لبنان: هندسة السلطة في ظلّ الاغتيال، تفكيك بنية نظام سياسي هشّ بعد الطائف

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

يُقدَّم لبنان عادةً بوصفه دولة على حافة الاستقرار. غير أن هذا التوصيف لا يعكس سوى سطح المشهد. فالاستقرار في لبنان ليس حالة مؤسساتية ثابتة، بل توازنٌ سياسي هشّ يُعاد إنتاجه باستمرار، ويتعرض للاهتزاز عند كل تحول داخلي أو إقليمي.في هذا السياق، لا يمكن فهم الاغتيالات السياسية كوقائع منفصلة عن بنية النظام، بل كأعراض تكشف حدود هذه البنية، لا كاستثناءات عليها.أولًا: نظام ما بعد الطائف كإدارة دائمة للأزمةمنذ نهاية الحرب الأهلية واتفاق الطائف، لم ينتقل لبنان إلى دولة مكتملة مؤسساتيًا، بل إلى نظام تسويات سياسية معقدة يقوم على توزيع السلطة بين طوائف ونخب متنافسة، بدل احتكارها داخل مركز سيادي واحد.هذا التحول لم يُنتج دولة ضعيفة فقط، بل نموذج حكم يمكن وصفه بأنه:نظام لإدارة الأزمات بدل حلّهافالمؤسسات قائمة، لكنها تعمل ضمن توازنات متغيرة، تجعل القرار السياسي نتاج تفاهمات مؤقتة أكثر منه تعبيرًا عن سيادة مستقرة.ثانيًا: الاغتيال كعرض بنيوي لا كسببشهد لبنان سلسلة اغتيالات سياسية بارزة، من بينها اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل (1982)، ورئيس الوزراء رفيق الحريري (2005)، إلى شخصيات سياسية وإعلامية ودينية أخرى في مراحل مختلفة.لكن اختزال هذه الاغتيالات في تفسير واحد خطي يُنتج قراءة ناقصة.الأدق هو النظر إليها كـ:لحظات انهيار مؤقت في قدرة النظام على إدارة تناقضاته ضمن الأطر السياسية القائمة.أي أن العنف السياسي لا يعمل كقاعدة تفسير، بل كمؤشر على اختلال التوازن عندما تتجاوز الصراعات قدرة النظام على احتوائها.ثالثًا: بنية مركّبة بلا مركز سياديلا يعمل النظام اللبناني وفق منطق واحد، بل عبر تداخل ثلاث طبقات:بنية طائفية تقاسمية تنتج شرعية سياسية موزعةنخب داخلية متنافسة تعيد إنتاج الصراع داخل المؤسساتتأثيرات إقليمية ودولية تتقاطع مع الانقسامات الداخلية دون أن تخلقها وحدهاهذا التداخل يمنع نشوء مركز قرار سيادي مكتمل، ويُنتج حالة دائمة من التوازن غير المستقر.رابعًا: الداخل والخارج—تفاعل لا اختزاللا يمكن تفسير الأزمة اللبنانية بالداخل وحده، كما لا يمكن ردّها بالكامل إلى الخارج.فالعلاقة بينهما علاقة تفاعلية:الانقسام الداخلي يفتح المجال أمام التأثير الخارجيوالتجاذبات الإقليمية تعمّق بدورها الانقسامات الداخليةوبالتالي، لا يوجد عامل مهيمن، بل شبكة تفاعل مستمرة تعيد إنتاج الأزمة بدل إنهائها.خامسًا: الحاضر كامتداد بنيوي غير مكتمل للماضيلبنان لا يعيد إنتاج تاريخه حرفيًا، لكنه يعيد إنتاج شروطه البنيوية.لذلك فإن الإحساس بتكرار الأزمات لا ينبع من تطابق الأحداث، بل من استمرار البنية نفسها:ضعف الثقة بالمؤسساتهشاشة التسويات السياسيةغياب الحسم السياديإعادة إنتاج التوازن بدل تجاوزهوبهذا المعنى، فإن الحاضر ليس نسخة من الماضي، بل امتداد غير مكتمل له.سادسًا: الدولة كمسار لا كحالةيُظهر النموذج اللبناني أن الدولة ليست كيانًا مكتملًا، بل مسارًا متقطعًا بين الاستقرار والهشاشة.فالاستقرار هنا لا ينتج من قوة المؤسسات، بل من:استمرار التفاهمات السياسية أكثر من صلابة البنية نفسهاوهذا ما يجعل النظام شديد الحساسية لأي تغير داخلي أو خارجي، وقابلًا للاهتزاز دون انهيار شامل.سابعًا: مسار الخروج من إدارة الأزمة إلى الدولة (مع مبدأ الحياد الإيجابي)رغم تعقيد البنية القائمة، يبقى اتفاق الطائف الإطار المرجعي الممكن لإعادة البناء، لكن المشكلة ليست في النص، بل في عدم اكتمال تطبيقه.أبرز البنود غير المنفذة تشمل:* اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة* إنشاء مجلس الشيوخ* إلغاء الطائفية السياسية تدريجيًا* إصلاح القضاء* إصلاح النظام المالي* حصر السلاح بيد الدولةولا يمكن تصور الإصلاح كقفزة واحدة، بل كمسار تدريجي يقوم على ثلاث مراحل مترابطة، يُشكّل فيها مبدأ الحياد الإيجابي ركيزة حاكمة لإعادة تعريف علاقة الدولة بالمجتمع السياسي:المرحلة الأولى: تثبيت الدولة وتعزيز الثقةتركّز هذه المرحلة على إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة بين المواطن والدولة، عبر:* تفعيل القضاء والإدارة على أسس مهنية غير مسيّسة* تحسين الخدمات الأساسية تدريجيًا* إطلاق لامركزية إدارية محدودةوفي هذه المرحلة، يُعتمد الحياد الإيجابي كمبدأ تشغيلي للدولة، بحيث تُدار المؤسسات بعيدًا عن الاصطفاف السياسي والطائفي، ما يعيد تعريف الدولة كإطار جامع فوق الانقسامات، لا طرفًا فيها.الهدف ليس فقط منع الانهيار، بل إعادة بناء الثقة بشرعية الدولة كمؤسسة محايدةالمرحلة الثانية: إعادة هيكلة السلطة وبناء توازن أكثر عدالةفي هذه المرحلة يبدأ الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة تنظيم السلطة، عبر:* توسيع اللامركزية الإدارية والمالية تدريجيًا* إنشاء مجلس الشيوخ لضمان التمثيل التوافقي* تطوير النظام الانتخابي نحو تمثيل وطني أقل طائفية* تعزيز استقلال القضاءهنا يتحول الحياد الإيجابي إلى مبدأ حوكمة، بحيث تصبح مؤسسات الدولة قادرة على تنظيم الصراع السياسي دون الانحياز له، ما يحوّل التوازن الطائفي من مصدر توتر إلى إطار استقرار مشترك.الهدف هو تحويل الدولة من ساحة صراع إلى منظم محايد لهذا الصراعنقل تدريجي للصلاحيات إلى المناطق، تفعيل مجلس الشيوخ، تطوير النظام الانتخابي نحو تمثيل أقل طائفية، وتعزيز استقلال القضاء.المرحلة الثالثة: التحول السياسيالانتقال من نظام طائفي توافقي إلى دولة مواطنة، قائمة على مؤسسات تتجاوز الهويات الطائفية.الخاتمةلبنان ليس دولة في انهيار دائم، ولا دولة مستقرة مكتملة، بل نظام سياسي يقع في منطقة وسطى بين الاثنين.إنه نظام يعيد إنتاج توازنه باستمرار، لكنه لا ينجح في تثبيته نهائيًا.وفي هذه المنطقة الرمادية، تصبح الاغتيالات السياسية—حين تقع—ليست تفسيرًا للنظام، بل علامة على حدوده.