ما بعد «الفينيق»: كيف يتحول عدم الانكسار إلى قدرة مؤسسية؟ – سلطان بن نايف الحربي

«لا يمكن لأحد أن يكسر شوكتنا.. نحن كطائر الفينيق، ننهض من الرماد في كل مرة مراراً وتكراراً».

بهذه العبارة اللافتة استحضر صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سلمان آل سعود -حفظه الله- صورة «طائر الفينيق الأسطوري» خلال كلمته في افتتاح الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي بالرياض، يوم الأحد 11 أكتوبر 2026، والذي انعقد تحت شعار أمن الطاقة والأهداف المشتركة في عصر جديد. كانت العبارة بليغة جدًا في تصوير قدرة المملكة على النهوض غير أن ما أعطاها عمقها العملي هو السياق الذي وردت فيه، فلقد استوقفتني صورة النهوض، ثم وجدتني أشطح بتفكيري في مسار آخر: هو ماذا يحدث للأعمال التي لا تحتمل التوقف قبل انتهاء الأزمة؟ وكيف تستطيع المؤسسات المحافظة على مسؤولياتها بينما لا تزال الظروف التي عطّلت أعمالها قائمة؟

أستمتع دائماً بمتابعة لقاءات سمو الأمير عبدالعزيز بن سلمان وتصريحاته ففي كل لقاء تخرج عبارة لا تلبث أن تصبح حديث «السوشيال ميديا» لقد قضيت سنوات كثيرة في الاهتمام بالدراسات الإدارية والقيادة، أصغي فيها إلى حديث المسؤولين بحثاً عما يكشف صلتهم بالمعرفة وبالناس الذين يعملون معهم، يعجبني في خطابات سمو الأمير حضوره الفني، وثقته بالقدرات الوطنية وقدرته على التعبير عن القضايا المعقدة بلغة تصل إلى المتخصصين وغير المتخصصين فتلهمهم، وأجدني أقول أحياناً: هنيئاً لمن يعمل تحت إدارته، هذا الانطباع يعد انطباعًا شخصياً يأتي من خلال متابعتي الدائمة لما يطرحه، ورغبتي في أن يجد الموظف في قيادته ما يبعث فيه الثقة في عمله وقدراته ومهاراته.

وفي عام 2023م له موقف في المنتدى السعودي للإعلام انتقد فيه اعتقاد بعض المسؤولين بأنهم «قادة ملهمون» لمجرد مواقعهم، وفي المؤتمر الدولي لتكنولوجيا البترول عام 2024م تحدث سموه بثقة عن إيمانه بالمفاجآت التي يستطيع السعوديون صنعها أينما وجدوا، وأرى في الموقفين فكرة تستحق أن يفكر فيها كل مسؤول هي: أن يؤمن بقدرات العاملين معه، وأن يدرك في الوقت نفسه أن المنصب لا يمنح لصاحبه صفة الإلهام تلقائياً، فثقة الموظف بنفسه تحتاج إلى بيئة خصبة تسمح له بأن يجرب ويتعلم، ويتحمل المسؤولية، وإلى قيادة تعرف كيف تستثمر ما لديها من معرفة، وخبرة، وعلم في النهوض بحاجات المؤسسة، وحاجات تابعيها.

وللأمير مسيرة علمية ومهنية تمتد عبر عقود جمع فيها بين الرؤية، والعلم، والخبرة، فالإدارة الناجحة تحتاج إلى رؤية تدرك ما وراء الظروف الحاضرة، وعلم يساعد على وزن البدائل، وخبرة تعرف ما الذي يحدث عندما تضيق الخيارات، غير أن اجتماع هذه العناصر في شخص واحد يظل وعداً يحتاج إلى إثبات، ومن استطاع أن يحول رؤيته، وعلمه، وخبرته إلى قرارات تحفظ مصالح الناس، ومؤسسات تستطيع العمل في أصعب الظروف، فقد اكتسب أهلية القيادة بما أنجزه قبل أن تمنحه إياها ألقاب المناصب.

ومن هنا، تكتسب إشارة سمو الأمير إلى خط أنابيب شرق – غرب أهمية خاصة، فقد تحدث عن دوره في توفير مسار بديل لنقل النفط إلى الأسواق العالمية عبر ينبع على البحر الأحمر. وراء هذا الخط تاريخ من التخطيط، والاستثمار، والتشغيل، وقرارات سبقت الظروف التي كشفت أهمية وجوده، وقد لا يشعر الناس بقيمة المسار الاحتياطي في الأيام الاعتيادية، ثم تأتي أزمة تجعل وجوده عاملاً مؤثراً في استمرار الإمدادات، وما يستحق التأمل في المثال أن الاستعداد للمستقبل يحتاج إلى موارد وجهود تبذل في الحاضر حتى عندما لا تكون الحاجة إليها ملحة.

في الأسطورة يعود «الفينيق» إلى الحياة بعد احتراقه. أما المؤسسات، فتواجه امتحانا أشد تعقيداً؛ إذ تظل حاجات الناس قائمة طوال مدة الاضطراب. يحتاج المريض إلى العلاج والمستشفى يواجه العطل، وتحتاج المدينة إلى الماء والكهرباء قبل أن تستعيد المرافق أوضاعها المعتادة؛ لذلك لا تكفي القدرة على إصلاح ما تعطل مهما بلغت أهميتها، فثمة وظائف حيوية ينبغي المحافظة على أدائها، ولو بمستويات مؤقتة أو بوسائل مختلفة إلى أن تستعيد المؤسسة كامل قدرتها.

وقد تكون الخطط البديلة مصدر طمأنينة لا يبررها الواقع، فمؤسسة تمتلك نظامين إلكترونيين قد تكتشف أنهما يعتمدان على مصد واحد للطاقة، وأخرى توزع العمل على فرق متعددة، ثم تجعل اتخاذ القرار مرهوناً بموافقة شخص واحد. تتضح مواطن الضعف عندما تختبر المؤسسة خططها وتتابع قدرة العاملين على تنفيذها، وبعض الاستعدادات لا يحتاج إلى منشآت ضخمة، فقد يبدأ بصلاحيات واضحة، وتوثيق للمعرفة، وتدريب يجعل الموظف قادراً على التصرف عندما يغيب المسؤول أو يتعطل المسار المعتاد مع الأخذ بالاعتبار تبني عنصر المخاطرة في اتخاذ القرار والدفاع عنه.

وللأزمة أثر آخر قد تخفيه الأرقام الإجمالية، فقد تعلن مؤسسة استمرار خدماتها، بينما تتوقف خدمة ضرورية عن مستفيدين لا يملكون بديلاً، وقد تستعاد معظم الأنشطة، ويظل الضرر واقعاً على فئة صغيرة لا يظهر حجم معاناتها في التقرير العام، ومن هنا تبرز أهمية تحديد الأولويات مسبقاً، ومعرفة الخدمات التي لا تحتمل التأخير، والحد الذي ينبغي المحافظة عليه من أدائها، فنجاح المؤسسة في تجاوز الاضطراب لا يكتمل وصفه دون معرفة ما حدث لمن يعتمدون عليها.

وتعيدني هذه التفاصيل إلى معنى القيادة الذي أثاره في ذهني حديث سمو الأمير: أن تصبح المعرفة قدرة موزعة داخل المؤسسة؛ بحيث يعرف العاملون ما عليهم فعله، وتتاح لهم المعلومات والصلاحيات اللازمة، وتبقى الأعمال الضرورية قابلة للاستمرار مع تغير الأشخاص والظروف، وقد يصدر المسؤول اليوم قراراً لا تظهر أهميته إلا بعد سنوات، في عهد إدارة أخرى، وعلى أيدي موظفين لم يشاركوا في اتخاذه، وفي مثل هذه القرارات تتجاوز المسؤولية الإدارية حدود المنصب والمدة التي يشغلها صاحبها.

وقد لا يعرف الإنسان الذي تصله الخدمة أثناء الأزمة شيئاً عن خطط الطوارئ، ولا عن أسماء من وضعوها، فكل ما يعرفه أن الدواء قد وصل، وأن الماء لم ينقطع، وأن الطريق البديل أدى وظيفته، وفي هذا الأثر الهادئ تتجلى قيمة القيادة التي تفكر في الغد حتى عندما يكون الحاضر مطمئناً.

«لا يمكن لأحد أن يكسر شوكتنا.. نحن كطائر الفينيق، ننهض من الرماد في كل مرة مراراً وتكراراً».

بهذه العبارة اللافتة استحضر صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سلمان آل سعود -حفظه الله- صورة «طائر الفينيق الأسطوري» خلال كلمته في افتتاح الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي بالرياض، يوم الأحد 11 أكتوبر 2026، والذي انعقد تحت شعار أمن الطاقة والأهداف المشتركة في عصر جديد. كانت العبارة بليغة جدًا في تصوير قدرة المملكة على النهوض غير أن ما أعطاها عمقها العملي هو السياق الذي وردت فيه، فلقد استوقفتني صورة النهوض، ثم وجدتني أشطح بتفكيري في مسار آخر: هو ماذا يحدث للأعمال التي لا تحتمل التوقف قبل انتهاء الأزمة؟ وكيف تستطيع المؤسسات المحافظة على مسؤولياتها بينما لا تزال الظروف التي عطّلت أعمالها قائمة؟