مدى الزاميّة التحفظات التفسيريّة للمجلس الدستوري القاضي بشير يُسقط الدعوى العامة في ملف التزوير

في حكم مهم ومبدئي، ويفسر ما يتعلق بجرم التزوير الوارد في قانون العفو العام تفسيراً صحيحاً، اعتبر القاضي المنفرد الجزائي في زحلة الرئيس علاء بشير، ان نية المشترع اتجهت الى اعتبار ان العفو هو المبدأ، وعدم شمول الجرم بالعفو هو الاستثناء.وفي معرض بحثه نقطة شمول او عدم شمول جرم التزوير بقانون العفو، اعتبر الرئيس بشير ان المشترع قصد عطفها على جرائم تقليد النقد الوطني والاجنبي وترويجه والنيل من مكانة الدولة المالية بحيث يكون الاستثناء محصورا فقط بجرائم تزوير النقد وليس جميع جرائم التزوير بشكل عام وعدد الاسباب المؤيدة لرأيه.وبعد بحث مستفيض قضى بإعلان سقوط الدعوى العامة المتعلقة بالتزوير، ومتابعة النظر في دعوى الحق الشخصي.ومما جاء في الحكم الصادر بتاريخ 29/10/2026: بناء عليه، حيث ان المدعى عليه يدفع بسقوط الدعوى العامة بأحد اسباب السقوط المحددة قانوناً، وتحديداً بمفعول قانون العفو العام رقم 70 الصادر بتاريخ 4/9/2026.وحيث ان المدعي يطلب رد الدفع المذكور شكلا كونه سبق للمدعى عليه ان تقدم بمذكرة دفع شكلية في حين انه لا يحق له تقديمها سوى مرة واحدة سندا للمادة 73 أ.م.ج.وحيث لئن صح انه لا يجوز للمدعى عليه ان يتقدم بدفوع شكلية اكثر من مرة واحدة بصراحة المادة 73 أ.م.ج. إلا ان الامر يكون على خلاف ذلك اذا كان السبب القانوني الذي يستند اليه الدفع قد نشأ او ظهر بعد ذلك.وحيث في الحالة الراهنة، فإن قانون العفو العام قد صدر بتاريخ لاحق لتقديم المدعى عليه لدفوعه الشكلية في المرة الاولى، فيكون بالتالي من حقه ان يتقدم بالدفع الحاضر، علما ان الدفع بسقوط الدعوى العامة بمفعول قانون العفو العام هو مسألة تتعلق بالنظام العام، ويمكن للمدعى عليه إثارته في اي مرحلة كانت خلالها المحاكمة كدفع شكلي، سواء ضمن نطاق المادة 73 أ.م.ج. ام خارجه، فضلا عن انه يمكن للمحكمة اثارته عفوا ومن تلقاء نفسها.وحيث يقتضي سندا لما تقدم قبول الدفع الشكلي الحاضر شكلا.وحيث لجهة البت بأساس الدفع، فإنه يقتضي البحث اولا في مسألة ما اذا كان الفعل الجرمي موضوع الشكوى (جرم اعطاء شهادة كاذبة المنصوص عليه في المادة 466 من قانون العقوبات) مشمولا فعلا بقانون العفو العام رقم 70 الصادر بتاريخ 4/9/2026 (اولا) ومن ثم بيان تفسير المجلس الدستوري بشأن الفعل المذكور بموجب قراره رقم 12/2026 تاريخ 12/10/2026، والصادر نتيجة البت بالطعن المقدم اليه بقانون العفو المذكور (ثانيا) على ان يصار اخيرا الى البحث في مدى الزامية المجلس الدستوري في هذا الاطار ووجوب اعتماده من قبل المحاكم الجزائية المعنية بتطبيق قانون العفو العام (ثالثا).اولا: مدى شمول جرم اعطاء شهادة كاذبة المنصوص عليه في المادة 466 من قانون العقوبات بقانون العفو العام رقم 70 الصادر بتاريخ 4/9/2026.حيث ان المدعى يطلب بموجب شكواه المقدمة مباشرة امام هذه المحكمة ادانة المدعى عليه بجرم اعطاء شهادة كاذبة عملا بالمادة 466 من قانون العقوبات.وحيث لا بد من الاشارة في بادئ الامر ان الجرم المذكور وارد في النبذة الخامسة (الشهادات الكاذبة) التي تشكل تفريعا من الفصل الثاني (في التزوير) من الباب الخامس من قانون العقوبات، ما يعني انه يعتبر من ضمن جرائم التزوير بمفهومها العام.وحيث ان قانون العفو العام رقم 70 الصادر بتاريخ 4/9/2026، نص في مادته الاولى منه على انه "يمنح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 1/3/2026، ويستفيد منه جميع من ساهموا في ارتكابها.." ثم اضاف في المادة الثانية جملة من الاستثناءات والتي هي عبارة عن جرائم اعتبرها القانون غير مشمولة بالعفو، ومن بينها الاستثناء الوارد في البند 8 من موضوع البحث، اي "جرائم التزوير وتقليد النقد الوطني والاجنبي وترويجه والنيل من مكانه الدولة المالية، وجرائم الافلاس الاحتيالي، والجرائم المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف، وسائر القوانين والانظمة المتعلقة بالمصارف".وحيث يتضح مما تقدم، ان المشرع لم يحدد ما هي الجرائم المشمولة بقانون العفو بشكل حصري، بل حدد تلك المستثناة منه، بمعنى انه نص على ان جميع الجرائم مشمولة بقانون العفو، من حيث المبدأ، لمجرد انها مرتكبة قبل تاريخ 1/3/2026، باستثناء تلك المحددة في المادة الثانية منه، وهذا ما يؤشر الى ان نية المشترع قد اتجهت الى اعتبار ان العفو هو "المبدأ" وعدم شمول الجرم بالعفو هو "الاستثناء"، بحيث يترتب على ذلك نتيجة مفادها ضرورة تفسير هذا الاستثناءات بشكل حصري ضيق؟وحيث ما ان صدر قانون العفو حتى اثار البند 8 من المادة الثانية منه خلافا فقهيا بين رجال القانون حول ما اذا كانت عبارة "جرائم التزوير" الواردة في البند المذكور محصورة فقط بجرائم تزوير النقد الوطني والاجنبي، ام تشمل جميع جرائم التزوير الورادة في قانون العقوبات؟.وحيث ان المادة الخامسة من قانون أ.م.ج. الزمت القاضي عند انتفاء النص بإجتراح الحل القانوني للنزاع المعروض امامه، تحت طائلة اعتباره مستنكفا عن احقاق الحق، فمن باب اولى ان يكون له الحق في تفسير النص عند غموضه، وهذا ما عبرت عنه المادة المذكورة بقولها:"عند غموض النص يفسره القاضي بالمعنى الذي يحدث معه اثرا يكون متوافقا مع الغرض منه ومؤمنا التناسق بينه وبين النصوص الاخرى".وحيث يتضح من صياغة البند 8 من المادة الثانية من قانون العفو، ومن السياق الذي وردت فيها عبارة "جرائم التزوير"، وعلى ضوء ضرورة تفسير الاستثناءات بشكل حصري ضيق سندا للتعليل المساق اعلاه، ان المشرع قصد عطفها على جرائم تقليد النقد الوطني والاجنبي وترويجه والنيل من مكانة الدولة المالية، بحيث يكون الاستثناء محصورا فقط بجرائم تزوير النقد وليس بجميع جرائم التزوير بشكل عام، وذلك للاسباب التالية:اذا كان المشرع قد قصد شمول جرائم التزوير عامة بالاستثناءات الواردة على العفو، فما هو المبرر القانوني، او اقله التصنيفي، لإيراد جرائم التزوير في البند 8 الذي افرد الى جرائم جميعها ذات طابع مالي ومصرفي، الا اذا كان المقصود هو حصرا جرائم تزوير النقد الوطني التي من شأنها ان تنال من مكانة الدولة المالية؟.اذا كان المشرع قد قصد شمول جرائم التزوير عامة بالاستثناءات الواردة على العفو، لكان افرد لها بندا خاصا في المادة الثانية، او على ابعد تقدير، ذكرها بشكل مستقل في البند 8 في سياق مختلف عن السياق الذي وردت فيه، كان يقول مثلا:"جرائم التزوير وجرائم تقليد النقد الوطني" على غرار ما فعل بالنسبة لجرائم لافلاس الاحتيالي، والجرائم المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف، وليس جرائم التزوير وتقليد النقد الوطني.اذا كان المشرع قد قصد شمول جرائم التزوير عامة بالاستثناءات الواردة على العفو، فما الفائدةمن متابعة القول "وتقليد النقد الوطني والاجنبي وترويجه والنيل من مكانة الدولة المالية"، طالما ان جرائم تقليد النقد ستكون مشمولة حتما وحكما في عبارة "جرائم التزوير".وحيث ان القول بخلاف ما تقدم، واعتبار المقصود بـ "جرائم التزوير" هو جميع جرائم التزوير الواردة في قانون العقوبات، وليس فقط جرائم تزوير النقد الوطني، يقود الى نتيجتين تتعارضان تماما، ليس فقط مع نية المشرع من قانون العفو، ولكن ايضا مع ابسط قواعد المنطق القانوني والحس القانوني السليم:ان المشرع قد حصر الاستثناء من العفو بجرم تقليد النقد المنصوص عليها في المادة 443 من قانون العقوبات، دون جرم تزوير النقد المنصوص عليها في المادة 444 من القانون عينه.ان المشرع قد استثنى جرم التزوير من العفو في حين ابقى على جرم استعمال المزور الذي، وان كان يشكل جرما مستقلا، يرتبط ارتباطا وثيقا بجرم التزوير كونه لا يقوم بدونه، اذ لا يمكن تصور وجود جرم استعمال مزور دون وجود جرم تزوير المستند الذي تم استعماله، فيكون بالتالي فعل تزوير المستند هو احد العناصر المكونة لجرم استعمال المزور، ولعل ذلك هو سبب تلازم الملاحقة في الجرمين سواء تم ارتكابهما من قبل شخص واحد او من قبل شخصين مختلفين.وحيث يقتضي سندا للتعليل اعلاه، اعتبار الجرم موضوع الدفع الشكلي، اي جرم اعطاء شهادة كاذبة المنصوص عليه في المادة 466 من قانون العقوبات، وكونه من ضمن الجرائم الواردة في باب التزوير، غير مشمول بالاستثناءات على العفو الواردة في البند 8 من المادة الثانية من النص الاصلي لقانون العفو.وحيث ان المجلس الدستوري، في معرض بته بالطعن بدستورية القانون المذكور، اصدر قراره رقم 12/2026 ضمنه تحفظا تفسيريا اعتبر بموجبه ان المقصود الجرائم الواردة في البند 8 من المادة الثانية من النص الاصلي لقانون العفو، جميع جرائم التزوير الواردة في قانون العقوبات، وهذا ما سيتم عرضه في البند "ثانيا".ثانيا: تفسير المجلس الدستوري للبند 8 من المادة الثانية من قانون العفو بموجب قراره رقم 12/2026 تاريخ 12/10/2026:حيث انه بنتيجة الطعن المقدم الى المجلس الدستوري بدستورية قانون العفو، اصدر هذا الاخير قراره رقم 12/2026 تاريخ 12/10/2026 معتبرا فيه ان البند 8 من المادة الثانية من القانون المذكور ينص على "جرائم التزوير وتقليد النقد الوطني والاجنبي..." وادخال "ال" التعريف على كلمة "التزوير" يثير الالتباس حول ما اذا كان الاستثناء يشمل جميع جرام التزوير الواردة في المواد 453 حتى 472 ضما من قانون العقوبات، ام يقتصر على التزوير الوارد تحت عنوان "في تقليد خاتم الدولة والعلامات الرسمية والعملة والاسناد المالية العامة" موضوع المواد 437 وحتى 451 من قانون العقوبات.وحيث ان المجلس الدستوري وفي سبيل ايجاد الحل للالتباس المذكور، خلص الى ما حرفيته:"اعتبار المادتين الاولى والثانية غير مخالفتين للدستور شرط التقيد بالتحفظات التفسيرية الملزمة الآتية:...ان يفسر استثناء جرائم التزوير الوارد في البند 8 من المادة الثانية بأنها تشمل جميع جرائم التزوير المنصوص عليها في قانون العقوبات".وحيث يتضح مما تقدم ان المجلس الدستوري لم يعتبر المادتين الاولى والثانية مخالفتين للدستور مقررا ابطالهما، كما انه لم يعتبرهما متطابقتين للدستور قاضيا برد الطعن بهما، بل اتخذ منحئ وسطيا بين الامرين متوسلا صلاحيته الاجتهادية في التفسير او ما يسمى "التحفظ التفسيري"، وذلك بأن اعطى المادتين المشار اليهما بـ"دستورية معلقة على شرط" وهذا ما عبر عنه صراحة من خلال القول "اعتبار المادتين الاولى والثانية غير مخالفتين للدستور، شرط التقيد بالتحفظات التفسيرية الملزمة الآتية.."وحيث ان التحفظات التفسيرية التي اتخذها المجلس الدستوري، ومن بينها التحفظ المتعلق بجرائم التزوير واعتبارها غير مشمولة بالعفو، تعود الى اعتبارات دستورية تتمحور حول مبدأ المساواة بين المواطنين امام القضاء من خلال وحدة تطبيق القانون والحؤول دون الاجتهادات المتناقضة، معتبرا ان اجتهاده سار "على اعتبار الغموض يفسح المجال امام تطبيقه يشكل استنسابي، وبطريقة ملتوية، تسيء الى العدالة بين المواطنين"، الا ان هذه المساواة تتحقق بين المواطنين لناحية الجرم المرتكب فقط، اي بين الذين ارتكبوا الجرم عينه بحيث يستفيد احدهم من العفو دون الآخر نتيجة غموض النص وتفسيره بشكل مغاير بين محكمة واخرى، الا انها لا تتحقق، بين مرتكب جرم تزوير يستثنى من العفو ومرتكب جرم استعمال مزور يعفى من العقاب، او بين مرتكب جنحة تزوير افادة سكن، على سبيل المثال، يستثنى من العفو ومرتكب جناية سرقة (مع اسبقية سرقة لمرة واحدة) يعفى من العقاب، والامثلة في قانون العفو اكثر.وحيث وبمعزل عن الدخول في الجدل القانوني الدائر حول مدى اعتبار المجلس الدستوري متجاوزا للصلاحيات الممنوحة له في المادة 22 من قانون انشائه والتي اعطته صلاحية اعلان ما اذا "القانون مطابق او مخالف كليا او جزئيا للدستور" فقط، دون اي تحفظ تفسيري تتوقف عليه دستورية القانون المطعون فيه، وهو الامر الذي يخرج اصلا عن نطاق البحث، فضلا عن ان ليس للقضاة العدليين ممارسة رقابة على قرارات المجلس الدستوري ومدى اعتباره متجاوزا لصلاحيتهم ام لا، معاذ الله... الا ان ما انتهى اليه المجلس الدستوري يطرح مسألة قانونة بحتة تتعلق بمدى الزامية هذه التحفظات التفسيرية للمحاكم الجزائية المعنية بتطبيق قانون العفو، لما لهذا الامر من تأثير على النتائج التي ستقترن بها احكامها.وحيث، في حالة الملف الراهن، ان اعتبار هذه التحفظات التفسيرية الزامية سيؤدي الى رد الدفع الشكلي كون جرم اعطاء شهادة كاذبة سيكون مشمولا بالاستثناءات من العفو على اعتبار انه من ضمن جرائم التزوير المنصوص عليها في قانون العقوبات، في حين ان اعتبارها غير الزامية سيؤدي الى قبول الدفع الشكلي كون جرم اعطاء شهادة كاذبة لن يكون مشمولا بالاستثناءات من العفو على اعتبار ان البند 8 من المادة الثانية يشمل حصرا جرائم تزوير النقد كما صار بيانه اعلاه. ولحسم هذا الامر، هاكم البند "ثالثا".ثالثا: مدى الزامية "التحفظات التفسيرية" للمجلس الدستوري ووجوب اعتمادها من قبل المحاكم الجزائية المعنية بتطبيق قانون العفو العام:حيث ان الزامية قرارات المجلس الدستوري الصادرة نتيجة البت بطعن مقدم اليه بدستورية قانون ما، هو امر غير منازع فيه على الاطلاق وليس موضع خلاف، ذلك ان المادة 13 من قانون انشاء المجلس الدستوري رقم 250 تاريخ 14/7/1993 اتت صريحة لجهة ان قرارات المجلس المذكور "تتمتع بقوة القضية المحكمة وهي ملزمة لجميع السلطات العامة وللمراجع القضائية والادارية".وحيث سندا لصراحة المادة 13 المذكورة، اذا قرر المجلس الدستوري ممارسة صلاحيته ضمن حدودها المنصوص عنها في المادة 22 من قانون انشائه بإعلان ما اذا "القانون مطابق او مخالف كليا او جزئيا للدستور"، يكون هذا القرار ملزما لجميع السلطات بما في ذلك حكما السلطة القضائية: فإذا قرر مثلا ابطال قانون ما لعدم دستوريته فلا يسوغ لاي سلطة مخالفة قرار المجلس وتطبيق القانون المذكور بحجة صدوره عن المرجع المختص اي السلطة التشريعية طالما انه قد ابطل من قبل السلطة المنوط به حصرا النظر بدستوريته، كما انه في حال قرر رد الطعن المقدم بقانون ما لعدم مخالفته للدستور، اصبح لزاما على جميع السلطات الالتزام به وتطبيقه.وحيث ان المسألة الخلافية حول الزامية قرارات المجلس الدستوري تثار عندما لا يتخذ المجلس اي من القرارين المشار اليهما والمحددين لنطاق صلاحيته المنصوص عليها في المادة 22 من قانون انشائه، بل عندما يتخذ، كما صار بيانه اعلاه، منحىً وسطيا بين الامرين، بأن يعتبر القانون دستوريا ولكن شرط ان يتم تفسير بعض مواده على النحو الذي حدده هو، وهذا ما يعرف بـ"التحفظ التفسيري"، ذلك بهدف الابقاء على القانون وتجنب ابطاله، وهذا ما عبر به المجلس الدستوري في الصفحة 19 من قراره رقم 12/2026 تاريخ 12/10/2026 بقوله:" ان ابطال القانون المطعون فيه سيؤدي الى حرمان جميع المستفيدين من العفو، ومنهم الموقوفين منذ سنوات طويلة من دون محاكمة، من منحة قررها المشرع لغاية مشروعة، في حين ان التحفظ التفسيري الملزم يحقق الغاية ذاتها، اي ضمان وضوح النص ووحدة تطبيقه والمساواة امامه، بوسيلة اقل مساسا بإرادة المشترع". وحيث يتضح مما ورد في قرار المجلس الدستوري امران في غاية الاهمية:ان المجلس هدف الى الابقاء على قانون العفو لكي لا يؤيد ابطاله الى حرمان جميع المستفيدين منه، فتوسل لهذه الغاية "التحفظ التفسيري" مانحا القانون المذكور دستورية مشروطة.ان المجلس اعتبر ابطال قانون العفو يؤدي الى المساس بإرادة المشترع، فإختار "التحفظ التفسيري" الذي يشكل اقل مساسا" على حد تعبيره، بالارادة المذكورة.وحيث ان ما يطرح نفسه على بساط البحث، بعدما تم عرضه اعلاه، مدى الزامية هذا "التحفظ التفسيري"، كونه يخرج عن نطاق مفهوم المادتين 22 و13 من قانون انشاء المجلس الدستوري.وحيث على غرار مسألة الزامية قرار المجلس الدستوري بقبول الطعن او رده كليا او جزئيا، فإن حق المجلس الدستوري بتفسير القانون في معرض بته بالطعن المقدم امامه هو ايضا مسألة لا خلاف عليها على الاطلاق، وقد اكد المجلس الدستوري في قراره اعلاه هذا الامر بقوله ان "للمجلس الدستوري، متى احتمل النص اكثر من تفسير، ان يستبعد التفسير المخالف للدستور ويعتمد التفسير الذي يجعله متوافقا معه، فتكون التحفظات التفسيرية التي يقررها ملزمة لجميع السلطات العامة والمراجع القضائية والادارية، بما يضمن وحدة تطبيق القانون ويحول دون الاجتهادات المتناقضة".وحيث يتضح اذا ان للمجلس الدستوري الحق في استبعاد التفسير المخالف للدستور واعتماد التفسير المتوافق معه، وهذا امر بديهي. ولكن ماذا لو ادى هذا التفسير الى تعديل في مضمون قانون العفو، بأن وسع من نطاقه احيانا وضيقه احيانا اخرى. (علما ان المجلس عينه قضى في الصفحتين 11 و19 من قراره موضوع البحث بضرورة تفسير قوانين العفو تفسيرا ضيقا "لا يتوسع فيه ولا يقاس عليه" نظرا لطابعه الاستثنائي) كما هو حال الجرم الجزائي موضوع الدفع الشكلي الحاضر حيث اعتبره المجلس الدستوري بتحفظه التفسيري مستثنى من العفو خلافا للنص الاصلي للقانون.وحيث بالنتيجة، يكون السؤال حول مدى الزامية التحفظ التفسيري، لا يشمل مطلقا اي تحفظ، بل فقط ذلك الذي يتعدى صلاحية المجلس الدستوري بالمفاضلة بين تفسيرين للنص القانوني المطعون بدستوريته من خلال استبعاد التفسير المخالف للدستور واعتماد ذلك المطابق معه، الى التحفظ التفسيري الذي من شأنه ان يعدل ارادة المشترع بتوسيع نطاق تطبيق القانون كما هو حال التحفظ الوارد على البند 8 من المادة الثانية من القانوني المطعون بدستوريته من خلال استبعاد التفسير المخالف للدستور واعتماد ذلك المطابق معه، الى التحفظ التفسيري الذي من شأنه ان يعدل ارادة المشترع بتوسيع نطاق تطبيق القانون، كما هو حال التحفظ الوارد على البند 8 من المادة الثانية من قانون العفو، والذي اضاف جرائم التزوير على الجرائم المستثناة من العفو بعد ان كان النص الاصلي للقانون قد اعتبرها مشمولة به.وحيث ان التحفظ التفسيري المذكور تجاوز نطاق التفسير الذي يحدد بالاستناد اليه ما اذا كان القانون متطابقا مع احكام الدستور ام لا، الى وضع تفسير من شأنه جعل هذا القانون دستوريا، وان التسليم بهذه الصلاحية للمجلس الدستوري (اي صلاحية جعل القانون دستوريا من خلال تحفظ تفسيري) سيؤدي الى نتيجة مفادها انه خلافا للمادة 22 من قانون انشاء المجلس الدستوري، فإن احتمال قبول الطعن المقدم الى المجلس المذكور لعدم دستورية القانون سيصبح عندها احتمالاً منعدم الوجود، اذ ان المجلس سيكون امام احتمالين لا ثالث لهما: اما رد الطعن واما رد الطعن، في الحالة الاولى لان القانون متطابق مع احكام الدستور، وفي الحالة الثانية لانه جعله هو دستوريا من خلال تحفظ تفسيري واشتراط الالتزام بتفسير معين.وحيث سندا لما تقدم نكون امام مسارين للتعامل مع التحفظ التفسيري والزاميته، وكلاهما يؤديان الى النتيجة عينها:إما اعتبار التحفظ التفسيري غير ملزم في حالة واحدة فقط وهي عندما يكون من شأنه ان يعدل ارادة المشترع بتوسيع نطاق تطبيق قانون العفو، كما هو حال التحفظ الوارد على البند 8 من المادة الثانية من القانون المذكور، وبالتالي اعتبار جرائم التزوير بشكل عام، ومن بينها جرم اعطاء شهادة كاذبة، غير مشمولة بالاستثناءات على العفو، كون الاستثناء الوارد في البند 8 يشمل فقط جرائم تزوير النقد.واما اعتبار هذا التحفظ التفسيري قد اصبح جزءا لا يتجزأ من النص القانوني المطعون فيه، بدليل انه لم يكن ليصدر لولاه كون دستوريته معلقة على شرط الاخذ به، مع ما يترتب على ذلك من نتائج لجهة معاملة النص القانوني الاصلي واخضاعه بالتالي لسلطة تفسير المحكمة الجزائية المعنية بتطبيقه، وهنا اعتماد ما ورد في البند "اولا" اعلاه لجهة اعتبار جرائم التزوير بشكل عام غير مشمولة بالاستثناءات على العفو. ولا يرد على ما تقدم بأن التفسير من قبل المحكمة الجزائية يكون قد تناول تحفظا تفسيريا للمجلس الدستوري، لان التحفظ المذكور يهدف الى البت في مدى دستورية القانون، في حين ان تفسير المحكمة الجزائية يجد سنده في كيفية تطبيق القانون المذكور على الحالة المعروضة امامها، وهي سلطة ممنوحة لها حصرا بموجب القانون.وحيث سندا لما تقدم، يكون الجرم موضوع الدفع الشكلي الحاضر، اي جرم اعطاء شهادة كاذبة المنصوص عليه في المادة 466 من قانون العقوبات، والذي يدخل ضمن الجرائم الواردة في باب التزوير من قانون العقوبات غير مشمول بالاستثناءات الواردة في المادة ممنوحة لها حصرا بموجب القانون.وحيث سندا لما تقدم، يكون الجرم موضوع الدفع الشكلي الحاضر، اي جرم اعطاء شهادة كاذبة المنصوص عليه في المادة 466 من قانون العقوبات، والذي يدخل ضمن الجرائم الواردة في باب التزوير من قانون العقوبات غير مشمول بالاستثناءات الواردة في المادة الثانية من قانون العفو العام، بل بنص المادة الاولى منه، كونه منسوبا الى المدعى عليه ارتكابه بتاريخ سابق لتاريخ 1/3/2026.وحيث سندا للمادة 10 من قانون اصول المحاكمات الجزائية فإن دعوى الحق العام تسقط...بـ بالعفو العام.وحيث يقتضي سندا لما تقدم، وبنتيجة اسقاط الدعوى العامة بمفعول قانون العام، ابطال التعقبات المساقة بحق المدعى عليه سندا للمادة 198 أ.م.ج.وحيث ان المادة 10 أ.م.ج. تنص على انه في حال سقوط الدعوى العامة، تتابع المحكمة الجزائية الواضعة يدها على الدعوى النظر في دعوى الحق الشخصي.لذلك، يقرر:- اولا: قبول الدفع الشكلي المقدم من المدعى عليه السيد ر. شكلا واساسا، واعلان سقوط الدعوى العامة بمفعول قانون العفو العام، وبالتالي ابطال التعقبات المساقة بحق المدعى عليه المذكور سندا للمادة 198 أ.م.ج.- ثانيا: متابعة النظر في دعوى الحق الشخصي، وتعيين موعد جلسة بتاريخ 17/12/2026 وابلاغ من يلزم.نقيب المحامين في بيروت سابقاً