يقدّم الشاعر والكاتب فريد النمر في كتابه الجديد «مجسّات النص الشعري وكبسولات الرؤيا» تأملات نقدية تسعى إلى مقاربة القصيدة من داخلها، والكشف عن العناصر الخفية التي تمنحها قدرتها على الإدهاش والتأثير، والكتاب الصادر في طبعته الأولى يقع في 182 صفحة، ولا ينتمي إلى الدراسات الأكاديمية الصارمة بقدر ما يقترب من المختبر النقدي المفتوح، حيث تتجاور الخبرة الشعرية مع الرؤية الجمالية والحدس الشخصي. منذ الصفحات الأولى يضع المؤلف الشعر في منزلة تتجاوز الوظيفة الاتصالية المباشرة للغة؛ فالقصيدة، في نظره، ليست وعاءً للعاطفة أو استجابة انفعالية عابرة، بل كائن إبداعي له هندسته الداخلية ونظامه الدلالي والصوتي والبصري، ومن هذا المنطلق يناقش العلاقة بين الشكل والمعنى، وبين الفكرة واللغة، مؤكدًا أن الدهشة الشعرية لا تُصنع بالغرابة السطحية، وإنما تنشأ من انزياح عميق يجعل المألوف يبدو كما لو أنه يُرى للمرة الأولى. ويتخذ الكتاب بنية مغايرة للكتب النقدية المعتادة؛ إذ يتألف من عشرات المقاطع القصيرة التي يطلق عليها المؤلف «كبسولات الرؤيا»، وتتناول هذه المقاطع موضوعات واسعة، منها: المكابدة الجمالية، وتجليات الصورة، والحواس ومرايا الشعر، والمعجم اللفظي، والوجدان، وتعدد أصوات النص، والرمز، والإيقاع، وقصيدة النثر، والقارئ الافتراضي، والذاكرة الشعرية، وتحليل النص، ويتيح هذا البناء للقارئ أن يدخل الكتاب من أي موضع، وأن يتعامل مع كل مقطع بوصفه فكرة مستقلة، مع بقائه متصلًا بالرؤية العامة للعمل. ويراهن الكاتب على مفهوم «الشعر الرؤيوي والمفهومي»، فالقصيدة لديه لا تكتفي بوصف العالم، بل تعيد تشكيله وإنتاج الأسئلة حول الذات والزمن والوجود. لذلك يلحّ على ضرورة تحرر النص من المباشرة والخطابة، وعلى أهمية المخيلة بوصفها قوة قادرة على نقل اللغة من معناها المتداول إلى أفق أكثر اتساعًا، كما يرفض الحكم المتعجل على القصائد وفق سلم رأسي يصف بعضها بالأعلى والأرقى، داعيًا إلى قراءة كل تجربة ضمن سياقها ولغتها وأسئلتها الخاصة. ومن الأفكار اللافتة في الكتاب تأكيده أن الشاعر لا يكتب بعقله وحده، ولا بعاطفته وحدها، وإنما من منطقة تتفاعل فيها الذاكرة واللاوعي والثقافة والتجربة، فالذاكرة الشعرية، كما يصفها، «خزانة ماضوية» يستدعي منها الشاعر الإشارات والدلالات، ثم يعيد صوغها في نص جديد، وفي حديثه عن الإيقاع يذهب إلى أنه ليس وزنًا خارجيًا فحسب، بل جرس داخلي تتحرك فيه الألفاظ والمعاني بانسجام، سواء في القصيدة الموزونة أو النص النثري. أما لغة الكتاب نفسها تحمل أثر الشاعر؛ فهي لغة مجازية كثيفة، تتقدم أحيانًا بالصورة والحدس على التحليل والبرهنة، وهذا يمنح النص حرارة وحيوية، لكنه قد يتطلب من القارئ التمهل أمام بعض العبارات الاصطلاحية والتراكيب المتدفقة، كما أن تعدد القضايا في مقاطع شديدة الاختصار يجعل بعض الأفكار أقرب إلى إشارات تأسيسية تستحق أن تُوسّع لاحقًا في دراسات مستقلة، مدعومة بالنماذج والتطبيقات الشعرية.