أسماك بلا هوية… ماذا يصل إلى موائد العرب؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

في بلدان عربية عدة، قد يشتري المستهلك سمكة تحمل اسماً تجارياً مألوفاً، من دون أن يدرك أن هذا الاسم قد يخفي نوعاً آخر أقل سعراً وقيمةً في السوق. فبعد إزالة الرأس والجلد والعظام، وتحويل السمكة إلى شرائح أو منتجات مصنّعة، تختفي معظم العلامات التي تتيح تمييزها، ولا يبقى أمام المشتري غالباً سوى الاسم المدوّن على العبوة أو الذي يذكره البائع لمعرفة نوع ما يأكله.

وتقدم ورقة بحثية مصرية نُشرت في حزيران/يونيو الفائت، دليلاً جديداً على استمرار هذه الظاهرة. فقد أظهر تحليل وراثي لـ12 عينة من شرائح البانغاسيوس المجمدة، جُمعت من أسواق القاهرة والإسكندرية، أن ثماني عينات تعود إلى سمك السواي، فيما تعود أربع عينات إلى الباسا. واعتبر الباحثون أن 66.7% من العينات تمثل حالات استبدال للباسا بالسواي، مع تأكيدهم أن محدودية العينة لا تسمح بتعميم النتيجة على السوق المصرية بأكملها.

وانطلاقاً من هذه الحالة، تتبعت "النهار" المسارات التي قد تنفصل عندها الهوية البيولوجية للسمكة عن الاسم التجاري الذي تصل به إلى المستهلك، مستندةً إلى دراسات علمية وبيانات رسمية وشهادات باحثين وعاملين في قطاع الاستيراد. وتكشف الأدلة أن المشكلة لا تتخذ نمطاً واحداً، فقد تنشأ من استبدال نوع بآخر، أو اضطراب الأسماء التجارية، أو قصور إجراءات الفحص والتتبع، وهي ثغرات قد تتداخل في سلسلة التوريد نفسها وتفتح المجال أمام التضليل والتلاعب.

وبينما تتيح تقنية الباركود الوراثي التحقق من هوية كثير من المنتجات السمكية، حتى بعد تجميدها أو تصنيعها، لا تزال هذه التقنية بعيدة عن الاندماج المنتظم في إجراءات الرقابة، ما يترك سؤالاً مفتوحاً بشأن الضمانات التي تكفل للمستهلك أن يشتري فعلاً النوع الذي يشير إليه الاسم التجاري للمنتج، وتوضح نطاق المسؤولية عند حدوث أي تلاعب.

أسماك معروضة للبيع في إحدى السوبرماركات في بيروت (حسام شبارو- النهار).

لا يعكس الاسم التجاري دائماً النوع الحقيقي للسمكة. ففي حالات كثيرة يكون مجرد ستار يخفي هويتها البيولوجية.

ويوضح الدكتور خالد محمد جبة، أستاذ البيولوجيا الجزيئية البحرية، وزميل معهد سميثسونيان للتاريخ الطبيعي بالولايات المتحدة، لـ"النهار"، أنّ دراسات في أسواق عربية رصدت استبدال أنواع مرتفعة القيمة بأخرى أقل سعراً، من بينها شرائح بيعت باسم "قشر البياض"، بينما أظهرت الفحوص أنها من أسماك "البانغاسيوس".

وفي المغرب، يبدأ الخلل أحياناً قبل وصول السمكة إلى المتجر. ويقول الدكتور هشام مسكي، الباحث في المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، لـ"النهار"، إن الالتباس يظهر منذ مرحلة البيع الأول، إذ قد يُستخدم الاسم التجاري نفسه لأنواع مختلفة، بينما يحمل النوع الواحد أسماء محلية متعددة.

وفي دراسة شملت 138 نوعاً، وجد الباحثون أن بعض الأنواع يحمل ما يصل إلى 21 اسماً عبر مناطق المغرب.

ولا يقتصر هذا التفاوت على التسميات المتداولة بين الصيادين والباعة. فبحسب مسكي، أظهرت مراجعته بيانات البيع الأول التي نشرها المكتب الوطني للصيد في تموز/يوليو الماضي اختلافاً في كتابة أسماء الأنواع وتسميتها من ميناء إلى آخر.

ويستشهد مسكي بسمكة Plectorhinchus mediterraneus، المعروفة بالفرنسية باسم "أباديش"، التي يقول إنها قد تباع للمستهلك تحت اسم "ميرو"، أي الهامور أو الوقار.

لا يثبت تعدد الأسماء وحده وقوع غش تجاري متعمد، لكنه يهيئ بيئة مواتية للاحتيال. فغياب مرجع موحد يربط الاسم التجاري بالنوع العلمي يسمح بتمرير أنواع أقل قيمة تحت أسماء أكثر رواجاً، ويمنح المتلاعبين مساحة للاختباء خلف الاختلافات المحلية في التسمية. كما يربك تتبع الأسماك عبر مراحل التداول، ويصعّب اكتشاف المرحلة التي تم فيها استبدال الاسم.

اعداد طبق من السمك (صورة تعبيرية- Envato)

تكشف دراسة مصرية نشرتها دورية "ساينتفيك ريبورتس" للباحثة المصرية نرمين عباس في حزيران/يونيو الماضي عن أحدث اختبار مستقل لهوية شرائح الأسماك المجمدة في السوق المصرية. حلّلت الدراسة 12 عينة من أسماك البانغاسيوس، جُمعت من متاجر في القاهرة والإسكندرية بين أيار/مايو 2024 أيار/مايو 2025، باستخدام تسلسل جزء من جين "سي أو آي" المعروف بالباركود الوراثي.

أظهر التحليل أن ثماني عينات تعود إلى سمك السواي أو السلور المخطط، Pangasianodon hypophthalmus، بينما تعود أربع عينات إلى الباسا، Pangasius bocourti. وخلص الباحثون إلى أن 66.7 في المئة من عينات الباسا استُبدلت بالسواي، مع توصيتهم بإجراء مسوح أوسع تشمل مناطق جغرافية وعدداً أكبر من العينات.

وتشير دراسة مصرية أخرى نُشرت عام 2021 إلى أن الالتباس لا يقتصر على الشرائح المجمدة أو الأسماك المستوردة. فقد فحص الباحثون ثلاث عينات من أسماك البحر الأحمر مرتفعة القيمة، وتطابقت عينة واحدة فقط مع الاسم المتداول لها، في حين اختلف التعريف الوراثي للعينتين الأخريين عن الاسمين المستخدمين في السوق، وهما "الناجل" و"الكحاية".

وتكشف الدراسة أن اختلاف الاسم عن الهوية البيولوجية يمكن أن يحدث أيضاً في الأسماك المحلية، لكنها لا تسمح، بسبب صغر عينتها، بتقدير حجم الظاهرة على مستوى السوق المصرية.

وتعود أولى الأدلة المصرية إلى دراسة نشرت عام 2014 في دورية "فود كنترول"، وحللت 90 عينة من شرائح الأسماك المباعة في القاهرة والمنوفية والقليوبية. لم تتطابق 30 عينة، أي 33.3 في المئة، مع النوع المتوقع استناداً إلى الاسم التجاري.

ومن بين الحالات التي سجّلتها الدراسة بيع شرائح على أنها من قشر البياض، Lates niloticus، قبل أن يحددها التحليل الوراثي بوصفها من البانغاسيوس، وهو أقل سعراً وأكثر انتشاراً في الاستزراع.

أسماك معروضة للبيع في إحدى السوبرماركات في بيروت (حسام شبارو- النهار).

وتقول الدكتورة أسماء جلال خلاف، الباحثة الأولى في دراسة عام 2014، لـ"النهار"، إن التحليل الوراثي كشف آنذاك عينات لم تتطابق هويتها مع النوع المعلن. لكنها ترى أنه يصعب تحديد ما إذا كانت النسبة التي سجلتها الدراسة لا تزال قائمة أو تغيرت، في غياب دراسات واسعة تسمح بقياس اتجاه الظاهرة في السوق المصرية.

وتشير خلاف، استناداً إلى زيارات ميدانية وأعمال لاحقة، إلى تغير ممارسات التسمية في بعض المنتجات، إذ لاحظت ظهور الاسمين العلمي والإنكليزي على عبوات أسماك مجمدة ومعلبة، بخلاف ما رصدته دراسة 2014. غير أن استخدام أسماء تجارية واسعة لا يحسم هوية النوع دائماً، فاسم "باسا"، بحسب قولها، يستخدم لنوعين من الأسماك الفيتنامية، بينما يطلق اسم "هامور" على مجموعة كبيرة من الأنواع.

لا تقف حدود المشكلة عند ما تكشفه عينات السوق، إذ يقول مستورد مصري للأسماك المجمدة، لـ"النهار"، طلب حجب اسمه، إنّ إجراءات استيراد هذه المنتجات لا تتضمن، بحسب خبرته العملية، فحصاً روتينياً بالباركود الوراثي للتحقق من النوع.

وأوضح أن الحصول على التصاريح كان يتم في البداية عبر وزارة الزراعة، قبل استحداث جهة أخرى تولت الإجراءات لاحقاً. وأضاف أن الجهات الرقابية تشترط تحديد نوع الأسماك في مستندات الشحنة، لكن هذا الشرط يعتمد على صحة البيانات المقدمة من بلد الإنتاج.