قد يبدو إيلون ماسك وكأنه يهرب من المنطق، لكنه في الحقيقة يعمل في مجال تُدار فيه الوعود كأصول مالية ورمزية أكثر من كونها التزامات هندسية. والخلاف بينه وبين كثير من العلماء ليس على “هل الرؤية ممكنة؟”، بل على من يحدد ما يُعد إنجازًا، ومتى يتحقق، وبأي ثمن.
تقنيات ماسك لا تعمل بالسحر، لكن خطابه يعمل بمنطق مختلف عن منطق المختبر؛ منطق الانتباه وصناعة التوقعات، حيث تصبح الجملة نفسها حدثًا اقتصاديًا قبل أن تصبح منتجًا.
في تصريحاته الأخيرة، قال ماسك إن “سبيس إكس” ستؤجل مهمة المريخ لتركز أولًا على بناء مدينة على القمر، وإن مدينة على المريخ قد تبدأ خلال سنوات قليلة، مع أن الرحلة نفسها قد تستغرق عشرين عامًا. وقال أيضًا إن الذكاء الاصطناعي قد يتفوق على الإنسان قريبًا، وإن روبوتاته قد تتفوق على أفضل الجراحين، وإن المال قد يفقد معناه في اقتصاد متعدد الكواكب. هذه ليست توقعات تقنية عادية؛ إنها وعود بتحول جذري في الحياة البشرية، تُقال بثقة كاملة، لكن دون التزام ملموس يربط صاحبها بما قاله. والمشكلة ليست في الطموح، بل في تقديم كل تصريح جديد وكأنه حقيقة قادمة، بينما هو في أفضل الأحوال احتمال بعيد.
علماء التقنية لا ينكرون أن هناك إنجازات حقيقية في الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام والاتصالات المدارية. لكنهم يعترضون على خلط الممكن علميًا بالممكن هندسيًا ضمن قيود المال والتصنيع والزمن. وعندما يعلن ماسك أهدافًا كبرى مثل المريخ أو الذكاء الاصطناعي العام أو دمج الإنسان بالآلة، فإن المشكلة ليست في الحلم، بل في الانتقال من إنجاز صغير إلى نتيجة كبرى وكأنها نتيجة حتمية. هذا ليس منطقًا تقنيًا، بل قفزة في السرد. ولهذا يطالبه المتخصصون بجدول زمني ونتائج قابلة للتحقق، لا بصور بلاغية عن المستقبل.
وفي الجانب المالي، النقد أعمق من مجرد القول إن التقييمات مرتفعة. فجزء كبير من ثروة ماسك وقيمة شركاته لا يُفسَّر فقط بالإنتاج الفعلي، بل بحلقة تثبت نفسها: المستثمرون يشترون لأنهم يعتقدون أن ماسك يرى ما لا يراه الآخرون، فيرتفع السعر، فيبدو الارتفاع دليلًا جديدًا على عبقريته. وحين يتعثر وعد، يُستبدل بوعد أكبر، أو يُدمج المشروع في قصة جديدة. هذا لا يعني أن كل أصوله وهمية، لكنه يعني أن السعر لم يعد يعكس احتمال تحقق الوعود بقدر ما يعكس احتمال استمرار الإيمان بها. المستثمر يطلب أرباحًا مستقبلية يمكن حسابها، أما المؤمن فيطلب وعدًا على المستقبل، وخطاب ماسك يبيع الثاني أكثر من الأول.
اجتماعيًا، ظاهرة ماسك أهم من مجرد شركات. فهو بنى شكلًا جديدًا من السلطة يقوم على الظهور الرقمي والانتشار والاستقطاب أكثر من الإقناع العقلاني. الأسطورة هنا لا تُقاس بنسبة الإنجاز، بل بقدرتها على إعادة إنتاج نفسها في كل أزمة. وجزء من قاعدته لا يحبه رغم وعوده، بل بسبب أسلوبه الغريب في مواجهة المؤسسات والقواعد. ولهذا لا يُجدي مع أنصاره نقد الوعود بعدد المنجز؛ لأن النقد المنطقي يفترض مسبقًا أن الوعود يجب أن تُنجز، بينما يرى بعضهم أن قيمة ماسك في كونه لا يخضع لهذا الافتراض. ثم هناك البعد الأخلاقي: مشاريع مثل دمج البشر بالآلات أو إعلان أن المال سيفقد قيمته ليست مجرد تقنيات، بل أفكار تطرح سؤالًا عن من يدفع ثمن هذه القفزة ومن يُستبعد منها.
لماذا يبدو ماسك أحيانًا وكأنه “خائف” من المنطق؟ لأن المنطق يفكك وظيفة الخطاب. فطالما بقي النقاش في “الرؤية”، يبقى في موقع رجل يرى ما لا يراه الآخرون. لكن حين يُسأل: أين المنتج؟ ومتى؟ وبأي تكلفة؟ يتحول السؤال من الإلهام إلى المحاسبة. ولهذا يستبدل ماسك أحيانًا المنطق التقني بمنطق الاستفزاز، أو التهديد الوجودي، أو تعيين عدو يعرقل المستقبل. هذه ليست لا عقلانية، بل طريقة بلاغية تخدم غرضًا واضحًا: الحفاظ على الانتباه والتبرير.
عموما .. ماسك ليس ساحرًا، لكنه يعمل في اقتصاد لا يطلب من الساحر أن يثبت السحر فورًا. هو يجمع بين منطق الهندسة الذي ينتج أشياء حقيقية، ومنطق الأسواق والانتباه الذي ينتج تقييمات وسلطة رمزية. المشكلة أن الخطاب الواحد يُستخدم لتبرير الاثنين. والسؤال ليس هل سيصل ماسك إلى المريخ، بل كم من الوقت والمال والسلطة يمكن أن يمنحها المجتمع لوعد لا يُلزم صاحبه بمنطق الإنجاز. وحتى يُجاب، سيبقى ماسك ظاهرة لا تُحلّل بالتصديق أو التكذيب، بل بقياس المسافة بين ما يُقال، وما يُبنى، وما يُدفع ثمنه.
قد يبدو إيلون ماسك وكأنه يهرب من المنطق، لكنه في الحقيقة يعمل في مجال تُدار فيه الوعود كأصول مالية ورمزية أكثر من كونها التزامات هندسية. والخلاف بينه وبين كثير من العلماء ليس على “هل الرؤية ممكنة؟”، بل على من يحدد ما يُعد إنجازًا، ومتى يتحقق، وبأي ثمن.
تقنيات ماسك لا تعمل بالسحر، لكن خطابه يعمل بمنطق مختلف عن منطق المختبر؛ منطق الانتباه وصناعة التوقعات، حيث تصبح الجملة نفسها حدثًا اقتصاديًا قبل أن تصبح منتجًا.
في تصريحاته الأخيرة، قال ماسك إن “سبيس إكس” ستؤجل مهمة المريخ لتركز أولًا على بناء مدينة على القمر، وإن مدينة على المريخ قد تبدأ خلال سنوات قليلة، مع أن الرحلة نفسها قد تستغرق عشرين عامًا. وقال أيضًا إن الذكاء الاصطناعي قد يتفوق على الإنسان قريبًا، وإن روبوتاته قد تتفوق على أفضل الجراحين، وإن المال قد يفقد معناه في اقتصاد متعدد الكواكب. هذه ليست توقعات تقنية عادية؛ إنها وعود بتحول جذري في الحياة البشرية، تُقال بثقة كاملة، لكن دون التزام ملموس يربط صاحبها بما قاله. والمشكلة ليست في الطموح، بل في تقديم كل تصريح جديد وكأنه حقيقة قادمة، بينما هو في أفضل الأحوال احتمال بعيد.
علماء التقنية لا ينكرون أن هناك إنجازات حقيقية في الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام والاتصالات المدارية. لكنهم يعترضون على خلط الممكن علميًا بالممكن هندسيًا ضمن قيود المال والتصنيع والزمن. وعندما يعلن ماسك أهدافًا كبرى مثل المريخ أو الذكاء الاصطناعي العام أو دمج الإنسان بالآلة، فإن المشكلة ليست في الحلم، بل في الانتقال من إنجاز صغير إلى نتيجة كبرى وكأنها نتيجة حتمية. هذا ليس منطقًا تقنيًا، بل قفزة في السرد. ولهذا يطالبه المتخصصون بجدول زمني ونتائج قابلة للتحقق، لا بصور بلاغية عن المستقبل.
وفي الجانب المالي، النقد أعمق من مجرد القول إن التقييمات مرتفعة. فجزء كبير من ثروة ماسك وقيمة شركاته لا يُفسَّر فقط بالإنتاج الفعلي، بل بحلقة تثبت نفسها: المستثمرون يشترون لأنهم يعتقدون أن ماسك يرى ما لا يراه الآخرون، فيرتفع السعر، فيبدو الارتفاع دليلًا جديدًا على عبقريته. وحين يتعثر وعد، يُستبدل بوعد أكبر، أو يُدمج المشروع في قصة جديدة. هذا لا يعني أن كل أصوله وهمية، لكنه يعني أن السعر لم يعد يعكس احتمال تحقق الوعود بقدر ما يعكس احتمال استمرار الإيمان بها. المستثمر يطلب أرباحًا مستقبلية يمكن حسابها، أما المؤمن فيطلب وعدًا على المستقبل، وخطاب ماسك يبيع الثاني أكثر من الأول.