ماكرون من جامعة سنجور بالإسكندرية: الفرنكوفونية مشروع لتوحيد المتوسط وإفريقيا بالمعرفة

شهدت مدينة برج العرب بالإسكندرية افتتاح المقر الجديد لـ، بحضور الرئي عبد الفتاح السيسي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى جانب عدد من قادة الدول الإفريقية وقيادات التعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور عبد العزيز قنصوه وزير التعليم العالي والبحث العلمي، حيث ألقى الرئيس الفرنسي كلمة تناولت مستقبل الفرنكوفونية ودور الجامعات في حماية المعرفة وبناء السلام وتوحيد إفريقيا والبحر المتوسط.

واستهل ماكرون كلمته بتوجيه التحية إلى الحضور والسفراء وقيادات الجامعة والأساتذة والطلاب، مؤكدًا أن الكثير قيل عن مشروع الجامعة وما يحمله من رمزية، لكنه أراد الحديث عن قناعاته الشخصية تجاه هذا المشروع الذي وصفه بـ«الجميل والاستثنائي».

وأشار الرئيس الفرنسي إلى أن مشروع جامعة سنجور وُلد خلال قمة داكار عام 1989، موضحًا أن الإسكندرية احتضنت أول مقر للجامعة منذ أكثر من 35 عامًا، قبل أن تقرر الدولة المصرية إعادة بناء الجامعة والاستثمار فيها من جديد، موجهًا التحية إلى مصر على ما وصفه بالالتزام الكبير الذي جعل هذا الصرح الأكاديمي حقيقة قائمة بعد استثمارات تجاوزت 60 مليون يورو.

وأكد ماكرون أن الجامعة تشهد نموًا متزايدًا في أعداد الطلاب والبرامج الأكاديمية، مشيرًا إلى أن الهدف خلال المرحلة المقبلة هو مضاعفة أعداد الدارسين وتعزيز التنوع والحيوية داخل المؤسسة التعليمية، موضحًا أن قوة الجامعة تكمن في شبكتها الواسعة التي تضم 17 موقعًا وبرامج تعليمية متنوعة ودورات تكوينية عبر الإنترنت يتابعها آلاف الطلاب.

وأضاف أن آلاف الخريجين السابقين أصبحوا يشكلون كوادر وأطرًا داخل المنظمات الدولية والاتحاد الإفريقي وتجمعات غرب إفريقيا والمؤسسات الاقتصادية والمالية بالقارة، مؤكدًا أن الجامعة أصبحت مصدرًا لإشعاع المعرفة والخبرات داخل الجامعات والمستشفيات والشركات الإفريقية.

وأوضح الرئيس الفرنسي أن الفرنكوفونية تمثل مشروعًا حضاريًا فريدًا، نشأ بعد استقلال الدول الإفريقية بإرادة أربعة من القادة الأفارقة الذين رأوا أن اللغة الفرنسية لا يجب أن تبقى مجرد لغة استعمار، وإنما لغة مشتركة يمكن تطويرها وإثراؤها لخدمة الشعوب والثقافات المختلفة.

وأشار إلى أن الفرنكوفونية أصبحت ملكًا لكل من اختار تبني اللغة الفرنسية من كتاب ومبدعين وفنانين وشعوب، سواء كان إرث هذه اللغة بالنسبة لهم سعيدًا أو مؤلمًا، موضحًا أن جامعة سنجور تحمل هذا التاريخ المشترك الذي يجمع الدول والشعوب الناطقة بالفرنسية.

وأكد ماكرون أن اللغة الفرنسية ليست لغة مرتبطة بماضٍ استعماري فقط، وإنما تحمل مشروعًا عالميًا يقوم على التعددية والانفتاح والاستمرار نحو المستقبل، مشددًا على أن الفرنكوفونية لا يمكن أن تعيش إلا من خلال احترام التعددية اللغوية.

وأضاف أن اللغة الفرنسية تطورت بفضل احتكاكها باللغات الإفريقية والعربية والإنجليزية والبرتغالية وغيرها من اللغات، موضحًا أن الفرنسية اليوم أصبحت لغة عالمية تتحرك وتسافر بين الثقافات المختلفة، حتى إنه سبق أن قال إن “مركز اللغة الفرنسية أصبح عند ضفاف نهر الكونغو وليس عند نهر السين”.

وشدد الرئيس الفرنسي على أهمية الحفاظ على التعددية اللغوية في ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي، مؤكدًا ضرورة ضمان وجود اللغة الفرنسية ومحتواها داخل النماذج التأسيسية للذكاء الاصطناعي وأنظمة الترجمة الحديثة.

وأوضح أن الجامعات تمثل اليوم حجر الأساس في حماية المعرفة والتنوع الفكري، مؤكدًا أن المؤسسات الأكاديمية لا تقتصر على نقل العلوم فقط، بل تسهم في رسم ملامح المستقبل في عالم يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.

وأشار إلى أن حرية الجامعات والأكاديميين وحرية البحث العلمي تمثل “كنزًا أساسيًا” للبشرية، لأنها سمحت للإنسانية بالتطور والنمو والتحرر من الظلامية والانقسامات، محذرًا من محاولات بعض الدول فرض قيود على ما يمكن تدريسه داخل الجامعات، سواء فيما يتعلق بالمناخ أو الحريات أو المساواة.

وكشف ماكرون خلال كلمته عن توجه جديد لتعزيز التعاون الجامعي بين مصر وفرنسا، معلنًا أنه سيتم خلال العام المقبل إطلاق مرحلة جديدة من الشراكة التعليمية، تشمل إنشاء جامعة فرنسية مصرية جديدة، إلى جانب دعم المدارس الفرنسية الموجودة في مصر وتعزيز تدريس اللغة الفرنسية داخل المؤسسات التعليمية المصرية.

وأكد أن باريس والقاهرة تسعيان إلى منح التعاون الجامعي بين البلدين زخمًا إضافيًا، إضافة إلى إطلاق حركة تعاون بين أوروبا والقارة الإفريقية لإنشاء جامعات جديدة وتعزيز تبادل المعرفة والخبرات.

وتحدث الرئيس الفرنسي عن الأوضاع الجيوسياسية الحالية، مشيرًا إلى الحرب في أوكرانيا والأوضاع في غزة والضفة الغربية ولبنان والتوترات في الخليج، مؤكدًا أن الأجيال الشابة تواجه تحديات كبيرة تتطلب إعادة بناء الوحدة بين الدول والفضاءات الإقليمية التي شهدت انقسامات خلال السنوات الأخيرة.

وقال إن جامعة سنجور يمكن أن تصبح منصة حقيقية لتوحيد إفريقيا والبحر المتوسط، مضيفًا أن منطقة المتوسط لا يجب أن تبقى مرتبطة في أذهان الشباب بالحروب والمآسي والهجرة غير الشرعية فقط، بل يجب أن تستعيد مكانتها التاريخية كفضاء للحضارات والتنوع والإبداع.

وأشار ماكرون إلى أن الإسكندرية تمثل رمزًا لهذا التاريخ الحضاري، مثلها مثل مدينة مرسيليا الفرنسية، مؤكدًا وجود رابط ثقافي وحضاري عميق بين ضفتي المتوسط.

وأكد الرئيس الفرنسي أن الفرنكوفونية تمثل أيضًا أداة لنهضة القارة الإفريقية، موضحًا أن اللغة الفرنسية تساعد على التبادل والتجارة والتعليم والإبداع بين الدول الإفريقية، خاصة في القارة التي تضم عشرات اللغات المختلفة.

وأشار إلى أن الفرنسية أصبحت لغة للتواصل بين الشعوب الإفريقية، وليست مجرد لغة استعمار قديم، موضحًا أن إفريقيا تعيد اليوم تشكيل اللغة الفرنسية وإثراءها بكلمات وثقافات جديدة قادمة من مختلف العواصم والمدن الإفريقية.

واختتم ماكرون كلمته بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي يتمثل في الشباب والمعرفة، معربًا عن أمله في أن تلعب جامعة سنجور دورها الكامل في توحيد إفريقيا والبحر المتوسط، ومواجهة التحديات العالمية، وصناعة جيل جديد قادر على بناء مستقبل أكثر استقرارًا وسعادة.