.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
لا يزال سكان كورنيش المزرعة عاجزين عن استيعاب حجم المجزرة التي ضربت المنطقة في 8 نيسان/إبريل 2026، في يومٍ سمي "الأربعاء الأسود"، نظراً الى كثرة الضربات التي طاولت مناطق عدة في لبنان. بصدمةٍ واضحة، يردّد الأهالي عبارة واحدة: "ما حدا توقّع الضربة هون… يلي صار مجزرة حقيقية".
أحد سكان المنطقة، الذي نجا بأعجوبة بعدما غادر المكان قبل دقائق من القصف، يصف المشهد قائلاً: "كان أشبه بانفجار 4 آب، لكن بصورة مصغّرة". ووفق إفادات سكان وشهود عيان، سقط ما بين 6 و8 صواريخ ضمن بقعةٍ جغرافية محدودة، طاولت مستودعاً للتخزين قرب موقف سيارات خلف محمصة الرفاعي، إضافة إلى المبنى المقابل له. وأسفر القصف الجوي عن أضرار جسيمة لحقت بما لا يقل عن ستة مبانٍ، إضافة الى تحطّم واجهات زجاجية في الأبنية والمحلات المجاورة.
وحتى الآن، لا تزال الحصيلة غير نهائية، في غياب أرقامٍ رسمية مفصلة لعدد الضحايا والجرحى والمفقودين في مختلف المناطق المستهدفة خلال تلك المجزرة. غير أن معلومات متقاطعة تشير إلى سقوط نحو 25 ضحية و160 جريحاً في كورنيش المزرعة وحده، من دون تسجيل أي مفقودين حتى اللحظة.
هذه المنطقة، التي حمل اسمها دلالة زراعية واضحة، وجدت نفسها اليوم أمام تاريخ أقسى وفصلٍ دموي سيبقى محفوراً في ذاكرة هذه المنطقة. ويوضح المحامي والمؤرخ زكريا الغول الحائز دكتوراه في التاريخ السياسي، أن كورنيش المزرعة كانت منطقة زراعية تُشكّل الامتداد الطبيعي لمدينة بيروت. ومع تطور المدينة في أواخر العهد العثماني تحوّلت إلى ممرٍ حيوي يربط بيروت بمحيطها. ويختصر هذا التحوّل بالقول "كورنيش المزرعة تعكس التحول من الريف إلى المدينة".
ومع دخول مرحلة الانتداب، كما يشير، اكتسبت المنطقة ملامحها العمرانية الحديثة، فتحوّلت إلى شارعٍ منظّم ومركز حضري بارز، ظهرت فيه المؤسسات التعليمية والإدارية، واتسع ليصبح مساحةً مفتوحة للحياة الاجتماعية والسياسية. شهدت شوارعه تحركات وتجمعات، واحتضن نبض بيروت اليومي، حتى بات واحداً من شرايينها الحيوية.
لكن هذا الإرث التاريخي والديموغرافي يجد نفسه اليوم في مواجهة واقع مختلف تماماً. فكما يردد السكان، "مع كل عرس إلها قرص"، غير أن ما قبل الثامن من نيسان لم يعد يشبه ما بعده. الخوف يخيّم، والترقّب يسكن التفاصيل، فيما بدأ نزوح صامت لسكان الأبنية المتضررة والمحيطة بالموقع المستهدف.
يبدو الحي اليوم كأنه انهار دفعةً واحدة، وبين الركام والقلق، يتمسّك الأهالي بخيط أمل: أن تعود الحياة تدريجاً إلى هذا المكان وينتهي المسح الميداني للكشف عن الخسائر الفعلية الناتجة من مجزرة 8 نيسان.
صورة لكورنيش المزرعة عام 1987(صورة أرشيفية - النهار)
ضحايا مرّوا من هنا بصمت، من دون صور ولا حتى أسماء. كثيرون منهم كانوا يعملون في المستودع، كما يؤكد أهالي الحيّ، فيما بقي بعض الوجوه حيّاً في ذاكرة الجيران، مثل نادر خليل. ذلك الموظف الذي لم تفارق الابتسامة وجهه يوماً، وكان يمازح الجميع بخفة روحه. هكذا يتذكرونه… قبل أن يسقط ضحية غارة إسرائيلية استهدفت المستودع خلف محمصة الرفاعي، الذي عمل فيها نحو 35 عاماً من عمره.
رحل نادر، وبقيت المحمصة مفتوحة على فراغٍ ثقيل. الحزن يخيّم على المكان، يشبه في ثقله سحابة الدخان السوداء التي ما زالت عالقة في السماء، شاهدة على قسوة ما حدث.
على الأرض، تسبقك الرائحة. قاسية، خانقة، لا تشبه مرور تسعة أيام على المجزرة. ما إن تطأ قدماك موقف السيارات، حيث احترق أكثر من 50 سيارة في البقعة نفسها التي تضم المستودع المستهدف، حتى تدرك أن آثار الضربة لم تنتهِ بعد.
نادر خليل الذي سقط في غارة كورنيش المزرعة (تعزية من محمصة الرفاعي التي عمل لأكثر من 35 عاماً)
تتضارب الروايات حول ما جرى. تقول إسرائيل إنها استهدفت مستودعاً يحتوي على أسلحة تابعة لـ"حزب الله"، وتؤكد أنها قصفته بأربعة صواريخ. في المقابل، يجزم السكان بأن المستودع كان يضم مساعدات غذائية وإسطوانات غاز مخصصة للنازحين، إلى جانب مبنى سكني يضم عيادات طبية وشققاً سكنية.
لم يقتصر القصف على هذا الموقع. فالمبنى المقابل تعرّض بدوره لأربع غارات، خلّفت أضراراً جسيمة، من دون تسجيل ضحايا، لكن مع وقوع إصابات متفاوتة بين سكانه. بين هذه الروايات، يبقى الثابت الوحيد: مساحة من الدمار، ووجوه غابت، وأخرى ما زالت تبحث عن إجابات.
يستعيد ربيع مغربي اللحظة التي غيّرت كل شيء. الصاروخ الذي سقط في شقته في الطابق الثاني من مبنى "بيلا فلورا" لم يدمّر الجدران فقط، بل أصاب ما هو أعمق. يقول: "عندما سمعتُ دوي الغارة، كنت قريباً وقلت لصديقي: راح البيت". في تلك اللحظة، شعر أن جنى عمره يتهاوى، قبل أن يرى الخراب بعينيه.
يؤكد وهو ينظر حوله إلى الركام في شقته: "لم يبقَ شيء… خسرت ذكرياتي التي لا تُعوّض. يمكن أن تبني منزلاً جديداً، لكنك لن تستعيد ما فقدته من تفاصيل وذكريات". يقدّر خسارته بنحو 300 ألف دولار، يعترف: "عندما تنظر حولك، تجد أن خسارة الأرواح أقسى… الحمد لله".
اليوم، تتحوّل معاناته ومعاناة السكان إلى مناشدةٍ واضحة: ضرورة تدعيم المبنى، ليتسنى للأهالي ترميم شققهم والعودة إليها، خصوصاً أن عدداً كبيراً منهم من كبار السن والمتقاعدين، الذين لا يملكون ترف البدء من جديد.
المبنى الذي يناهز عمره سبعين عاماً، يُعدّ من أكبر الأبنية في كورنيش المزرعة، بحسب مغربي. يضم 29 شقة سكنية موزعة على "بلوكين"، أحدهما يضم 14 شقة، والآخر 15، إضافة إلى ثلاثة محلات تجارية. كتلة سكنية كاملة، اختُزلت فجأة في مشهدٍ من الركام والقلق.
الأضرار في كورنيش المزرعة بعد الغارة الإسرائيلية (تصوير نبيل اسماعيل- النهار)
الحيّ، الذي كان يعجّ بالحياة وحركة السير التي لا تهدأ، يبدو اليوم كأنه يعيش على إيقاعين متناقضين: جمود ثقيل تفرضه فجوة الدمار والردم، يقابله إصرار خجول على استعادة الحياة. ورش ترميم صغيرة، وأيادٍ تحاول لملمة ما يمكن إنقاذه، في محاولة للمضي قدماً، ولو بخطى بطيئة.
ورغم حجم الدمار، لم تُسجّل وفيات داخل المبنى. إلا أن صاحب "بيلا فلورا" يرقد في العناية الفائقة، في حالة حرجة، فيما أصيب عدد من السكان بجروح راوحت بين الطفيفة والمتوسطة. وبين النجاة والخسارة، يبقى هذا المبنى شاهداً على لحظة كان يمكن أن تكون أكثر قسوة.
في موقف السيارات، حيث خلّفت الغارات فجوةً عميقة في الأرض، يقف عباس مصطفى، أحد عناصر فرق البحث والإنقاذ في "الهيئة الصحية"، يتابع بصمتٍ أعمال رفع الركام. مهمته لا تنتهي مع إزالة الردم، بل تمتدّ إلى ما هو أثقل: التأكد من عدم بقاء أي أشلاء بين الركام.
يوضح أنه "ما زلنا، حتى بعد أيام على المجزرة، نعثر على أشلاء مبعثرة. وجدنا يداً في الطابق الثاني من المبنى المجاور، وقبلها بيوم عثرنا على جثةٍ قُذفت إلى الطابق الثالث من شدة الانفجار. حتى قرب جسر سليم سلام، كانت هناك أشلاء متناثرة".