مدبولي: ممرات التنمية يجب أن تتحول إلى محركات للتصنيع والتجارة والتكامل الأفريقي

مدبولي: ممرات التنمية يجب أن تتحول إلى محركات للتصنيع والتجارة والتكامل الأفريقي

شارك الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بمداخلة خلال جلسة حول «ممرات التنمية والمسارات اللوجستية»، وذلك على هامش استضافة مصر، خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر 2026 بمدينة العلمين الجديدة، سلسلة من الفعاليات الأفريقية رفيعة المستوى، وفي مقدمتها «منتدى العلمين - إفريقيا للأعمال»، وقمة الدول المؤسسة لوكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «النيباد»، والاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين وقيادات قطاع الأعمال والقطاع الخاص من مصر ودول إفريقيا.

وأكد مدبولي أن كفاءة منظومات النقل واللوجستيات لم تعد مجرد عنصر مساعد للنشاط الاقتصادي، وإنما أصبحت جزءًا أصيلًا من مفهوم الأمن الاقتصادي والقدرة على الصمود أمام الأزمات، في ظل ما شهده الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة من اضطرابات في سلاسل الإمداد وتأثيرها على حركة التجارة الدولية.

وأوضح رئيس الوزراء أن إفريقيا تقف أمام فرصة تاريخية لإعادة النظر في مفهوم ممرات التنمية، بحيث لا يُنظر إلى الممر باعتباره مجرد طريق يربط بين نقطتين أو مسار لنقل السلع إلى الموانئ، وإنما باعتباره منظومة متكاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وأشار إلى أن هذه المنظومة يجب أن تربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك والأسواق، وتجمع بين النقل والطاقة والاتصالات والخدمات اللوجستية والمناطق الصناعية والعمرانية، بما يحقق قيمة اقتصادية وتنموية على امتداد الممر.

ولفت مدبولي إلى اتساق هذه الرؤية مع مستهدفات أجندة الاتحاد الأفريقي 2063، وبرنامج تطوير البنية التحتية في إفريقيا «PIDA»، ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، مؤكدًا أن تحقيق كامل إمكانات هذه الأطر يتطلب حرية انتقال السلع، وخفض تكلفة التجارة، وتيسير حركة الأشخاص، وتحسين الربط بين الاقتصادات الأفريقية.

وأكد رئيس الوزراء أن التحدي لا يتمثل فقط في بناء الطرق والسكك الحديدية والموانئ، وإنما في ربط هذه الأصول ضمن منظومة واحدة قادرة على خلق قيمة اقتصادية على امتداد الممر.

وأوضح أن الممر الناجح هو الذي يربط منطقة زراعية أو تعدينية بمركز صناعي ثم بميناء أو سوق، مع توفير الطاقة اللازمة للإنتاج والخدمات اللوجستية التي تدعم حركة التجارة، إلى جانب البنية الرقمية التي تتيح تتبع الشحنات وتبادل البيانات وتيسير الإجراءات عبر الحدود.

وشدد مدبولي على ضرورة الانتقال من مفهوم «ممرات النقل» إلى «ممرات التنمية المتكاملة»، ومن الاستثمار في أصول منفردة إلى التخطيط المتزامن للنقل والطاقة والمناطق الصناعية واللوجستية والمجتمعات العمرانية.

كما أكد أهمية أن يكون التخطيط استباقيًا، بحيث تسبق البنية الأساسية أو تتزامن مع النمو الحضري والصناعي، وليس أن تأتي بعده لمعالجة الاختناقات، مع اعتبار المدن والمراكز الحضرية الواقعة على امتداد الممرات مراكز للإنتاج والخدمات والابتكار، وليس مجرد نقاط عبور.

وسلط رئيس مجلس الوزراء الضوء على تجربة مدينة العلمين الجديدة، موضحًا أنها طُورت كمركز حضري متكامل يجمع بين الأنشطة الاقتصادية والخدمية والسياحية، وتجسد توجهًا نحو إنشاء مدن قادرة على استيعاب الأنشطة الاقتصادية المختلفة وربطها بشبكات البنية الأساسية الحديثة.

وأشار إلى أن مصر تنظر إلى تطوير الممرات باعتباره جزءًا من رؤية أوسع لإعادة تشكيل منظومة النقل والخدمات اللوجستية وربط مناطق الإنتاج بالأسواق.

واستعرض مدبولي جهود الدولة المصرية في تطوير شبكة متكاملة تشمل الطرق والسكك الحديدية والموانئ البحرية والجافة والمناطق اللوجستية والنقل النهري، إلى جانب التوسع في وسائل النقل الأخضر والمستدام.

وأوضح أن مصر تعمل على إنشاء سبعة ممرات لوجستية متكاملة لربط مناطق الإنتاج الصناعي والزراعي والتعديني بالموانئ البحرية، فضلًا عن الربط بين موانئ البحر الأحمر وموانئ البحر المتوسط، مرورًا بالموانئ الجافة والمناطق اللوجستية.

وأشار إلى أن الموقع الجغرافي لمصر يمنحها أهمية خاصة باعتبارها نقطة اتصال بين إفريقيا والبحر المتوسط والبحر الأحمر والأسواق العالمية، بما يتيح توظيف الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية في دعم حركة التجارة من وإلى القارة.

وأكد رئيس الوزراء أن أمن ممرات التنمية والمسارات اللوجستية لا يقل أهمية عن إنشائها وتطويرها، موضحًا أن الممر الذي لا تتوافر له بيئة آمنة ومستقرة تضمن استمرارية حركة الأشخاص والبضائع والطاقة والبيانات لا يستطيع أداء دوره كمحرك للتنمية والتكامل الاقتصادي.

وأوضح أن حماية هذه الممرات تتطلب رؤية شاملة تتكامل فيها سلامة الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمنشآت الحيوية مع أمن الملاحة وسلاسل الإمداد، ومواجهة الجريمة المنظمة والتهريب والإرهاب والقرصنة، فضلًا عن حماية البنية الرقمية من التهديدات السيبرانية.

وأشار إلى أن قناة السويس تمثل نموذجًا لهذه الأهمية، باعتبارها شريانًا حيويًا للتجارة الدولية، مع مواصلة مصر تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والموانئ والخدمات اللوجستية المرتبطة بها.

وتطرق مدبولي إلى مشروع إنشاء خط ملاحي يربط بحيرة فيكتوريا بالبحر المتوسط «VICMED»، باعتباره أحد المشروعات ذات البعد القاري التي تتبناها مصر.

وأوضح أن المشروع يستهدف إنشاء منظومة نقل متعددة الوسائط تربط دول حوض النيل، وتعزز التجارة والسياحة بينها، وتوفر مسارًا للنقل النهري يتسم بالكفاءة والاستدامة، بما يسهم في تعزيز اندماج دول الحوض في الاقتصاد الإقليمي والعالمي.

وأشار إلى أن المشروع أُدرج ضمن مبادرات البنية التحتية التي تحظى بدعم مؤسسات قارية، ويجري حاليًا العمل على مرحلته الثانية، لافتًا كذلك إلى إسهام مصر في تطوير مفهوم الممر المتكامل ضمن منظومة «PIDA».

وأكد رئيس الوزراء أن نجاح الممرات العابرة للحدود يتطلب أطرًا مؤسسية مشتركة وتنسيقًا بين الدول ومواءمة للتشريعات والإجراءات، إلى جانب تيسير الإجراءات الجمركية والرقمية.

وأشار إلى أهمية التحول إلى «الممرات الذكية»، التي تستفيد من الرقمنة وتبادل البيانات والنوافذ الواحدة والتتبع الإلكتروني والتنسيق بين سلطات الجمارك والموانئ والنقل، بما يسهم في خفض تكلفة ووقت التجارة عبر الحدود.

وشدد مدبولي على أن الربط بين النقل والطاقة يجب أن يكون جزءًا من التخطيط منذ البداية، مؤكدًا أنه لا يمكن إقامة منطقة صناعية أو ممر لوجستي دون ضمان إمدادات مستقرة وتنافسية من الطاقة.

كما دعا إلى تكامل خطط الممرات مع تطور سوق الكهرباء الأفريقية، بما يتيح للصناعة والتجارة الاستفادة من مصادر طاقة أكثر استدامة وأقل تكلفة، مع وضع المرونة المناخية والاستدامة في قلب تصميم الممرات الجديدة.

وأوضح رئيس الوزراء أن التمويل يظل أحد أهم التحديات أمام تطوير الممرات، داعيًا إلى الانتقال من تمويل كل مشروع بصورة منفردة إلى تمويل الممر باعتباره منظومة اقتصادية متكاملة.