.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
كانت تلك المرة الأولى التي لا تشبه أي مرة سبقتها في حياتي المهنية أو الشخصية.
تباشير زمن جديد تعود فيه "أصالة" بصوتها الشامخ، وأن تكون أنت في قلب الحدث، ليس مجرد مشاهد عابر، بل صحافياً ومراسلاً يحمل في يده ميكروفون جريدة "النهار" العريقة.. هذا شيء عظيم، مهيب، ولا يمكن مقارنته بأي شعور آخر. شعرت حينها أن القدر لم يكن يمنحني مجرد فرصة عمل، بل كان يكافئني وينثر عطاياه بين يديّ، قبل أن أختم عامي الثاني والثلاثين بيوم واحد فقط.
دخلت إلى قاعة الحفل الأسطوري، وخطواتي تكاد تسبق نبضات قلبي. كنت أحمل معي لوغو "النهار"، وسيلتي الإعلامية التي فُتحت لي أبوابها لأصنع من شغفي حقيقة ومستقبلاً صحفياً أفخر به بين زملائي وفي ميدان الكلمة الحرة.
في تلك الليلة تحديداً، شعرت أن للكون لغة خاصة صاغها القدر لي عبر الأرقام، وتحديداً في سر "الرقم ثلاثة" الذي تكرر كبشارة خير متتالية لا يمكن أن تكون بمحض المصادفة. لقد احتفلت "النهار" قبل شهر واحد فقط بعيدها الثالث والتسعين (93)، وهو رقم يحمل دلالة زمنية ساحرة في وجداني، لأنه يتطابق تماماً مع سنة ميلادي 1993. وتكتمل هذه الحلقة الرقمية المدهشة بتزامن الحفل مع لحظة دخولي عامي الثالث والثلاثين (33).
ولم تقف دلالات الخير والبركة عند التواريخ والأعمار فحسب؛ بل توجت منصات "النهار" الرقمية هذا التوافق بإنجاز استثنائي، حين قفزت إحصائيات التغطية والمقاطع التي أنتجتها لتتجاوز في وقت قياسي حاجز الـ 3 ملايين مشاهدة. تأملت هذا التكرار المبهج للرقم ثلاثة (93، 1993، 33، و3 ملايين) فابتسمت، وعرفت أنني أمام توليفة قدرية فريدة، كأنها نبوءة رقمية تحتفي بجهدي وتفتح لي أبواب النجاح العريض في هذا الصرح العظيم.
تجربة تغطية ذلك الحفل كانت مهابة بحد ذاتها. على السجادة الحمراء، لم تكن الأضواء هي ما يبهر الأبصار، بل كانت قيمة المكانة التي تمنحها لك المؤسسة التي تمثلها. أن تُقدّر وتُحترم من قِبل شخصيات فنية وثقافية وازنة، لم يكن ذلك لشخصك الفردي فحسب، بل لأنك حصلت على الشرف الأسمى: حمل اسم "النهار".
أذكر جيداً تلك اللحظات عندما التقيت بالفنان المشاكس نوار بلبل، والنجمة القديرة وفاء موصلي، والمخرج المبدع باسم كريستو، وغيرهم الكثير ممن التقيتهم في ذلك المساء الصاخب. بمجرد أن رأوا لوغو الجريدة، تهللت وجوههم بالترحيب الحار، وأثنوا على الخط التحريري والمهنية العالية للمؤسسة. كل كلمة ثناء وتدفق مشاعر تجاه الصحيفة كان يتحول في داخلي إلى وقود يشعل المزيد من الحب، الشغف، والرغبة في العطاء لهذه المؤسسة العظيمة التي احتضنت طموحي.
بين زحام الحاضرين وفلاشات الكاميرات، كان يغالبني مزيج غريب من الأمل والدعاء بالتوفيق. وقفت على السجادة الحمراء، أراقب هذا النجاح الذي بدأت ملامحه تتشكل من بعيد. كنت أنظر بلهفة وشوق إلى شاشة هاتفي، متطلعاً لرؤية المواد والمقاطع التي أنتجتها وأرسلتها لتُنشر أولاً بأول. وفي تلك اللحظة بالذات، بدا لي أن الحلم الذي طالما تمنيته لم يعد مجرد فكرة في الخيال، بل أصبح واقعاً ملموساً أعيشه بكل تفاصيله، محتفلاً بأجمل هدية ميلاد يمكن أن يطمح إليها صحافي في مستهل مشواره الإبداعي.
لكن البُعد الإنساني في هذه الليلة كان الأعمق أثراً في روحي. أن تجلس وتُشاهد وتستمع إلى فنانة عشت طفولتك تكبر على نغمات أغانيها، وتسمع صوتها لأول مرة في حياتك بشكل حيّ ومباشر.. ليس هذا فحسب، بل إن هذا الحضور يأتي في أول حفل فني تحضره أنت شخصياً في مسيرتك، وفي أول حفل لها هي بعد سنوات النفي والغياب القسري، لتعود منتصرة بقوة الفن والوفاء لبلدها ولجمهورها الذي لم ينسَها يوماً.
إن كل هذه التفاصيل، من توافق التواريخ، وثقل اسم النهار، وبهجة الملايين من المشاهدات، وعودة الصوت الأقرب إلى القلب، كفيلة بأن تُعيد صياغة إيماننا بالأمنيات. إنها تخبرنا بيقين تام: قد تتأخر الأحلام أحياناً وتتعثر في طريقها إلينا، ولكنها عندما تختار أن تصبح واقعاً، تأتي بأجمل وأبهى مما تخيلناه يوماً.