مجموعة العشرين أمام اختبار أمريكي.. هل تتراجع قضايا التنمية لصالح أولويات واشنطن؟

أثارت رئاسة الولايات المتحدة المقبلة لمجموعة العشرين مخاوف بشأن مستقبل التكتل وقدرته على الحفاظ على دوره كمنصة للتنسيق بين الاقتصادات الكبرى والناشئة، في ظل مؤشرات على اتجاه واشنطن إلى تضييق أجندة المجموعة وإعادة ترتيب أولوياتها بما يتوافق مع توجهاتها، على حساب ملفات التنمية والديون والمناخ التي تصدرت مناقشات الرئاسات الأربع السابقة لدول الجنوب العالمي.

وتزايدت هذه المخاوف بعد استبعاد جنوب إفريقيا ، العضو المؤسس بالمجموعة، من المشاركة في الاجتماع المقبل في ديسمبر ، بما يطرح تساؤلات حول قواعد الاستمرارية والتوافق التي تأسست عليها مجموعة العشرين، ومدى قدرة الدولة المضيفة على إعادة تشكيل أجندتها وتحديد المشاركين فيها بصورة أحادية.

جاء ذلك خلال جلسة بعنوان «في ظل غياب دول الجنوب عن طاولة الحوار في مجموعة العشرين.. هل تتحسن الحوكمة العالمية أم تصبح مجرد رمز بلا تأثير؟»، ضمن فعاليات اليوم الأول من منتدى القاهرة الثالث «Cairo Forum 2026»، التي ناقشت التحولات في منظومة الحوكمة الاقتصادية والسياسية الدولية، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، ومستقبل تمثيل دول الجنوب، خاصة إفريقيا، ودور التكتلات الدولية في التعامل مع الأزمات العالمية.

وشارك في الجلسة سيلين كوفمان، رئيسة البرامج بمعهد التنمية المستدامة والعلاقات الدولية (IDDRI) في باريس، وإليزابيث سيديروبولوس، الرئيس التنفيذي للمعهد الجنوب إفريقي للشؤون الدولية (SAIIA)، وأنطونيو فيلافرانكا، نائب رئيس معهد الدراسات السياسية الدولية الإيطالي (ISPI) للأبحاث، والبروفيسورة نايري وودز، العميد المؤسس لكلية بلافاتني للإدارة الحكومية بجامعة أكسفورد، وآنا بالاثيو، وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة والأستاذة الزائرة بجامعة جورجتاون. وأدار الجلسة علاء هاشم، أمين صندوق المركز المصري للدراسات الاقتصادية ومؤسس وشريك تنفيذي بشركة «ترانسينديوم».

واتفق الخبراء على أن التحدي الذي يواجه مجموعة العشرين لا يقتصر على اتساع جدول أعمالها أو تضييقه، وإنما يرتبط بقدرتها على الحفاظ على دورها كمنصة للتنسيق الدولي وتحويل التوافق السياسي إلى نتائج عملية، محذرين من اختزال التنمية في مؤشرات النمو والاستقرار المالي، أو الاكتفاء بتمثيل إفريقيا داخل المؤسسات الدولية دون امتلاك القدرة على التأثير في قراراتها.

وقالت إليزابيث سيديروبولوس، الرئيس التنفيذي للمعهد الجنوب إفريقي للشؤون الدولية، إن الرئاسات الأربع المتعاقبة لدول الجنوب العالمي في مجموعة العشرين نجحت في وضع قضايا التنمية ضمن أولويات المناقشات الدولية، إلا أن هناك مؤشرات على تراجع هذا التوجه مع انتقال الرئاسة إلى الولايات المتحدة، محذرة من أن التركيز على التمويل والنمو الاقتصادي بمعزل عن أهداف التنمية يمثل تراجعاً عن المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية.

وأضافت أن من الجوانب الإيجابية في عمل المجموعة استمرار بعض الملفات من رئاسة إلى أخرى، مشيرة إلى أن المناقشات المتعلقة بإصلاح بنوك التنمية متعددة الأطراف بدأت منذ سنوات ولا تزال مطروحة، وهو ما يعكس أهمية تقييم أداء المجموعة على أساس تراكم الجهود والملفات المشتركة، وليس وفقاً لأولويات رئاسة واحدة.

وأوضحت أن النمو الاقتصادي يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى غاية منفصلة عن تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للدول، مؤكدة ضرورة الحفاظ على الارتباط بين الاستقرار المالي والنمو من جهة، وتحقيق التنمية من جهة أخرى.

وفيما يتعلق باستبعاد جنوب إفريقيا من القمة الأمريكية المقبلة، رأت سيديروبولوس أن منح الاتحاد الإفريقي مقعداً داخل مجموعة العشرين لا يمثل بديلاً كاملاً عن مشاركة جنوب إفريقيا، لاختلاف طبيعة الاتحاد الإفريقي عن الاتحاد الأوروبي، خاصة أن الأول منظمة حكومية دولية تضم 54 دولة، ما يجعل تنسيق المواقف وتوحيد الأولويات أكثر صعوبة.

وأشارت إلى حاجة الاتحاد الإفريقي لتعزيز قدراته الفنية والمؤسسية، لافتة إلى إمكانية إسهام دول رئيسية، من بينها مصر وجنوب إفريقيا ونيجيريا والسنغال وكينيا، في دعم التنسيق وتوفير الخبرات اللازمة لصياغة مواقف مشتركة قابلة للطرح والتنفيذ داخل المجموعة.

وأكدت أن امتلاك موقف إفريقي موحد بشأن قضايا مثل الديون يمثل نقطة انطلاق مهمة، لكن الأهم هو القدرة على بناء التحالفات اللازمة لدفعه، موضحة أن الدول قد تمتلك حلولاً للمشكلات التي تواجهها، لكنها لا تمتلك دائماً الأدوات أو النفوذ الكافي لتنفيذها.

وحذرت من تراجع المكاسب التي تحققت في ملفات المناخ والمساواة والنوع الاجتماعي، مشيرة إلى أن مواجهة ذلك تتطلب تعاوناً أوثق بين الدول الإفريقية والاقتصادات المتقدمة، لأن الدول منفردة لا تمتلك النفوذ الكافي لتحقيق تقدم في القضايا الكبرى.

من جانبها، أكدت البروفيسورة نايري وودز، العميد المؤسس لكلية بلافاتنيك، أن أهمية وجود إفريقيا داخل مجموعة العشرين لا تتعلق بمجرد الحصول على مقعد، وإنما بقدرة القارة على استخدام هذا التمثيل للتأثير في الأولويات والقرارات الدولية، محذرة من أن المشاركة الشكلية قد تنتهي بحصول إفريقيا على «الفتات» دون تأثير حقيقي.

وحددت وودز ثلاثة شروط للاستفادة من التمثيل الإفريقي؛ أولها توافق الدول على أولوية رئيسية واحدة أو عدد محدود من الأولويات التي يمكن للمجموعة التعامل معها بفاعلية، بدلاً من طرح قائمة طويلة من القضايا تختلف أهميتها من دولة إلى أخرى. وأشارت إلى أن ملف الديون يمثل إحدى الأولويات التي حددتها لجنة الخبراء الإفريقية المعنية بمجموعة العشرين.

أما الشرط الثاني فيتمثل في بناء تحالفات مع بقية أعضاء المجموعة لحشد الدعم للأولويات الإفريقية، من خلال التواصل مع الحكومات ووسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية والأطراف المؤثرة في الدول الأخرى.

ويتمثل الشرط الثالث في وضع خطة لتوجيه المؤسسات الدولية، بحيث لا يقتصر دور مجموعة العشرين على إصدار التوصيات، وإنما يمتد إلى تحديد الأدوار المطلوبة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وبنوك التنمية الإقليمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

واستشهدت وودز بدراساتها حول البنك الإفريقي للتنمية، موضحة أن امتلاك الدول النامية أغلبية الأصوات لا يضمن بالضرورة قدرتها على توجيه السياسات، إذ أظهرت إحدى الدراسات أن مساهمين يمتلكون حصصاً تتراوح بين 2 و3% تمكنوا من التأثير في استراتيجية البنك، بما يعكس أهمية بناء القدرة المؤسسية على التأثير، وليس الاكتفاء بالتمثيل العددي.

وفيما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة، دعت وودز الدول الإفريقية إلى التعامل معها من موقع تفاوضي أقوى، موضحة أن وجود بدائل وشراكات أخرى، ومنها بريكس، يعزز القدرة التفاوضية للدول ويؤكد أنها لا تعتمد على مسار دولي واحد.

وشددت على ضرورة عدم اختزال الموقف الأمريكي في توجهات الإدارة الحالية، مشيرة إلى وجود أطراف أمريكية أخرى، تشمل حكام الولايات والمؤسسات والصحفيين والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني، يمكن التواصل معها لبناء تحالفات تدعم القضايا الإفريقية.