كلما امتدت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران غرقت في التقييمات والحسابات المعقدة دون حسم شامل أو تسوية تحول حالة الاستقرار الهش إلى سلام مستدام. ويبدو أن الوضع المتوتر الذي دخل شهره السابع قد يمتد فترة أطول ويدخل في لعبة استنزاف مفتوحة وخطرة.في الوقت الذي تدعي فيه إيران أنها تمتلك بعض الأوراق لتحدي الضغوط الأمريكية من عقوبات اقتصادية شاملة وضربات عسكرية بين حين وآخر، لا تبدو واشنطن حاسمة أمرها بين أي طريقين تسلك، هل تمضي في طريق المواجهة العسكرية المفتوحة لتقويض قدرات طهران بالكامل، أم تكتفي باستراتيجية «النبذ والتطويق الاقتصادي» كخيار أقل كلفة لتجنب الانزلاق نحو حرب شاملة غير شعبية محلياً.وتعكس التباينات داخل الإدارة الأمريكية بين البيت الأبيض الذي يلوح بضربات نوعية خاطفة مثل منشآت «جبل الفأس»، ووزارة الحرب، التي تخشى التورط في استنزاف طويل الأمد مع غياب استراتيجية حاسمة لإنهاء هذا الانسداد السياسي. أما المجتمع الدولي والإقليمي، فلا يبدو مطمئناً إلى البقاء في منطقة رمادية تتآكل فيها هوامش الأمان وتتصاعد معها فاتورة الاستنزاف الاقتصادي والأمني، فاستمرار هذا الاستقرار الهش دون تسوية جذرية هو مجرد تأجيل زمني لسيناريو مواجهة أوسع أو إثارة أزمات أخطر.في هذه المرحلة من عمر الأزمة، تراهن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على زيادة الضغط الاقتصادي لخنق الاقتصاد الإيراني ودفع طهران إلى تقديم تنازلات بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي، كما تحاول استدراج القوى الأوروبية إلى صفها سواء بالانضمام إلى موجة العقوبات الجديدة أو إحالة الملف النووي الإيراني مجدداً إلى مجلس الأمن، وهذا قد يستدعي إعادة الملف إلى المربع الأول، أي قبل هذه الحرب وقبل الاتفاق الذي جرى توقيعه عام 2015 وانسحب منه ترامب من جانب واحد.وحتى هذه اللحظة لا يبدو الموقف الأوروبي قد حسم أمره بالنظر إلى الخشية من أن يؤدي تقويض ما تبقى من أطر دبلوماسية إلى تعقيد أكبر للوضع في ظل معطيات ميدانية وعسكرية مغايرة تماماً لما كانت عليه قبل عقد من الزمن.كل الأطراف تعترف بخطورة هذه الأزمة، بما فيها واشنطن وطهران. ورغم مكابرة هذا الطرف أو ذاك فإن الخسائر الاقتصادية والاستراتيجية الفادحة لم تعد مجرد تداعيات جانبية، بل أصبحت المحرك الأساسي لاستنزاف متبادل يهدد الاستقرار العالمي. فبالنسبة إلى إيران، فإن اقتصادها يواجه شللاً شبه كامل جراء العقوبات الموسعة، وتراجعاً حاداً في قيمة العملة، تزامناً مع تنامي الضغوط المعيشية على تماسكها الداخلي.وبالمقابل، لا تبدو واشنطن في معزل عن التأثيرات السلبية، فالانخراط في أطول فترة لحشد عسكري منذ عقود، وتحمل تكاليف عمليات الردع المفتوحة، يثقل كاهل الموازنة الدفاعية الأمريكية ويثير حفيظة الداخل الرافض للحروب، فضلاً عن الارتفاعات القياسية في أسعار الوقود العالمية التي بدأت تضغط على الاقتصاد الغربي بأكمله.تجاوز المرحلة الرمادية للأزمة مصلحة للجميع، ويستدعي التحرك نحو حوار مباشر يضع حداً لاستنزاف المقدرات ويهيئ لبيئة إقليمية أكثر أماناً، وصولاً إلى السلام المستدام الذي يظل الخيار العقلاني الوحيد لحسم أعقد صراعات الشرق الأوسط وأخطرها.