مجزرة عين المريسة: بناية سقطت بكل من فيها

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

لم تُمنح الطفلة ليال حمادة فرصة الفرح بفرضها في اللغة العربية، بعنوان "في بيتنا من جديد"، ولا بعلامة الصحّ المرسومة على الورقة. كأن اللغة نفسها سبقت المأساة، لتدوّن آخر أثر لطفلة كانت تعيش في بيتٍ آمن في عين المريسة، قبل أن ينتهي كل شيء ظهر الأربعاء 8 نيسان.

بقي خطّها الجميل على دفتر القواعد شاهداً على لحظة عادية تحوّلت فجأة إلى ذكرى. كانت تدرس، قبل أن تقتل الغارة الإسرائيلية جميع قاطني المبنى. دفاترها المدرسية، حيث كانت تتعلّم في مدرسة راهبات المحبة، ما زالت بين الركام، حاضرة بعد عشرة أيام على المجزرة التي هزّت لبنان كلّه.

كتبها المبعثرة، التي تحمل اسمها "ليال حمادة"، تؤكد أن هذه الطفلة كانت هنا، كما سائر الأطفال الذين سقطوا في "الأربعاء الأسود" داخل المبنى المؤلف من 12 شقة سكنية. يقول ناطور المبنى، أبو علي، إن "ما بين 10 و12 طفلاً سقطوا ضحايا، إلى جانب نحو 12 ضحية آخر من السكان، قسم كبير منهم من العائلات السورية".

دفتر الطفلة الضحية ليال حداد بين ركام المبنى المستهدف في عين المريسة (النهار)

في زاوية أخرى من المكان، تتناثر أوراق وصور كأنها تحاول النجاة من تحت الركام: صورة إخراج قيد تحمل اسم "آدم"، وإلى جانبها صورة لطفل، صورة أخرى توثّق لحظة فرح لعروسين، وجريدة ممزقة لم يُكمل صاحبها قراءتها. تفاصيل صغيرة، لكنها ثقيلة، ترافق كل من يحاول التقاط ما تبقّى من حياة سكان مبنى عين المريسة، قبل أن تبتلعها الفاجعة.

يؤكد شهود عيان وسكان من الأبنية المجاورة أن القصف الإسرائيلي استهدف المبنى بصاروخين إلى ثلاثة، تركّز بشكل أساسي على الطابقين الأول والثاني. لم تمضِ سوى عشر دقائق حتى انهار جزء كبير من المبنى، بعد سلسلة الغارات، ولم يخرج من كان في داخله إلا جثثاً هامدة.

اخراج قيد وسط ركام المبنى المستهدف في عين المريسة (النهار)

يشير مختار المنطقة عارف شقير إلى أن هذه هي المرة الأولى التي تسقط فيها بناية بالكامل في عين المريسة، قائلاً: "لم يكن أحد يتوقع هذه الضربة… شيء يفوق الوصف". ويُقدَّر عمر المبنى المستهدف بما بين 60 و70 عاماً، فيما يضيف ناطوره أبو علي: "في ناس ساكنة فيه من عمر البناية نفسها".

يروي حاكم البني، وهو من الجنسية السورية، وأحد الناجين الذين لم يكونوا داخل المبنى لحظة الاستهداف، تفاصيل ما جرى قائلاً: "تلقّينا تهديداً بإخلاء المبنى قبل يومين، وبالفعل غادر جميع السكان في تلك الليلة وتوجّهنا إلى البحر. لكن بعد يومين، استهدفت اسرائيل المبنى من دون أيّ تحذير أو إنذار، وقُتل كل من كان في داخله".

شاطىء وكورنيش عين المريسة قبل نحو 65 سنة (الصورة من صفحة تراث بيروت)

كانت هذه المنطقة في الأصل قرية ساحلية صغيرة تعتمد على الصيد، وفق ما يوضح الباحث الدكتور زكريا الغول، الحائز على دكتوراه في التاريخ السياسي. ويشير إلى أن اسمها يرتبط بوجود نبع ماء، وهو عنصر أساسيّ في نشوء التجمعات السكانية.

ومع صعود بيروت كميناء رئيسي في القرن التاسع عشر، بدأت المنطقة تكتسب أهمية متزايدة. إلا أن التحول الأبرز جاء خلال فترة الانتداب الفرنسي، حيث شهدت بناء فنادق ومرافق سياحية، لتتحوّل تدريجياً إلى واجهة بحرية حديثة.

جامع عين المريسة التاريخي العريق (1887) قبل إنشاء وصلة الكورنيش وكان يطل على البحر (الصورة من صفحة تراث بيروت)

وفي منتصف القرن العشرين، غدت مركزاً للنخب الثقافية والسياسية، وارتبطت بصورة بيروت كمدينة منفتحة على البحر والعالم.

على ركام مبنى عين المريسة، أمضى الحاج قاسم عبود أياماً يبحث عن أثرٍ لابنته زهراء، قبل أن يعود مثقلاً بالتعب ووجع الفقد. عاد إلى الموقع بعدما شمّ رائحة منبعثة من الطابق الأول، محاولاً التأكد من عدم وجود أيّ أشلاء قد تعود إليها، قبل أن يوارِيها الثرى في بلدتها عنقون.

يقف في غرفة النوم التي كانت زهراء تصلّي فيها، وفق ما يروي، قبل أن "تتناول غداءها وتخرج" لتكون هذه رحلتها الأخيرة. لحظات عادية تحوّلت إلى وداعٍ غير معلن.

زهراء عبود التي سقطت في الغارة الإسرائيلية في عين المريسة (الصورة من مواقع التواصل الاجتماعي)

يقول الحاج قاسم إنه أمضى أياماً يبحث عن ابنته المفقودة، قبل أن يتبيّن لاحقاً، بحسب ما أكد لـ"النهار"، أنها نُقلت منذ اليوم الأول إلى مستشفى الجامعة الأميركية، ثم سُلّم ثلثا جثمانها إلى مستشفى رفيق الحريري. ظلّ يتنقّل بين موقع الغارة والمستشفيات، منهكاً ويائساً، باحثاً عن أيّ أثر. يقول: "كنت بدي لاقيها… بدي شي منها".

كانت محطة يوسف الملاح رىٔيس شعبة العمليات الخاصة في الدفاع المدني ، الأولى في عين المريسة. يقول بأسى: "للأسف، كان عدد الضحايا كبيراً جداً. خلال ساعة واحدة فقط، انتشلنا ثمانية جثامين، فيما كان أضعاف هذا العدد لا يزال تحت الأنقاض". يدرك جيداً أن مثل هذه الكوارث تضع فرق الإنقاذ أمام مشهدٍ مثقل بالدمار والدماء، وسؤالٍ واحد يلاحقهم: من أين نبدأ… وكيف ننتهي؟

وسط هذه الفوضى، يبقى الوجع الأكبر في مصير المفقودين. يوضح: "عندما ينفجر الصاروخ بالقرب من شخص، قد يتفتت جسده إلى أجزاء". ويستعيد يوسف واحدة من أكثر اللحظات قسوة، حين انتشل امرأة من تحت الركام، وإلى جانبها طفل صغير جداً. يصف تلك اللحظات: "عندما حملته، شعرت بخفة وزنه… وسألت نفسي: ما ذنب هذا الطفل؟". ثم يضيف "للأسف، كان هناك عدد كبير من الأطفال بين ضحايا هذه المجزرة".

الدمار في المبنى المستهدف في عين المريسة (النهار)

غياب أيّ توثيق واضح للجثمان حول مكان الاستهداف زاد من حالة الضياع، وعمّق مأساة البحث التي عاشها الأب في مواجهة فقدٍ لا يُحتمل.

لم ينجُ من المبنى المستهدف في عين المريسة سوى ابنته ملاك، التي خضعت لعملية جراحية في اليوم نفسه، فيما قضى جميع من كانوا داخله لحظة الاستهداف. يستعيد الحاج قاسم التفاصيل بصوتٍ مثقل بالألم: "انتشلتُ من هنا 24 جثة، بينها أشلاء أطفال. كلما نظرتُ إلى أحدهم تذكّرت ابنتي… أنا أب، وهؤلاء الأطفال أيضاً لديهم عائلات. جميعهم ماتوا".

حرقة والد زهراء لا تقلّ عن وجع كل من عرف سكان هذه البناية. يقول ناطور المبنى، أبو علي، إن "بعض العائلات السورية كانت تقيم هنا منذ نحو ثماني سنوات، وأخرى منذ أكثر من عشرين عاماً. كانت أصوات الأطفال، خصوصاً في الطابق السفلي، تملأ المكان، وأحياناً كانت تزعج الجيران فيطلبون مني إسكاتهم. اليوم… سكت كل شيء، ولم يعد أحد منهم موجوداً".

يحزن أبو علي لأن الضحايا لم يكونوا مجرّد سكان، بل جيراناً وأصدقاء وعِشرة عمر. عشر دقائق فقط بعد قصف المبنى كانت كفيلة بتحويل المكان إلى مجزرة. لم يصمد شيء. حتى الصيدلية في الطابق الأرضي لم تحتمل ثقل الركام المتهاوي فسقطت بدورها، فيما نجت الموظفة بأعجوبة بعدما سحبها الناطور من تحت الأنقاض. لحظات تفصل بين الحياة والموت، وبالسرعة نفسها تُكتب نهايات قصص كاملة.

صور توثق قصص الناس قبل أن يرحلوا في مجزرة إسرائيلية في عين المريسة (النهار)