كيف قُرأ الجنس عند لطيفة وأليفة

في لفة الأرشيف وجدنا الكثير عن لطيفة الزيات، والقليل عن أليفة رفعت، فكلتاهما كانتا، كل بطريقتها، تكتبان ضد الاختزال نفسه، تضعان التجربة والأسئلة غير المحسومة على الطاولة. لطيفة تفكك حياتها وتاريخها السياسي وعلاقاتها وهزائمها من الداخل، وأليفة تستعيد المرأة من كونها موضوعًا للرجل إلى كونها صاحبة صوت ورغبة وتجربة. لكن النقد، حتى وهو يحتفي بهما (أو للدقة يحتفي بلطيفة ويتجاهل أو يخجل من جرأة أليفة)، كان يعيد إنتاج الاختزال الذي حاولتا الإفلات منه. ولهذا لا تهدف لفتنا إلى الوصول إلى حكم نهائي على أي منهما. بل يَنَخَرب أو يضعهما في سياق زمنهما، يكشف تاريخًا للأسئلة التي كان الوسط الثقافي مستعدًا لطرحها على الكاتبة العربية «الجريئة»، والأسئلة التي كان يخاف منها، والأسئلة التي ظل يعيد طرحها حتى بعدما تجاوزتها الكاتبة نفسها. وفي النهاية، لا يحفظ الأرشيف صورة لطيفة وأليفة فقط، بل يحفظ أيضًا بصمة الوسط الثقافي الذي قرأهما. وربما لذلك يصبح السؤال الأهم عند البحث الأرشيفي ليس ماذا كتبتا؟ بل ماذا سمح النقد لنفسه أن يرى في كل واحدة منهما، وما الذي أصرّ على تجاهله؟ مثلا حين صدرت مجموعة لطيفة «الشيخوخة وقصص أخرى» في مارس 1986، كتب عنها فاروق عبد القادر، (مجلة الهلال، مارس 1987)، أفضل ما يمكن أن يُكتب عن أي كاتب. «إننا أمام لحظة من اللحظات النادرة في أدبنا العربي بوجه عام، وأدب الكاتبات بوجه خاص، نواجه هذا المستوى الرفيع من التجرد وفحص الذات فحصًا لا ينفع إلا بأن يسقط كل أقنعة الخداع، قناعًا بعد قناع، وبأن يبلغ أعمق الأعماق، هناك، بُعدًا حيث تبدو الذات موضوع الفحص، للذات الفاحصة، في تألق عريها الكامل» ثم يغرق في تفاصيل قصصها وشخصياتها، لكنه يظل مهتمًا بالتقاط الخيوط التي تصل بينها؛ شخصيات تظهر في قصة ثم يبدو كأنها تستكمل حياتها أو معناها في قصة أخرى. سيكتب عبد القادر مرة أخرى عن لطيفة، حين فازت بجائزة الدولة التقديرية، وقبل رحيلها بأيام، حاول أن يرى حياتها ومشروعها الإبداعي والنقدي كسيرة واحدة متصلة. يبدأ من نضالها السياسي المبكر ومشاركتها في انتفاضة 1946، مرورًا بزواجها الثاني وما تركه من سنوات من التنازل وخداع الذات، وصولًا إلى الشيخوخة وأوراقها الشخصية، حيث تتحول الكتابة إلى وسيلة لإعادة فحص الماضي وكشف الأوهام التي حكمت اختياراتها. بل يضع «الباب المفتوح» في قلب هذه الرحلة، باعتبار أن ليلى التي تنتزع حريتها من علاقة زائفة تفعل في الرواية ما عجزت لطيفة عن فعله في حياتها آنذاك. ومن هنا تصبح كتابة لطيفة مساحة لمواجهة الذات لا للهروب منها؛ إذ تعود إلى تجاربها القديمة، تفككها وتعيد النظر فيها، حتى تصل إلى ما يراه عبد القادر أثمن ما قدمته: قدرتها النادرة على أن تجعل من تجربتها الشخصية مادة لفهم أوسع لعلاقات الحب والسلطة والتنازل والانتماء، وللطريقة التي يمكن أن يتحول بها التنازل الصغير إلى حياة كاملة من خداع الذات. في رثاء لطيفة التي رحلت سبتمبر 1996، ستكتب الناقدة والمترجمة العراقية فريال جبوري غزول، بعد شهر من وفاتها، عن طبيعة كتابة لطيفة عمومًا، تحاول الوصول إلى الـ«أنا» الموجودة خلف النصوص، وتربط بين تاريخها السياسي وتاريخها الإبداعي، فتتنقل من بابها المفتوح إلى أوراقها الشخصية وصولًا إلى قصصها التي تصف بناءها بأنه يشبه المتاهة، ويقع في مساحة بين الرواية والمجموعة القصصية. تلتقط التناقضات بين توقف لطيفة في شبابها وكهولتها، الوطن في زمن الأحلام وفي زمن الهزيمة، وكيف تعيش لطيفة بين النقيضين. الأنثى هنا لا تعاني فقط ما يعانيه الجميع من ظلم سياسي واجتماعي، حسب الناقدة، بل تحمل فوقه ظلمًا إضافيًا نابعًا من موقعها كامرأة داخل مجتمع ذكوري وطبقي. ولعل أجمل تلخيص تقدمه فريال لكتابة لطيفة أنها: «تقوم بتعرية الحياة دون الانغماس في البكاء عليها أو جلدها» حين نصفي القليل المكتوب عن أليفة، سنقرأ مقال سلوى بكر حول كينونة المرأة عندها المنشور في رثائها، بعد شهرين من رحيلها في يناير 1996، تفسّر كتابتها بأنها تكتب المرأة وتسأل عنها من داخل منظور المرأة نفسها. وتلاحظ أن هناك مَن «يهلل» لتناولها للجسد باعتباره حداثة وتجديدًا وجرأة، لكن لطيفة تقرأ الجسد بشكل مختلف، باعتباره جسدًا يعاني. ولكي تشرح الفارق تقارن بين الختان في «من يكون الرجل» لأليفة و«أصوات» لسليمان فياض، ومن هنا تدخل في سؤال أكبر عن الطريقة التي يحضر بها الجسد الأنثوي في كتابة الرجال، كموضوع تتم معالجته من الخارج. أليفة، في المقابل، تحاول أن تكتب الأنثى ككائن لا هو منزه ولا ناقص، ولا تختصره في وظيفة جنسية. تستخدم سلوى تعبيرًا قاسيًا: «الخصي النفسي للمرأة، عبر خصي الجسد». كأن المشكلة ليست فقط في السيطرة على جسد المرأة، بل في اختصار هذا الجسد نفسه في الجنس، فلا تبقى له إمكانات أخرى للحضور. وتنهي المقال بنقد التجاهل الثقافي المحلي لأليفة، ثم توسع الدائرة ليشمل التجاهل الذي تتعرض له الكتابة النسوية حين تكتب فعلًا من منظور المرأة وتطرح أسئلة غير مألوفة أو غير مريحة، مقابل الاحتفاء بكاتبات يكتبن، في رأي سلوى، بقاموس الرجال ونظرتهم نفسها. لكن من بين الكُتّاب هناك مَن تأثر بأدبها يوسف الشاروني الذي قال:[1] «لفت نظري إلى قصص أليفة رفعت قصة قصيرة قدمتها للنشر في مجلة الزهور بعنوان عالمي المجهول، قدمت فيها بصورة فنية ناضجة ورائعة هذا المزيج المتناقض من الرغبة والخوف الذي يعصف بقلب إحدى الزوجات التي ارتادت هذا العالم الفانتازي الرائع والذي يضرب بجذوره في تراثنا الشعبي. ومعظم قصصها تدور حول مشاعر المرأة العاطفية فالموضوع الأثير الذي تعالجه هو جانب الرغبات الدفينة للمرأة في بيئة تكبت هذه الرغبات، قصصها يمكن أن تنتمي إلى ما يُسمى بأدب الاحتجاج على وضع المرأة، في بيئة لا تمنحها حرية الإختيار، وطريقها إلى ذلك هو تقديم بطلات مقهورات يقابلن خيبة عاطفية وجنسية»، لكن ليس كل الكتاب مثل الشاروني الذي خصص عملين لدراسة أعمال زميلاته الكاتبات، فحين سرد عبد العزيز الدسوقي ذكريات جمعته مع أليفة في 1973 عندما شارك في تأسيس مجلتي الثقافة الأسبوعية والشهرية، فتقدمت له بقصة فنشرها، ثم جاءت بقصة أخرى فيها «اقتحام جريء لأدق عوالم المرأة وتصوير علاقاتها الخاصة بالرجل»، وعندما انتقل الدسوقي للإشراف على المركز القومي للأدب نشروا لها مجموعة «من هو الرجل؟»، يظهر المقال الكثير من الكليشيهات المعتادة في الكلام عن «الأدب النسوي»: فأليفة «تجيد التعبير عن أشواق المرأة الفكرية والروحية»، وما إلى ذلك. لكن أليفة نفسها، حين يأتي صوتها، تكون أبسط وأكثر مباشرة: «أؤمن أن المرأة هي الوحيدة القادرة على الكتابة عن العالم الداخلي للمرأة، وفي أوضاعها ومشاكلها في المجتمع»، أو حين ينقل عنها: «وقد ظن البعض أنهم يقللون من شأني عندما يصفونني بأنني كاتبة جنس، لكني أقول بصراحة: نعم أنا كاتبة جنس.. ليس بالمعنى السوقي الهادف للإثارة ولكن من أجل التوعية وطرح المشاكل والحلول». المشهد طريف، الكاتب يتحفظ، والكاتبة التي يفترض أنه يقدمها هي التي تقول الكلمات والتوصيف بلا التفاف. لذا يستدعي اقتباساتها في المقال ليقولها على لسانها. ورغم ظروف تقارب بين لطيفة (1923) وأليفة (1930)، فكلتاهما كتبت عقودًا انتهت في التسعينيات، لطيفة علنًا وأليفة سرًا، هناك حفاوة وتكريس للأولى وتجاهل نقدي للثانية كما وصفها الشاعر رفعت سلام، في حوار معه في أكتوبر 2005: «كما أنني بحثت في الأسماء الأكثر ترجمة فوجدت أن أكثر من ترجم له هو السيدة أليفة رفعت التي لا يعرفها أحد». رحلتا في نفس العام، أليفة في يناير، ولطيفة في سبتمبر، كلاهما ناقشت سؤال استقلال المرأة من موقع مختلف. عند لطيفة لا تتحقق حرية المرأة بعيدًا عن المجتمع، بل في قلبه؛ المرأة تخرج من المجال الخاص إلى العام، إلى الشارع والسياسة والجماعة، كما نرى بوضوح في «الباب المفتوح»، وكما نرى في لقائها مع سهام صبري حين تتحدث عن أول رواية أهداها لها أخوها وهي في المدرسة الثانوية وهي «عودة الروح» لتوفيق الحكيم، وتصفها بأنها كانت مرحلة شديدة الأهمية في تكوينها. الرواية نفسها مبنية على فكرة الفرد الذي لا يكتمل في عزلة، وإنما يجد مكانه داخل جماعة أوسع، وهي الفكرة التي ستعود، بصيغة مختلفة وأكثر تعقيدًا، في مشروع لطيفة، فوجود الفرد داخل الجماعة لا يعني محو فرديته، بل قد يكون الطريق إلى تحققها. وربما لهذا تبدو «عودة الروح» محطة مناسبة جدًا في بداية مسار سيصل لاحقًا إلى «الباب المفتوح»، والذي تصفه لطيفة في اللقاء المذكور بأن فيه ثلاثة مستويات للمعنى، الأول تاريخ البطلة، الثاني تاريخ مصر من 1946 حتى 1956، والثالث تاريخ الطبقة الوسطى وقيمها. تبرز هذه المستويات رؤية المرأة ودورها عند مشروع لطيفة، فهي في منتصف مشروع ما، وجزء من شيء ما. لكن وجودها داخل المجموع لا يعني أن تذوب فيه، بل أن تحتفظ بفرديتها وهي جزء منه. أما أليفة فتبدأ من مساحة أكثر داخلية وحميمية، فما يشغلها هو المرأة داخل البيت والعلاقة والجسد؛ رغبتها، ووحدتها، وإحساسها بذاتها، وحقها في السعادة والتحقق العاطفي والجنسي. لذلك لا يظهر الاستقلال عندها بالضرورة في صورة الخروج إلى المجال العام أو الانخراط في مشروع جماعي، بل في رفض أن تُختزل المرأة في وظيفة واحدة أو صورة مفروضة عليها، فهي إما زوجة، أو أمٌ أو جسدٌ مُتاحًا لرغبة الرجل. هي عند أليفة كائن له عالم داخلي خاص، قد يكون صامتًا أو مكبوتًا أو متناقضًا، لكنه موجود ويستحق أن يُسمع. ومن هنا يمكن النظر إلى التجربتين باعتبارهما طريقتين مختلفتين للإجابة عن سؤال واحد: كيف تصبح المرأة صاحبة حياتها؟ لطيفة تبحث عن الإجابة في العلاقة بين الفرد والعالم، وأليفة تبحث عنها في المناطق التي قد لا يراها العالم أصلًا، أو التي تُروى عن طريق رجل، أما هي فتقدم رؤيتها داخل الجسد والرغبة والعلاقة الخاصة والشعور بالوحدة. الأولى توسع مساحة المرأة في الخارج، والثانية توسع المساحة المعترف بها داخلها. وبين الاثنين تظهر صورة للمرأة أكثر تعقيدًا من أن تختصر في نموذج واحد للتحرر. هوامش [1] لم أجد نص المقال الأصلي الذي كتبه يوسف الشاروني في مجلة الثقافة في أبريل 1976 ولكن ينقل عنه هذا المصدر.The post كيف قُرأ الجنس عند لطيفة وأليفة first appeared on Mada Masr.