت حصّته في صفد من 27.9% إلى 28.82%. كذلك، أظهرت بيانات نشرها موقع «واللا» تقدّم «الليكود» في نهاريا بنحو 37%، مقابل 18% لـ«يشار»، وفي «مرغليوت» الحدودية بنحو 42%، مقابل 17% لحزب أيزنكوت. لكن النتائج لم تكن موحّدة؛ ففي المطلّة، التي تعرّضت لأضرار واسعة وكانت قد منحت المعارضة الصهيونية غالبية أصواتها عام 2022، تصدّر أيزنكوت بنسبة 31.3%، وتراجعت حصة «الليكود» من 15.2% إلى 12.9%. أمّا في زرعيت، فانخفضت حصة الحزب من 62.42% إلى 45.96%، في وقت تحسّنت فيه نتائج «الصهيونية الدينية». وهو ما يدلّ على أن معاقبة الحزب الحاكم قد تعزّز قوى أكثر تشدّداً داخل معسكره، بدلاً من أن تنقل الناخبين إلى خصومه.
وفي تفسيره صمود معاقل اليمين الشمالية، رأى رئيس قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في «جامعة بار إيلان»، نيسيم ليئون، أن «الخوف تقدّم على المحاسبة السياسية». وأقرّ، في حديث إلى «واينت»، بأنه توقّع ضربة انتخابية لـ«الليكود» بسبب التهجير والدمار وتعثّر إعادة الإعمار، قبل أن تأتي النتائج خلافاً لتقديراته. وبحسب تعبيره، فإن «وقود معسكر التغيير كان الكراهية، ووقود معسكر اليمين كان الخوف»، وتحديداً الخوف من العرب. ويتداخل ذلك مع انتماءات اجتماعية وسياسية متوارثة في معاقل «الليكود»، ولا سيما «كريات شمونة»، التي استقبلت منذ خمسينيات القرن الماضي أعداداً كبيرة من اليهود الشرقيين، وهو ما يجعل مسائل الهوية والتمثيل السياسي والثقة بقدرة البدائل على توفير الأمن، متقدّمةً على تقييم أداء الحكومة.كذلك، تتأثّر المحاسبة بكيفية تحديد المسؤولية عن خسائر الحرب. ففي «شلومي»، رفض رئيس المجلس المحلي، غابي نعمان، تحميل نتنياهو مسؤولية ما جرى، مفضلاً التركيز على «العدو الخارجي»، ومشيداً بالمساعدات والموازنات الحكومية. ويعبّر موقف نعمان عن مزاج عام لا يجد غضاضة في استمرار العمليات العسكرية في لبنان وسوريا أو توسيع الاحتلال. فالتنافس بين اليمين والمعارضة الصهيونية يدور، في معظمه، حول إدارة الحرب ونتائجها والقيادة الأقدر على تحقيق الأهداف الأمنية التي يتطلّع إليها مستوطنو الشمال، والتي تبدو اليوم أكثر تطرّفاً من ما كانت عليه في أيّ وقت مضى. وتفتح نتائج «زرعيت» تحديداً، التي اختار المعترضون على نتنياهو فيها، تحويل أصواتهم إلى حزب بتسلئيل سموتريتش، الأكثر تطرّفاً، احتمال أن يكون بعض الاعتراض على زعيم «الليكود» نابعاً من اعتقاد بأنه «لم يذهب بعيداً بما يكفي في مواجهة حزب الله»!