غفلة السادة: لماذا أصبحنا نخشى البساطة؟ – باسم سلامة  القليطي

لم يعد الذكاء اليوم نعمة خالصة، بل صار في كثير من أحواله عبئاً ثقيلاً. ذكاء يترصّد، ويحلّل، ويُفتّش، ويقرأ ما لم يُكتب، حتى تحوّل إلى أداة استنزاف للنفس قبل أن يكون وسيلة فهم. نحن لا نعيش أزمة وعي، بل أزمة إفراط فيه؛ وعيٌ متوتر لا يعرف الراحة، ولا يسمح للقلب أن يطمئن.

في هذا المناخ، أُعلن انحيازي الصريح إلى البساطة، لا بوصفها سذاجة، بل بوصفها موقفاً أخلاقياً. إلى التغافل الذي لا يُهزم، وإلى الثقة التي لا تحتاج إثباتاً، وإلى تلك المساحة الهادئة التي يتركها الإنسان في داخله كي لا يتحول إلى محقّق دائم في نيات الناس. في هذا الزحام، تراجعت صورة الإنسان الهادئ، السهل، الذي يمرّ في الحياة دون أن يفتعل صراعاً، أو يستنفر حواسه لكل حركة. صار يُنظر إليه بشيء من الشفقة، أو الريبة: :»طيب أكثر من اللازم»، «ما يفهم الدنيا»، «ماشي بالبركة». وكأن الطيبة سذاجة، والغفلة قلة فِطنة، مع أن كثيراً من أوجاعنا لم تأتنا من الغفلة، بل من الإفراط في الفهم، ومن استهلاك العقل فيما لا يستحق.

التدقيق الزائد، والنظر في دقائق الأمور، والتقاط النيات من بين السطور، ليست دائماً علامة ذكاء، بل قد تكون عبئاً نفسياً، وتعباً روحياً، ومصدر قلق دائم. بعض الناس لا يعيش اللحظة لأنه منشغل بتفسيرها، ولا يستمتع بالعلاقة لأنه يحللها، ولا يطمئن لكلمة طيبة لأنه يبحث عمّا وراءها. وهذه ليست فِطنة بقدر ما هي إرهاق داخلي، يُلبس نفسه ثوب الحكمة.

لهذا قال إبراهيم النخعي -رحمه الله- كلمة عميقة تختصر فلسفة كاملة في فهم الإنسان والحياة:

«كان السّلفُ يكرهون أخلاق التجّار، والنظر في دقائق الأمور، وكانوا يحبّون أن يُقال في الرجل: (فيه غفلةُ السّادة)».

وغفلة السادة ليست جهلاً، بل سموّ نفس؛ هي تلك المساحة البيضاء في القلب التي لا تُدنّسها الحسابات الصغيرة، ولا تلوّثها المكايدات. هي أن ترى الخطأ فتتغافل، وأن تسمع الكلمة فتأخذ أفضل تفسير لها، وأن تمرّ على القُبح دون أن تحمله معك.

أخلاق التجّار -كما قصدها السلف- ليست التجارة بذاتها، وإنما ذهنية الربح والخسارة في كل شيء: في الكلام، في العلاقات، في المواقف الإنسانية. أن تزن كل تصرّف بميزان المكسب، وأن تحصي كل شعور كأنه صفقة. أما غفلة السادة، فهي أن تعيش بكرامة داخلية، لا تحتاج أن تنتصر في كل نقاش، ولا أن تثبت فطنتك في كل موقف. هي أن تختار السلامة النفسية على الانتصار الذهني. غفلة السادة ليست ضعفاً، بل مقاومة لثقافة الاستنزاف، ولصخب التحليل، ولعنف الشك. هي اختيار واعٍ للسلام الداخلي، وانحياز أخلاقي للراحة، وحماية متعمدة للروح.

نحن اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة الاعتبار لهذه الغفلة الجميلة، الغفلة التي تحمي القلب من التآكل، وتُبقي الروح صافية، وتمنح الإنسان سِعة صدر لا يملكها المتربصون. بعض التغافل شرف، وبعض البساطة نعمة، وبعض «عدم الفهم» راحة. وربما كان أرقى ما يُقال في الرجل، فعلاً، إنه عاش خفيف الروح وفيه غفلة السادة.

لم يعد الذكاء اليوم نعمة خالصة، بل صار في كثير من أحواله عبئاً ثقيلاً. ذكاء يترصّد، ويحلّل، ويُفتّش، ويقرأ ما لم يُكتب، حتى تحوّل إلى أداة استنزاف للنفس قبل أن يكون وسيلة فهم. نحن لا نعيش أزمة وعي، بل أزمة إفراط فيه؛ وعيٌ متوتر لا يعرف الراحة، ولا يسمح للقلب أن يطمئن.

في هذا المناخ، أُعلن انحيازي الصريح إلى البساطة، لا بوصفها سذاجة، بل بوصفها موقفاً أخلاقياً. إلى التغافل الذي لا يُهزم، وإلى الثقة التي لا تحتاج إثباتاً، وإلى تلك المساحة الهادئة التي يتركها الإنسان في داخله كي لا يتحول إلى محقّق دائم في نيات الناس. في هذا الزحام، تراجعت صورة الإنسان الهادئ، السهل، الذي يمرّ في الحياة دون أن يفتعل صراعاً، أو يستنفر حواسه لكل حركة. صار يُنظر إليه بشيء من الشفقة، أو الريبة: :»طيب أكثر من اللازم»، «ما يفهم الدنيا»، «ماشي بالبركة». وكأن الطيبة سذاجة، والغفلة قلة فِطنة، مع أن كثيراً من أوجاعنا لم تأتنا من الغفلة، بل من الإفراط في الفهم، ومن استهلاك العقل فيما لا يستحق.

التدقيق الزائد، والنظر في دقائق الأمور، والتقاط النيات من بين السطور، ليست دائماً علامة ذكاء، بل قد تكون عبئاً نفسياً، وتعباً روحياً، ومصدر قلق دائم. بعض الناس لا يعيش اللحظة لأنه منشغل بتفسيرها، ولا يستمتع بالعلاقة لأنه يحللها، ولا يطمئن لكلمة طيبة لأنه يبحث عمّا وراءها. وهذه ليست فِطنة بقدر ما هي إرهاق داخلي، يُلبس نفسه ثوب الحكمة.

لهذا قال إبراهيم النخعي -رحمه الله- كلمة عميقة تختصر فلسفة كاملة في فهم الإنسان والحياة:

«كان السّلفُ يكرهون أخلاق التجّار، والنظر في دقائق الأمور، وكانوا يحبّون أن يُقال في الرجل: (فيه غفلةُ السّادة)».

وغفلة السادة ليست جهلاً، بل سموّ نفس؛ هي تلك المساحة البيضاء في القلب التي لا تُدنّسها الحسابات الصغيرة، ولا تلوّثها المكايدات. هي أن ترى الخطأ فتتغافل، وأن تسمع الكلمة فتأخذ أفضل تفسير لها، وأن تمرّ على القُبح دون أن تحمله معك.

أخلاق التجّار -كما قصدها السلف- ليست التجارة بذاتها، وإنما ذهنية الربح والخسارة في كل شيء: في الكلام، في العلاقات، في المواقف الإنسانية. أن تزن كل تصرّف بميزان المكسب، وأن تحصي كل شعور كأنه صفقة. أما غفلة السادة، فهي أن تعيش بكرامة داخلية، لا تحتاج أن تنتصر في كل نقاش، ولا أن تثبت فطنتك في كل موقف. هي أن تختار السلامة النفسية على الانتصار الذهني. غفلة السادة ليست ضعفاً، بل مقاومة لثقافة الاستنزاف، ولصخب التحليل، ولعنف الشك. هي اختيار واعٍ للسلام الداخلي، وانحياز أخلاقي للراحة، وحماية متعمدة للروح.

نحن اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة الاعتبار لهذه الغفلة الجميلة، الغفلة التي تحمي القلب من التآكل، وتُبقي الروح صافية، وتمنح الإنسان سِعة صدر لا يملكها المتربصون. بعض التغافل شرف، وبعض البساطة نعمة، وبعض «عدم الفهم» راحة. وربما كان أرقى ما يُقال في الرجل، فعلاً، إنه عاش خفيف الروح وفيه غفلة السادة.

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.