من أعلى التلة الشرقية لجلاجل، يقف مرقب جلاجل شامخًا محافظًا على حضوره بوصفه أحد أبرز المعالم التاريخية في منطقة سدير، وشاهدًا على مرحلة كانت فيها المراقبة وحماية البلدة ضرورة يومية قبل استتباب الأمن في عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه-. ويتميز المرقب بموقعه الاستراتيجي الذي يكشف مساحات واسعة من الأراضي المحيطة بجلاجل، الأمر الذي جعله نقطةً لمراقبة تحركات أي جهة معادية، إضافة إلى مراقبة المراعي وسوارح الماشية في منطقة «العبلة» شرق سدير، والتي كانت تُعد من أبرز مراعي أهالي المنطقة قديمًا. ولا يختزل المرقب قصة بناءٍ تاريخي فحسب، بل يروي جانبًا من تاريخ الحماية والمراقبة في جلاجل، حين كانت الأبراج المرتفعة تمثل خط الدفاع الأول عن البلدة ومزارعها، قبل أن يتحول اليوم إلى أحد الشواهد التراثية التي تستحضر ذاكرة المكان. وأوضح الباحث والمهتم بتاريخ جلاجل الأستاذ أسامة السلمان أن المرقب أُنشئ بأمر من الإمام فيصل بن تركي آل سعود -رحمه الله- قبل نحو مئتي عام، ليحل محل مرقبين صغيرين كانا يُستخدمان للمراقبة في الجهتين الجنوبية والشمالية قبل إنشاء البرج الحالي. وأضاف السلمان أن المرقب شُيّد على مرتفع عُرف لاحقًا باسم «ظهرة المرقب»، ويتصل بطريق قديم يقود إلى منطقة «العبلة»، فيما تولى تنفيذ بنائه البناء الماهر إبراهيم بن حسن المعيوف -رحمه الله- بمشاركة عدد من أهالي جلاجل، حيث عُرف بإتقانه لفنون العمارة النجدية التقليدية. ويبلغ ارتفاع المرقب نحو "12 مترًا"، وقد بُني بالحجارة والطين على هيئة برج دائري، تتوزع في أعلاه فتحات للمراقبة تُمكن الحراس من متابعة الطرق المؤدية إلى البلدة ورصد ما يحيط بها من مسافات بعيدة، وهو ما يعكس دقة اختيار موقعه ووظيفته الدفاعية. وأشار السلمان إلى أن المرقب شهد عدة أعمال ترميم عبر تاريخه، كان أولها عام"1321هـ" بالتزامن مع قدوم الحامية التي أرسلها الملك عبدالعزيز إلى جلاجل بقيادة الأمير مساعد السديري، ثم رُمم مرة أخرى عام "1421هـ" على نفقة الوجيه عبدالعزيز بن علي الشويعر. ورغم مرور الزمن وتغير الظروف، لا يزال مرقب جلاجل يحتفظ بمكانته بوصفه رمزًا بصريًا وتراثيًا للبلدة، ومقصدًا للمهتمين بتاريخ سدير، حيث يروي من أعلى قمته حكاية قريةٍ كانت تراقب الأفق لحماية أهلها ومزارعها، قبل أن يصبح اليوم شاهدًا حيًا على تاريخ المنطقة وذاكرتها.