.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
على أطراف نهر الغدير في منطقة حي السلم، تعمل الجرافة منذ 8 نيسان على انتشال الجثث كما الركام من مبنى كان حاضراً بهيئته المتواضعة وانشاءاته المهترئة قبل أن تُسقطه 3 صواريخ إسرائيلية في لحظة واحدة.
في هذا الحي، حيث تتلاصق الأبنية كأنها جسد واحد، يختصر ازدحامها وجهاً عارياً للفقر، بلا أي "رتوش". وعلى أنقاض الركام، تطفو قصص قاسية، كما طفت بعض الجثث في النهر بفعل قوة عصف الانفجار… أو هرباً منه.
ثلاثة صواريخ كانت كفيلة بإسقاط ثلاث بنايات، كل منها مؤلف من أربعة طوابق، أي اثنا عشر طابقاً انهارت دفعة واحدة. يصف الأهالي صوت الصاروخ بـ"الشخير"، ذلك الصوت الذي شكّل لحظة فاصلة بين الحياة والموت. هنا، بين جدران المنازل، وعلى عتبة دكان علي أحمد، وفي الساحة التي اعتاد الأطفال اللعب فيها، وقعت المجزرة.
كانت تلك الضربة الأولى في الحي، قبل أن تمتد الغارات إلى أربعة أحياء أخرى في المنطقة، لتُكمل فصول الفاجعة. في ذلك اليوم، سقط نحو 99 ضحية، إضافة إلى عدد كبير من الجرحى، في واحدة من أكثر الضربات دموية وقسوة.
في حيّ الزهراء – جسر النهر، انتهت حكايات 23 شخصاً، بينهم أربعة أطفال. هناك، بين الركام، بقيت أحلام معلّقة، وضحكات انطفأت فجأة.
الدمار في حي الزهراء في حي السلم (النهار)
في تلك البيوت المتلاصقة حدّ التماهي، حيث يغيب التنظيم المدني بشكل فاضح، وتبقى رائحة النهر شاهداً دائماً على قسوة العيش في هذه البقعة، تواصل الجرافات عملها في إزالة ما تبقّى من الركام. إلى جانبها، تمضي الشاحنات في حركة لا تهدأ، بين ذهابٍ وإياب، تفرغ حمولتها من حجارة وذاكرة… من دمارٍ كان حتى الثامن من نيسان حياةً كاملة تنبض هنا.
منطقة بحجم مدينة، بعدد سكانها، سقطت دفعة واحدة على رؤوس ساكنيها والنازحين إليها. مكانٌ اعتبره كثيرون ملجأً آمناً، لم تطله التهديدات سابقاً، تحوّل في دقائق إلى مساحة من الركام.
ستّ ضربات طالت مواقع مختلفة في حيّ السلم، لكن الحقيقة كانت واحدة: أبنية مكتظة، متعبة أصلاً، انهارت كأنها لم تكن. تقول دعاء شمص، الناجية من المجزرة "كنا نقول إن عصف الصاروخ وحده كفيل بإسقاط هذه الأبنية بسبب تصدّعها وتلاصقها… فكيف إذا كان الاستهداف مباشراً بثلاثة صواريخ؟ إنها مأساة حقيقية".
لم تكن المأساة في لحظة القصف فقط، بل في ما تلاها أيضاً. تحديات كبيرة واجهت عمليات الإنقاذ، لكن الواقع، كما يروي الأهالي، كان أكثر قسوة. يقولون إن الإهمال كان العنوان الأبرز لمنطقة منكوبة، حيث تأخرت فرق الإنقاذ حتى ساعات المساء، تاركة السكان يواجهون الركام بأيديهم، ويعيشون وجعهم وخساراتهم وحدهم.
دعاء شمص الناجية من غارة حي السلم (النهار)
وتروي دعاء كيف أن شقيقها، رغم إصابته، لم يتراجع. "بدأ مع مجموعة من شباب الحيّ العمل بأيديهم لرفع الركام وإنقاذ العالقين في المباني المستهدفة". تؤكد "كانت أيديهم هي الجرافات… هي الـ"بوكلن" الذي لم يصل إلا عند المساء".
في تلك الساعات الثقيلة، لم يكن هناك سوى محاولات فردية، وإرادة نجاة تقاتل وسط الغياب، حيث سبق البشر الآليات في مواجهة الركام.
حال ضيق الأزقّة وكثافة الأبنية دون دخول الآليات الكبيرة إلى بعض المواقع، كما في مبنى صوّان، حيث بقيت جرافة صغيرة (بوكلن) تتوسط أنقاض المبنى المستهدف. مشهد بدا كأنه خارج عن الواقع، لوحة قاسية تختصر حقيقة المكان، حيث تقف الإمكانات المحدودة عاجزة أمام حجم الدمار.
نشأ الحيّ على أراضٍ زراعية كانت تُعرف بـ"البيّارات"، حيث امتدت بساتين الليمون والزيتون والصبّار، قبل أن يبدأ تدريجياً باستقطاب موجات من النازحين الباحثين عن سكن قريب من العاصمة. في خمسينيات القرن الماضي، وصلت أولى العائلات إلى المنطقة، لتتزايد الأعداد بشكل ملحوظ في سبعينياته، في ظل تحوّلات اجتماعية واقتصادية دفعت كثيرين إلى الهجرة الداخلية من الأطراف، ولا سيما من الجنوب والبقاع.
مع هذا التدفق، بدأت ملامح التحوّل تتشكّل: مساحات زراعية تُسيَّج، وغرف بسيطة تُشيَّد على عجل، لتؤسس لنواة نسيج سكني سرعان ما تمدّد خارج أي تخطيط عمراني منظم. ومع الوقت، تحوّلت البساتين إلى شوارع ضيّقة، حملت في كثير من الأحيان أسماء العائلات التي استقرّت فيها، ليغدو الحيّ تجمّعاً سكانياً متلاصقاً.
وفي سبعينيات القرن الماضي، تسارع هذا التحوّل، ليأخذ الحي طابعاً عمرانياً عشوائياً، عُرف إدارياً باسم "قرية الصدر النموذجية"، رغم أن واقعه الميداني كان يعكس نمواً غير منظّم، توسّع في جزء منه على مشاعات الدولة. ومع غياب البنى التحتية والخدمات الأساسية، ترسّخت ملامح الفقر والهشاشة، لتصبح سمة بارزة لهذا الحيّ المكتظ، الذي وُلد من رحم التحوّل من الأرض الزراعية إلى مدينة منسية على هامش العاصمة.
اليوم أصبحت هذه المنطقة تحمل الفقر والدم وأشلاء تركت قصصاً قاسية خلفها ويُتم لا يُعوّض ونهر شاهدٌ على رواسب الحياة وجثث بعض الضحايا.
يوضح محمد كرنيب، أحد عناصر الدفاع المدني، أن طبيعة الأحياء الضيقة في حيّ السلم شكّلت عائقاً كبيراً أمام عمليات الإنقاذ. يقول "في إحدى الضربات، اضطررنا للتفكير بهدم منزل صغير للسماح للجرافة بالدخول إلى موقع الاستهداف، من أجل انتشال الجثث ورفع الركام، قبل أن نتمكن من تأمين جرافة أصغر حجماً قادرة على الوصول إلى المكان".
ولا يبعد منزل دعاء عن موقع الضربة سوى نحو 100 متر، إلا أن ما يصفه السكان بـ"لطف الله" حال دون كارثة أكبر، إذ كان عصف الانفجار باتجاه النهر. لم يسمع الأهالي سوى "شخير الصاروخ"، قبل أن تنهار المباني الثلاث فوق رؤوس النساء والأطفال والمدنيين، في لحظة لم تترك مجالاً للنجاة.
تستعيد دعاء لحظة الانفجار وكأنها لا تزال عالقة في ذاكرتها "لم نعد نرى شيئاً… دخان أسود، اختناق، وشعور بأن الموت بات قريباً، قبل أن نستوعب ما الذي حدث". دقائق قليلة كانت كفيلة بقلب المشهد. الناس كانوا في منازلهم، في لحظات عادية، قبل أن ينتهي كل شيء دفعة واحدة.
في الطوابق الأرضي والأول والثاني، لم ينجُ أحد. كان عصف الانفجار قاتلاً. أما من كانوا في الطوابق العليا، فقد كُتب لبعضهم النجاة، فيما لجأ آخرون إلى رمي أنفسهم نحو النهر، هرباً من العصف أو بفعل قوته.
للحظة، ظنّ الجميع أن الصاروخ سقط فوق رؤوسهم. هذا ما عاشته دعاء تحديداً. كانت في المطبخ، تحاول التوجه إلى الشرفة لمعرفة مصدر الصوت، قبل أن ينفجر الصاروخ أمامها مباشرة. تتذكر قائلة "كان كل شيء أبيض حولي… لم أعد أرى، كنت أختنق من الدخان، وأصوات النساء والبكاء تملأ المكان… شعور لا يمكن وصفه".
لم تتوقع دعاء، ولا غيرها من الناجين من مجزرة حيّ السلم، أن يخرجوا أحياء من تحت هذا الاستهداف. لم تصدر رواية واضحة تحدّد الجهة المستهدفة في مجازر الثامن من نيسان، لكن السكان أجمعوا على أن المزاعم الإسرائيلية لا تعكس ما جرى على الأرض. الحقيقة، كما يروونها، أن المباني سقطت على رؤوس المدنيين، وغالبية الضحايا كانوا من النساء والأطفال.