لطيفة وأليفة.. الكاتبة وجنس العمل

«الجنس سبب سقوط الإمبراطورية الرومانية» هكذا تجيب لطيفة الزيات عن سؤال مذيعة التليفزيون، قبل الهواء وفي انتظار إعداد الكاميرا، «الناس تتفهم لماذا طلقتيه (رشاد رشدي)، غير المفهوم أصلًا لماذا تزوجتيه؟»، كما كتبت في سيرتها الذاتية «أوراق شخصية: حملة تفتيش». تزوجت الناشطة اليسارية القومية المُعارضة للنظام، رجلًا يمينيًا مؤيدًا للنظام، لـ13 عامًا، ما يستدعي تساؤلات عدة، أبسطها كيف يمكن لشخصين يمثل كل منهما للآخر كل ما هو مرفوض فكريًا ومعنويًا العيش معًا، فاختزلت لطيفة مبرراتها بكلمة واحدة: «الجنس». تبدو إجابتها عفوية وساخرة من نفسها، تحمل في طياتها حقيقة أكدتها في ردها على سؤال أحد أساتذتها دون ذكر اسمه، لماذا تزوجتيه قائلة: «كان أول رجل يوقظ الأنوثة فيَّ». قد يُصدم القارئ عندما تكتب المرأة عن الجنس في رواية مُتخيلة، مما يهدد سمعتها بشكل كبير، ولكن وصف امرأة لتعلقها الجنسي بزوجها في مذكراتها، يجعلها تحت رحمة ألف رقيب خارجي، قراء لا يعرفونها شخصيًا، ويتركون لخيالهم العنان لتصور كيف تكون هذه المرأة التي تتكلم عن الجنس بهذه الأريحية، وكأنها مساوية لأقرانها من الكُتّاب والمثقفين والفنانين الذين لن تخلو غالبية سيَرهم الذاتية -إذا ما رووها- من التباهي بمآثرهم الجنسية ومغامراتهم في الشباب، والكهولة أيضًا، وهذا لا يشغلنا فهنا نقلّب علاقة الكاتبات بالجنس في أعمالهن. حسدتُ لطيفة على جرأتها وصراحتها في الإشارة إلى موقع الجنس وأهميته في حياتها الشخصية دون تخوف من رقيب، أو أحكام أخلاقية من زملاء المهنة، أو قارئ يتقدم ببلاغ ضدها فيُحكم عليها بالحبس (كما حدث مع ناجي) فالآن صار لدينا «أدب نظيف» بتواطؤ من الجميع كُتّاب وكاتبات وقراء، لم نعد بحاجة لموظف بدرجة رقيب فنحن نخاف ونراقب ذواتنا بما يكفي. هكذا حمّسني تصريح لطيف لتقليب نصوصها بحثًا عن كيفية تناولها للجنس كعنصر محوري، وكيف نقلته وعبّرت عنه في حياة شخوصها وخاصة النساء، لكن ما أشارت إليه لطيفة من إسقاط الجنس للإمبراطورية الرومانية، لم يتجاوز كونه حديثًا جريئًا يحمل نبرة سخرية ربما من ذاتها، ولكنه ليس توجهًا عامًا في الكتابة، خاصة عندما نقرأ عن العلاقة التي جمعتها بزوجها الأول، أحمد شكري سالم، في إطار الصداقة والثورية، فهي قصة يكتنفها الغموض، وهي تسردها في عجالة، بأن البوليس السياسي يلاحقهما ويقبض عليهما في 1949 ثم يُفرج عن لطيفة، ويُحكم عليه بسبع سنوات، فتنفصل عنه لطيفة بعد الحكم عليه. قبل الأوراق الشخصية، كتبت لطيفة «الشيخوخة» بين 1964 و1985، واختارت لقصص هذا الكتاب ثيمة «الحياة الزوجية» بين ضدين، زوجة ثورية تبحث عن نفسها إثر تعلقها بالرجل، وزوج معلول إما بالخيانة الزوجية أو البرود العاطفي أو الخمول السياسي، لكننا لا نرى شجاعة حديثها عن جنس حياتها الزوجية منعكسة في قصصها عن الحياة الزوجية، بل تحدثت عن الجنس بالرموز أو الكثير من التشبيهات، أو بلغة يمكن وصفها بالمحافظة الخجولة. في قصة «على ضوء الشموع» التي كتبتها عام 1985 تقول على لسان بطلتها: «حتى اللقاء بينهما في السرير استحال بدوره إلى طقس مدمر.. لم يعد ينطق إطلاقًا وهو يؤدي واجبه الزوجي وينام». وفي موضع آخر: «توقعت أن يكف عن العملية الجنسية ولم يكف.. وتحولت العملية إلى طقس مدمر». وفي قصة «الرسالة» التي تدور بأكملها عن اللقاء الجسدي الذي جمع البطلة ببطل الحكاية الرجل الذي أسمته طيلة الحكي بـ«الأسطورة» الذي لم تملك منه سوى هذا اللقاء، وتقول: «ولكن أن يحدث ما حدث في ساعات شيء، وشيء آخر أن يتمدد كالسرطان طيلة شهر في كياني». وتكتفي بأن تصف هذا اللقاء بشكل رمزي حالم بقولها: «حكاياتك هي كل رصيدي منك وست ساعات مستحيلة في جمالها واكتمالها. ما أفدح الرصيد حين يكون خاطفًا». تصف لطيفة الجنس بـ«ما حدث» تاركة للقارئ تخيل ما يمكن أن يحدث في ست ساعات على متن قطار في طريقه إلى الصعيد. في هذه القصص، تختزل لطيفة صراع النساء في «التخاذل السياسي»، وكأن العمل السياسي واجب مقدس على كل مصرية، النساء عندها يقبعن في زيجة من رجل يشكل كل ما هو متناقض فكريًا وسياسيًا، وكأن جمهور القراء بالضرورة أعضاء أحزاب فاعلين سياسيًا، والنساء كلهن يواجهن صراعًا داخليًا، جسدته في مونولوجات طويلة عن تساؤلاتهن عن أدوارهن تجاه الجماهير، فيما يكون حضور الجنس، وهو العنصر النشط لهذه المعادلات الكيميائية، قاصرًا على تلميحات رمزية وبلغة مقيدة، وعلى استحياء. من واقع قراءتي لأعمال لطيفة، تعد قصص الشيخوخة بمثابة «مانفيستو تطهر» لها هي شخصيًا تقدمه طواعية للقراء وزملاء الوسط، لأنها تعمدت أن تؤكد أن النجاة تحدث إما بالطلاق أو موت الزوج، ولولا قراءتي لـ«أوراق شخصية.. حملة تفتيش» لشعرت بأن الحكايات مجرد مقالات ذات طابع نسوي تم طيها داخل حكايات غير محبوكة. «الجنس» لم يكن سوى توضيح مباشر من لطيفة عن سبب ارتباطها غير المفهوم برشاد رشدي، زوجها الثاني، لأنها من جهة أخرى اختزلت زواجها وطلاقها من سابقه في «الشعور بالزمالة والرفقة، والود الصافي بلا تعقيدات، ونشوة الخطر والتحدي.. وعشق الصوفي الذي يموت ويبعث في الكل، والغنوة التي تهيب بشعوب الشرق أن ترد الغاصبين». لطيفة التي انتقدت توفيق الحكيم في «من صور المرأة في القصص والروايات العربية» لرجعيته وذكوريته التي لم يحاول هو ذاته إنكارها أو تلطيف حدتها، بل لم يزعجه لقب «عدو المرأة» وسعى لاكتسابه. ولكن ما يشغلني في هذه الواقعة هو التصور الشخصي لكيفية مرور انتقاد لطيفة لذكورية عميد المسرح دون الدفاع عنه من جماعة المثقفين، إذ كان يسيطر الرجال على مقاعد الصف الأول حينها بل عدة صفوف تليه دون مقعد واحد تشغله المرأة، وذلك لأن الحكيم، عدو المرأة، تبنى مواقف سياسية رفضتها غالبية الجماعة المثقفة وهاجموه بسببها، ولم تكن ذكوريته أبدًا في مرمى سهامهم. ربما قُبلت لطيفة لأنها ناشطة سياسية تتبنى القضايا القومية في مقالاتها وأدبها، وتناضل كما يُناضل الرجال، يدعمها تاريخها الأكاديمي، وسنوات سجنها. أحببت سيرة لطيفة الذاتية، وكتابتها في النقد الأدبي، مقارنة بأدبها في حدود ما قرأت من قصصها، لميل غالبيته إلى الاحتفاء بالفكرة ومضمون الحكاية، بما فيها من رسائل ثورية ونسوية ليس بمقاييس عصرنا وإنما بمقاييس عصرها بالأساس. بينما أقلب قصص لطيفة وأوارقها الشخصية، أجدني حائرة بخصوص ممارسة الكتابة بشكل عام في حياة المرأة المصرية كوني أزعم أني واحدة منهن، هل على الكاتبة أن يرافق اهتمامها الأدبي نضال ثوري بشكل ما، أو الانضمام مثلًا إلى رابطة نسوية ذات نشاط معلن، أو انشغال بالسياسة بشكل عام؟ وأن تنطلق الكتابة من خلفية أكاديمية، وغيرها من الأنشطة التي لا علاقة لها بشكل وثيق بمشوار الكتابة ذاته خاصة أن أغلب الكُتاب الذكور يشتبكون بشكل ما مع الشأن العام بطرق متفاوتة، ولكن لا يمكن أن يدعي أي منهم عدم انشغاله ولو بقدر بها؟ تأتي هذه الحيرة في ظل عدم الإتاحة للنساء أن يتشكل وعيهن بالشأن العام إلا في حدود ضيقة، أغلبها يستند على البيئة الأولى بالأساس أي الأسرة أن يكون الوالدان أو أي منهما منشغل بالعمل العام، وهذا الامتياز حظت به لطيفة بالأساس، وبالتزامن مع نشأتها في كنف حرية فكرية، كانت هناك كاتبة أخرى لا تحصل من العلم إلا ما يجعلها تقرأ الكُتب المفيدة لمستقبل ربة منزل وزوجة صالحة، هكذا كانت نشأة أليفة رفعت التي على الرغم من كونها سليلة عائلة عريقة ثقافيًا وسياسيًا، إلا أنها كحال نساء العائلة كان عليهن أن ينهمكن في أعمال الإبرة لتطريز شوار عرسهن. «أقسمت أن أكتب الصدق.. وأصبح هدفي هو العلاقة الحميمية بين الرجل والمرأة لأنها سر السعادة الزوجية»، تقول أليفة في مقالها «تجربتي مع الحياة والإبداع» عن عودتها إلى الكتابة والنشر، شجعها الأستاذ إبراهيم الورداني وقال: «نريد كاتبة جريئة تكتب ما في أعماق المرأة». أن تكون جريئة، ماذا كان يقصد الورداني بـ«نريد»؟ من هم؟ خاصة أن ما تبقى من أعمال أليفة المنشورة بالعربية يكاد يكون لا شيء، فلا تُعاد طباعتها، ولا تُستعاد. بل المُتاح عنها في الأرشيف سبع قصص نُشرت بين 1978 و1986، بحثت فيها عما أقسمت عليه أليفة أن تختص بالكتابة عن الحياة الزوجية، نعم ما لدينا يُشير بوضوح إلى انشغالها بهذه الزاوية، ففي قصة «ضحكة سُكرة»، الجنس يحدث بين زوجين من الفقراء، في مظاهر بهجة حميمية خلال شهر رمضان يخططون للعيد بأن يزور الأب والدته في الريف ليأتي بالسمن والزفر. يتجلى المشهد الجنسي كفعل ولم يوظف لأغراض رمزية، يأتي السرد بالإشارات التي لا يغفلها قارئ مصري بالذات، دون أن تقول الشخصيات إنها بصدد ممارسته، يقول البطل: «وما زال طنين وابور الغاز يملأ الأسماع.. فهمت إشارتها (الزوجة)، فتلقيتها بالشوق، ونسينا الدنيا. رمت بالماء الساخن المتجمع في الطست من النافذة ترش به الحارة قبل عودة صلاح (الابن)، ولكن العفريت بمجرد رجوعه أطال النظر إلى جلبابي النظيف وإلى شعر أمه المبلول وبرقت عيناه في استمتاع وكأنه ذوق حلاوة ألاعيبنا!». وفي «العرائس الإلهية» حضور الجنس مذموم، فالزوجة تُحب موسيقارًا شهيرًا وتتعذب جسديًا ومعنويًا، وعندما يعلم زوجها بتلك العلاقة يصفعها على وجهها، وتكشف سرها لصديقتها وتقول لها: «رُحنا نتبادل المكالمات التليفونية والخطابات ونحيا في عالمنا العلوي الساحر وألّف المقطوعات الموسيقية الخلابة.. من وحي حبنا وإلهامًا من عاطفتنا الحارة الصادقة، ولكننا وأقسم لم ننحدر لجحيم الجسد.. ورغباته.. بل تسامينا في استشهاد واستبسال غرائزنا البشرية وسمونا بحبنا». عندما يكون حضور الكاتب/ـة شبحيًا، نستعيض نحن، مَن نكتب عنه بتفسيرنا وتأويلنا، لكن «تجربتي (أليفة) مع الحياة والإبداع» شكّلت لي خط نور رفيع في سرداب التفسير والتأويل، لفهم أدب أليفة وتناوله للجنس، فيما هي أوضحت بنفسها أنها كتبت تحت عدة أسماء مستعارة لإخفاء هويتها بشكل عام، مثل عايدة وقطعة القلق وبنت بنها، ولم يكن ذلك بسبب الكتابة عن الجنس، وأن اختيارها لاسم «أليفة» عوض اسمها الحقيقي «فاطمة»، لأنها كانت تبحث عن أليف. أما عن سؤال هل كتبت أليفة عن الجنس بوضوح، والممارسة الجنسية بين النساء بشكل خاص، فالإجابة: نعم، ودون رمزية أو تأويل، بل بسرد واضح لا لبس فيه في روايتها «جوهرة فرعون» التي تدور في مصر القديمة، وفيها صراع سياسي ممتد من سرد الكليشيهات على ألسنة الأبطال، بداية من اموزيس العسكري الشاب الذي يقول صراحة وهو واقفًا في انتظار وصول الفرعون «مصر وحدها حبيبتي» حتى يقع بصره على (لاديكا) عشيقة الفرعون الأجنبية فيقول في اللحظة ذاتها: «تجولت بناظري في النساء الجميلات الملتفات حوله كباقة الزهور النضرة.. لتصطدم عيناي بعيني حسناء خضراوين متوحشتي النظرات تبرقان كعيني هرة.. دق قلبي سريعًا يتساءل هل أنا واثق من أن مرض الحب اللعين لن يصيبني». لا يحتاج القارئ إلى الكثير من الفهم، حتى يُدرك أن لا عقل أو قلب الشاب مفتول العضلات المهموم بحب مصر وحدها، هو الذي دق فور رؤيته للحسناء. نتتبع حياة هذا الشاب الذي دق قلبه بعد نظرة واحدة، ونعرف أن والدته بالفعل وفرت له منذ بلوغه خادمة يقول عنها «تتسلل (كيفا) إلى فراشي لتعلمني مسلك الرجل وتحميني من شطحات الأوهام». قبل نهاية اليوم تستدعيه الحسناء إلى مخدعها، وتقول له: «كفاك مراوغة يا اموزيس.. فقد ظهر افتتانك بي في عينيك الحلوين وأنت تنظر لي هذا الصباح وقد دعوتك لأمّن عليك بالقبلة التي أشتهيها على البعد». يتذكر الشاب تحذيرات والده من إغواء النساء للشباب، يداهمها الفرعون ويختبئ اموزيس ويراقب مضاجعتها ويشتعل بالرغبة الجنسية، ويتذكر أن لديه بالفعل خادمة جنسية وفرتها له أمه لكنها لا تماثل جمال وبراعة العشيقة الأجنبية. أما عن اهتمام أليفة بالكتابة عن الجنسانية كما أشارت بعض المقالات، نراها في مشهد جنسي تحاول فيه لاديكا عشيقة الفرعون أن تُشعل اموزيس -الذي يعف عنها- بالرغبة الجنسية من خلال إحضار خادمات أفروديت ليمارسن الجنس سويًا أمامه، فيقول عن رؤيته للنساء يتحسسن أجساد بعضهن: «وقفت مشدوها فاغر الفم فقد أظن أن (كيفا) قد علمتني أسرار العلاقات الخاصة التي تربط بين الرجل والمرأة، ولكن لم يخطر على بالي أنه في وضع أن امرأة تعشق امرأة مثلها.. سؤالي الحائر لماذا، لماذا تلجأ المرأة لهذا والرجال كثيرون». سوف تُجيب لاديكا بأن النساء يلجأن إلى ممارسة الجنس سويًا بسبب اليأس بعد أن يكفرن من قسوة الرجال، فقال لها: «كان الأولى بها (أي الفتاة التي تمارس المثلية) أن تقتل نفسها هذه الشيطانة». الخلاصة يستمر الشاب في إلقاء المواعظ ومحاربة الممارسات الشيطانية التي اسماها دسيسة الإله «ست» الشيطان حتى نهاية الرواية، وينقذ مصر ويوحد الدين لله، والحمد لله. احترتُ في مصير أليفة المبهم، والتي لم تحتفظ أروقة الأرشيف العربي بأعمالها مقارنة بالوفرة والاتاحة لأعمالها باللغات الأجنبية، لا يُعاد نشرها ولا تُستعاد، منسية لا تُقرأ بلغتها الأصلية، رغم أنها كانت مهمومة بأرق يُزعج الأغلبية ليس في زمنها فقط، بل في وقتنا الحالي من النساء المصريات، الطامحات في سعادة جنسية ربما لا يعرفن عن وجودها، ولكن يطمحن في ليالٍ تشبه ما فعلته سعاد حسني مع حسين فهمي في «أميرة حبي أنا». «أذكر مرة كنت على مقهى البستان.. وجدت أليفة رفعت.. وكانت ست كبيرة وتكتب قصصًا.. وهي كاتبة أنا رأي أنها موهوبة جدًا وهاوية.. وساذجة لأنها ربة منزل وكتبت على كبر من العمر.. كمية السخرية منها مثلًا.. طيب لماذا سخرية» تحكي سلوى بكر، حيث تساءلت عن مدى ارتباط السخرية من أليفة وتحويلها إلى موضوع -فور وصولها إلى المقهى- بكونها امرأة، ولكنها تعود وتحتار وتُعلن أنها لا تملك إجابة، وتستكمل الحديث عن مناخ الحياة الثقافية وتصفه بالقاسي. امدتني كلمات سلوى بكر بالمزيد من فهم المشهد العام الذي تألقت فيه لطيفة وهُمشت أليفة إن جاز هذا الاستنتاج الشخصي، بقولها: «معظم بتوع الستينيات كانوا جايين من السياسية (يمين ويسار)، وعملوا تشكيل عصابي في الحياة الثقافية.. وكان في ميل نخبوي.. عند المثقفين.. تحكمهم روح العصابة.. ويتعصبوا لبعض في مواجهة أي حد». أليفة «جريئة» حسب إبراهيم الورداني، «نصف مجنونة» كما قيل عنها، لم تكن يومًا ضمن جماعة، واقتصرت همومها الأدبية، بل الإنسانية، على العلاقة الحميمية بين الأزواج، وإحباط النساء/ المصريات على المستوى العاطفي والجنسي، وصرحت بهذا علنًا. لم تنشغل بالشأن العام، أو العمل السياسي، خلافًا للطيفة التي يُشار إليها بالبنان ويُحتفى بذكراها كل عام، ويتربع فيلم «الباب المفتوح» المأخوذ عن روايتها على عرش سينما الستينات، حيث الحوار بين الشخصيات بمثابة أقوال مأثورة. بل اقتُطعت مشاهده الرومانسية التي جمعت فاتن حمامة وصالح سليم لتكون أيقونات عن رغبة المرأة في الحرية وانخراطها السياسي من جهة، والرجل المناضل وفتى الأحلام «الأمور الطويل» من جهة أخرى. لا يمكن الجزم بحقيقة أي مما سبق، فأنا أكتب الكثير من الاستنتاجات والتكهنات، ممتزجًة ببعض من التجربة والخبرة الشخصية، ومن واقع رحلة العمل على هذا النص، ترددت وما زلت مترددة عن الهوية التي تمسك المقود، هل أكتب بروح الكاتبة التي تطمح لكتابة رواية إيروتيكية أم القارئة، بل الفكرة التي شغلتني فترة طويلة، وانطلق على أساسها العمل منذ أشهر، هي كيف كتبت الكاتبات المصريات «الجنس»، على مستوى اللغة والسرد، بحثًا عن حضوره في حياة النساء وعلى لسان النساء بشكل أساسي، وهل كانت الغريزة والرغبة جزء من تجليه أم كونه فعل لا إرادة لها فيه؟ هل يوجد احتمال غير لطيفة وأليفة؟ البحث يستمر. The post لطيفة وأليفة.. الكاتبة وجنس العمل first appeared on Mada Masr.