في لحظة سياسية حسّاسة، يبدو أن بعض القوى الداخلية لا تزال تتعامل مع الاستحقاقات الكبرى بعقلية الرفض المبدئي، من دون تقديم أي بدائل واقعية أو قابلة للتطبيق. فالاكتفاء برفع شعارات الاعتراض أو التلويح بالتصعيد لم يعد كافياً في ظل تحولات إقليمية متسارعة وضغوط دولية متزايدة، فيما البلاد تقف أمام ملفات مصيرية تتطلب مقاربات عملية لا انفعالية.
في هذا السياق، يعود ملف التفاوض إلى واجهة المشهد اللبناني، ليس كخيار نظري أو تكتيكي، بل كمسار يتبلور تدريجياً بفعل موازين القوى الإقليمية والدولية. فالمعطيات المتداولة عن تحضيرات لزيارة مرتقبة للرئيس جوزف عون إلى واشنطن، وما رافقها من رسائل سياسية واضحة، تشير إلى أن قطار المفاوضات قد انطلق فعلياً، وأن العودة إلى الوراء باتت محدودة جداً.
التصريحات المنسوبة إلى السفير الأميركي في بيروت، والتي صدرت من بكركي، تعكس بدورها توجهاً دولياً جدياً لدفع لبنان نحو طاولة التفاوض، مع طرح ملفات أساسية في مقدّمها تثبيت الاستقرار ووقف الاعتداءات وبسط السيادة على كامل الأراضي اللبنانية. غير أن هذا المسار، رغم زخمه الخارجي، لا يزال يصطدم بواقع داخلي معقّد، حيث تتباين المواقف بين من يرى في التفاوض فرصة سياسية لا يمكن تفويتها، وبين من يرفضه دون تقديم أي رؤية بديلة قادرة على حماية المصالح الوطنية أو وقف الانهيار.
لبنان اليوم أمام معادلة دقيقة: فرصة قد تكون نادرة لإعادة تثبيت موقعه ضمن تسوية طويلة الأمد تحفظ حدّاً أدنى من الاستقرار، مقابل خطر استمرار الانقسام الداخلي الذي لا يؤدي سوى إلى إضعاف الموقف الوطني وتفويت أي فرصة تفاوضية محتملة. فالتجربة اللبنانية في العقود الماضية أثبتت أن تعطيل الخيارات الكبرى من دون بدائل عملية لم ينتج سوى مزيد من الأزمات وتعميق حالة المراوحة.
إن المطلوب اليوم ليس الدخول في التفاوض لمجرد الدخول، بل الذهاب إليه برؤية موحدة وموقف وطني جامع، لأن أي انقسام داخلي سيحوّل المسار من فرصة إلى عبء، ويضعف قدرة لبنان على حماية مصالحه في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية. وفي غياب البدائل الواقعية، يصبح النقاش الحقيقي ليس حول رفض التفاوض أو تأييده، بل حول كيفية استثماره بما يخدم استقرار الدولة ومصالحها العليا.
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.
شمال الليطاني… لحظة الحسم بين منطق الدولة وخيارات الفوضى
انهيار مشروع «الإدارة الذاتية»… سقوط أوهام التقسيم وعودة منطق الدولة
قانون الفجوة المالية… خطوة متأخرة على طريق الإصلاح
بين نداء البابا وطبول الحرب… لبنان يقف على حافة الهاوية
زيارة مدير المخابرات المصرية إلى بيروت.. إنذار مبكر ومؤشرات بالغة الخطورة
زمن التحوّلات الكبرى… من غزّة إلى لبنان!