عرضتُ على صديق مشكلة كانت تشغلني، فقال: «ما معك إلا ما طرق الصانع». كان يدعوني إلى قبول الأمر الواقع والتسليم به. أعجبني المثل، غير أنني وجدت نفسي أتأمل العبارة أكثر مما أتأمل النصيحة. كيف استطاعت كلمات قليلة أن تختصر مشكلة لم تكن تفاصيلها قليلة؟ وهل يكفي أنْ يكون الشَّيء واقعًا حتّى يصبح تغييره مستحيلًا؟ لم أشك في حسن نيَّة صديقي، ولم أكن أملك ما يثبت خطأ تقديره؛ لكنني بدأت أتساءل عن تلك اللحظة الّتي تتحول فيها خبرة شعبية مألوفة إلى حكم يوحي بأنَّ الخيارات قد انتهت.
لم تكن العبارة أمرًا مباشرًا، ومع ذلك حملت دعوة واضحة إلى القبول، وهذه مفارقة تفتح بابًا إلى التداولية، ذلك الحقل الذي يدرس اللغة في سياق استعمالها، وما ينجزه الناس بالكلام إلى جانب ما تخبر به الكلمات، فقد وضع الفيلسوف البريطاني «جون أوستن» أسس نظرية الأفعال الكلامية في محاضرات ألقاها بجامعة هارفارد عام 1955، ونُشرت بعد وفاته عام 1962، ثم جاء «جون سيرل» فوسّع النظرية في كتابه «الأفعال الكلامية» عام 1969، وعالج لاحقًا الأفعال الكلامية غير المباشرة عام 1975 (Austin, 1975; Searle, 1969,)، ووفق هذا التصور يستطيع الإنسان أن ينصح ويحذّر ويَعِد ويحثّ الآخرين دون أن يستعمل دائمًا الصيغ الصريحة لهذه الأفعال.
حين قال صديقي مقولته، أخبرني ظاهر العبارة بأنّ الموجود هو ما صنعه الصانع؛ لكن سياق المحادثة منح القول قوة أخرى؛ فقد كان يحثني على التوقف عن البحث في المشكلة وقبول نتيجتها. يسمي «أوستن» هذا المستوى القوة الإنجازية للكلام، ويميّزه عن الأثر الذي قد يتركه القول في المتلقي، فمن خلاله يستطيع المتحدث أن ينجز فعل النصح، دون أن يقتنع السامع بنصيحته، فقد يرفضها، أو يعمل بها مؤقتًا، أو يجد فيها سببًا لإعادة التفكير؛ ولهذا لا يجوز الانتقال من تحديد وظيفة المثل إلى الادعاء بأنّه نجح بالفعل في تغيير سلوك صاحبه.
وتزداد المسألة وضوحًا عند النظر في صيغة الحصر «ما معك إلا»، فهي تضيق المجال اللغوي للخيارات، وتضع أمام المخاطَب شيئًا واحدًا يبدو أنه استنفد الممكن، ثم تأتي صورة الصانع الذي انتهى من تشكيل مادته لتمنح النتيجة هيئة العمل المكتمل. غير أن اكتمال الصنع في الصورة المجازية لا يكفي لإثبات استحالة التعديل في الواقع، فقد يكون القرار نهائيًا، وقد يكون قابلًا للمراجعة، وقد تتوافر بدائل لم تُطرح بعد. هذا الفرق بين الصورة والحقيقة هو ما يستدعي الفحص.
وقد سجَّل محمد السديس في أطروحته عن الأمثال النجدية، المقدمة إلى جامعة ليدز عام 1976، صيغة قريبة: «ما عندي لك إلا ما طرق الحداد» (ص 245، المثل رقم 860)، وفق النص المفهرس لملف الأطروحة الأصلي، ويثبت هذا الشاهد وجود صيغة موازية في مدونة الأمثال النجدية دون أن يحسم أصل صيغة «الصانع» أو تاريخ انتقالها بين المتحدثين. وتكشف المقارنة بين الصيغتين عن صورة مهنية متقاربة تصوّر المتاح بوصفه ناتج عمل انتهى، من غير أن تتيح الجزم بأن إحداهما مشتقة من الأخرى.
وتساعدنا نظرية «الاستلزام الحواري» عند بول غرايس (Grice, 1975) على فهم المعنى الذي قد يستخلصه السامع من المثل دون أن يُقال صراحة، فالمخاطَب الّذي يعرض مشكلة، ثم يسمع عبارة تحصر المتاح قد يفهم منها أن مواصلة الاعتراض لن تجدي؛ لكن هذه النتيجة تظل استدلالًا يتشكل في السياق، وليست جزءًا لازمًا من المعنى الحرفي للمثل، وربما أراد المتحدث التخفيف من قلق صديقه، أو الإشارة إلى نقص المعلومات، أو تقديم خلاصة تجربة سابقة، وتلك احتمالات لا يحسمها النص وحده، وإن كان سياق الواقعة التي انطلق منها هذا المقال يرجّح وظيفة الحث على التسليم.
من هنا يمكن فهم قوة الأمثال في المحادثات اليومية، فحين يلجأ الإنسان إلى مثل شائع، فإنه يستدعي عبارة اكتسبت ألفتها من التداول بين الناس، فيبدو رأيّه الشخصي مسنودًا إلى خبرة اجتماعية أوسع، وقد درس نيل نوريك حضور الأمثال في النصوص والتفاعلات (Norrick, 1985)، كما تناول ولفغانغ ميدر وظائفها الاجتماعية والثقافية (Mieder, 2004)، وليس معنى ذلك أنَّ المجتمع يمنح كل مثل سلطة مطلقة، أو أن المتلقي يصدقه تلقائيًا. لكنه يفسر لماذا قد يكون للمثل وزن في الحديث يتجاوز عدد كلماته، ولماذا يبدو الاعتراض على حكم مألوف أصعب أحيانًا من الاعتراض على رأي قيل للمرة الأولى.
وقد أظهرت دراسة زيتوني وزملائها (Zitouni et al., 2022) الّتي تناولت ترجمة ستة عشر مثلًا نجديًا من أمثال النصح، أهمية الصُّور البلاغية، والخصائص الثقافية في نقل معاني الأمثال بين اللغات، وكان موضوعها الأساسي إستراتيجيات الترجمة، وما تفقده بعض الصيغ من خصائصها عند الانتقال إلى لغة أخرى، وتفيدنا الدراسة في فهم الطبيعة الثقافية للنصح الشعبي؛ لكنها لا تثبت أن مثل «ما معك إلا ما طرق الصانع» يؤدي أثرًا إقناعيًا محددًا، وتظهر هنا ضرورة الفصل بين وجود الوظيفة التوجيهية في المثل، وفاعليتها الفعلية في موقف بعينه.
غير أن المسألة الّتي تستحق التأمل تتجاوز قدرة المثل على التأثير إلى سلامة الحجة التي يحملها، فقول الإنسان «لم أجد حلًا» يصف حدود معرفته أو تجربته. أما قوله «لا يوجد حل» فيصدر حكمًا عن الواقع، ثم تتحول العبارة إلى توجيه سلوكي حين يضيف: «إذن لا فائدة من المحاولة». قد يكون هذا الانتقال صحيحًا إذا استند إلى معلومات كافية، لكنه قد يكون قفزة من معرفة محدودة إلى يقين لا تسنده الأدلة. هنا تكمن النقطة الأهم في مثلنا؛ إذ قد تنقل صيغة الحصر عبء البحث عن البديل إلى المتلقي، مع أن الحكم بانتهاء الخيارات يحتاج هو أيضًا إلى تبرير.
ومع ذلك، لا تكفي إمكانية وجود البديل للحكم بأن الاستمرار في المطالبة به قرار سليم. فبعض البدائل نظري، وبعضها يتطلب كلفة لا تتناسب مع المنفعة المتوقعة، وبعضها يحتاج إلى وقت أو قدرة لا يملكهما الشخص. لهذا ينبغي التفريق بين انعدام البديل، وصعوبة الوصول إليه، وعدم جدواه في الظروف الراهنة. قد يكون قبول الواقع قرارًا عقلانيًا بعد مراجعة هذه الاحتمالات، وقد يكون تسليمًا مبكرًا إذا صدر قبل اختبارها. ويستطيع المثل أن يرافق الحالتين، لكن قيمته تتغير تبعًا لما إذا كان يختصر فحصًا سابقًا أو يحلّ محل ذلك الفحص.
وتلفت بحوث التكيف الثقافي للعلاج المعرفي السلوكي إلى أن المعتقدات والعبارات المألوفة تؤثر في كيفية تفسير الناس لتجاربهم والتواصل بشأنها (Naeem et al., 2019). كما قدمت دراسة سيب وبور (2023) معالجة ميدانية عربية للعلاقة بين الأمثال الشعبية والصحة النفسية لدى عينة من طلبة الجامعة.
لكن ماذا لو كان صديقي محقًا تمامًا؟ ماذا لو كانت المشكلة التي عرضتها عليه قد استنفدت بالفعل وسائل معالجتها، وكان المثل أفضل ما يستطيع تقديمه في تلك اللحظة؟ هذا اعتراض لا يمكن تجاوزه، لأن صحة الأطروحة النقدية لا تُقاس بقدرتها على إثارة الشك وحده. فإذا ثبت انعدام البدائل، أو كانت كلفتها غير معقولة، أمكن قراءة نصيحته بوصفها دعوة رشيدة إلى توجيه الجهد نحو ما يمكن فعله. ولا يضعف ذلك التحليل التداولي؛ فهو يبين وظيفة الكلام، ولا يحكم وحده على صحة الموقف الذي يستند إليه.