لا  تطردوا  البشر – د. إبراهيم بن جلال فضلون

الإنسان يعود، بل عاد السُّلّمّ من جديد، وكأن التغيير هو القانون الأساسي للتاريخ، فهناك أخطاء ترتكبها الشركات فتدفع ثمنها في ميزانية العام التالي، وأخطاء أخرى تدفع ثمنها في سمعتها، وأخطاء أخطر منهُما؛ لأنها تبدأ بوصفها قرارًا تقنيًا وتنتهي بإعادة تعريف المؤسسة نفسها، وربما كان الاندفاع إلى استبدال البشر بالذكاء الاصطناعي أحد هذه الأخطاء، ففي السنوات الأخيرة، تصرفت شركات كثيرة وكأن المعادلة أصبحت محسومة: موظف يكلِّف مالًا ووقتًا وإدارة، ونظام ذكاء اصطناعي يعمل طوال اليوم ولا يطلب إجازة ولا راتبًا ولا مكتبًا. إذن لماذا لا نخفض عدد البشر ونرفع عدد الآلات؟

الفكرة بدت باردة، منطقية، ومغرية في عروض مجالس الإدارة، لكن السوق بدأ يقدم إجاباته النموذجية، فالآلة أسرع من الإنسان في بعض المهام، لكنها ليست دائمًا أفضل منه في العمل، لتبدأ من هنا عملية ارتداد هادئة، فهناك شركات كثيرة جداً سرحت موظفين، لأنها ظنت أن الـ(Ai) سيؤدي وظائفهم، ثم عادت إلى إعادتهم أو توظيف غيرهم، وهناك مؤسسات رفعت سقف الأتمتة، ثم اصطدمت بجودة الخدمة، وإدارات اختصرت فرق المحتوى، ثم اكتشفت أن إنتاج آلاف القطع النصية ليس هو نفسه إنتاج المحتوى الذي يثق به القارئ، ومؤسسات أعادت النظر في مشاريع الـAI بعدما اكتشفت أن توفير تكلفة الموظف لا يعني بالضرورة خلق قيمة اقتصادية، وهو ما أكدهُ بحث حديث لـOrgvue يضع رقمًا لافتًا أمام هذه الظاهرة فقد أجرت 32% من المؤسسات عمليات استغناء عن موظفين اعتمادًا على وعود خفض التكلفة بالذكاء الاصطناعي، لكنها اصطدمت واضطرت لاحقًا إلى إعادة توظيفهم، وفي بحث سابق لنفس الشركة أكدت أن 55% من المؤسسات اتخذت قرارات خاطئة.

إنها ليست هزيمة للذكاء الاصطناعي، بل هزيمة لفكرة استخدام التكنولوجيا بوصفها بديلًا شاملًا عن الإنسان، فقد أخطأ أصحاب الشركات وأمثالهم من رجال الأعمال عندما خلطوا بين «المهمة» و«الوظيفة».

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكتب فقرة، لكن الوظيفة ليست فقرة. يُمكنه تحليل جدول، لكن الوظيفة ليست جدولًا. يُمكنه الرد على عميل، لكن الوظيفة ليست الرد وحده. يُمكنه اقتراح فكرة، لكن المؤسسة لا تُقاس بعدد الأفكار التي تقترحها الآلة؛ بل بعدد الأفكار التي يمكن تحويلها إلى قيمة وسمعة وعائد وقرار. من هُنا يبدأ الفصل الجديد في اقتصاد العمل.

وقبل أن نصل إلى شركات الندم، علينا أن نتأمل إشارة أخرى شديدة الأهمية جاءت من تطبيق LinkedIn عبر البحث الذي أعده باحثون من جامعة ستانفورد وRevelio Labs، مُستخدمًا بيانات ضخمة عن الملفات المهنية، ليكتشفوا ظاهرة أطلق عليها الباحثون «السفر عبر الزمن» في الملفات المهنية، فمن بين نحو 29.4 مليون ملف مهني جرى تحليلها، كان نحو 19.7% من المستخدمين الأميركيين المُستقرين يعودون إلى وظائف سابقة تركوها ويعدلون عناوينها أو أوصافها، والأكثر دلالة أن تعديلات لاحقة أدخلت كلمات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي بوتيرة أكبر بعد عام 2022. فما الذي يحدث هنا؟

الموظف يعيد كتابة ماضيه بلغة المستقبل، وهي ظاهرة يمكن أن نقرأها اقتصاديًا بوصفها إعادة تموضع مهني، لكن الشركات تفعل الشيء نفسه، فهي تُعيد كتابة هيكلها التنظيمي، وتسمي وظيفة قديمة باسم جديد، وتدمج ثلاث وظائف في وظيفة واحدة، وتلغي دورًا وتستحدث دورًا آخر، وتضع كلمة AI على عدد متزايد من المهام، والنتيجة بعد عام أو اثنين، تكتشف أن ما ظنته وظيفة واحدة كان في الحقيقة شبكة معقدة من المعرفة والسياق والعلاقات والخبرة. حينها يعود الإنسان.

المشكلة ليست في أن الشركات أتمتت، بل أنها في بعض الحالات أتمتت قبل أن تفهم ما الذي كانت تشتريه من الإنسان، وهذا فرق اقتصادي ضخم. الموظف لا يبيع ثماني ساعات من الوقت فقط، بل إنه يقدم ذاكرة المؤسسة، ويعرف العميل، ويفهم المزاج الداخلي للفريق، ويعرف لماذا فشلت تجربة سابقة، ويعرف أي قرار سيخلق مشكلة بعد ثلاثة أشهر. ببساطة هو يعرف ما لا يظهرُ في قاعدة البيانات..

وهذه هي المنطقة التي لا تستطيع الخوارزمية شراءها بمجرد إضافة المزيد من البيانات، ففي عام 2026، أظهرت أبحاث Robert Half أن 3 من كل 10 أصحاب العمل ممن ألغوا وظائف عدة بعد تطبيق الذكاء الاصطناعي أعادوا تلك الوظائف لاحقًا، بل وأكدت أن الشركات ما زالت تبحث بقوة عن مهارات لا تكفي الخوارزمية وحدها لتوفيرها، وفي مقدمتها التفكير النقدي والتكيّف والإبداعي، كصانع المُحتوى مثلاً. وفي مارس الماضي، أظهر بحث آخر أن 23% من الشركات التي قامت بتسريحات، اعتمدت في قراراتها على افتراضات عامة حول قدرات (Ai) بدل تحليل ما كان الموظفون يؤدونه فعلًا، والنتيجة أن نشأت ظاهرة سمتها الدراسة «التسريح وإعادة التوظيف». وهذا هو جوهر المشكلة.

لم يكن (Ai) دائمًا الذي يُخطئ؛ بل أحيانًا كان المدير هو الذي يُخطئ في فهم الذكاء الاصطناعي، والمحتوى من أكثر المجالات التي تكشف هذه المفارقة، فمن السهل أن تقول شركة: (لماذا نوظّف عشرة كُتَّاب، إذا كان بإمكان نظام واحد إنتاج مئات المقالات؟». السؤال الحقيقي ليس: كم مقالًا يستطيع النظام أن يكتب؟ بل: (كم قطعة من هذا المحتوى يستطيع القارئ أن يثق بها؟). فهناك فرق بين إنتاج النصوص وإنتاج المعنى، وبين الكثرة والتأثير، وبين سرعة النشر وصلاحية المعلومات، وبين مقال مكتوب جيدًا ومقال يغير سلوك الجمهور.

وقد ظهرت في 2025 و2026 إشارات قوية إلى أزمة الثقة في المحتوى المولد آليًا، من اضطراب صناعة النشر إلى الجدل حول الكتب والمحتوى الاصطناعي وجودته وأصالته، فيما بدأت بعض المؤسسات الإعلامية تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بحذر أكبر بدل اعتباره بديلًا تلقائيًا عن غرف الأخبار. لكن علينا هنا أن نكون دقيقين، فلا يوجد دليل عام يثبت أن الاعتماد على (Ai) وحده أفلس شركات بعينها على نطاق واسع، فالإفلاس عادة نتيجة تداخل الديون، والإيرادات، وتكاليف التشغيل، والمنافسة، والإدارة، والتمويل، والسوق. لكن توجد أدلة واضحة على أن بعض الشركات اتخذت قرارات خاطئة، وأن مشروعات AI كثيرة تعثرت أو لم تحقق القيمة المتوقعة، وأن الاعتماد المفرط على الأتمتة تسبب في تراجع الجودة في بعض الخدمات، وفق أحدث أبحاث Orgvue أن 78% من تلك المؤسسات تعطلت مشاريع الذكاء الاصطناعي لديها أو فشلت، بينما 57% منها تعثرت بسبب استعجال التنفيذ، كقصة شركة Klarna من هنا يمكن فهم ما يحدث ولماذا الآن عودة الموظف؟ هنا يجب أن ننتبه إلى الكلمة الأخطر: (الاستعجال)، فالذكاء الاصطناعي لا يعاقب المؤسسة لأنها استخدمته، يعاقبها عندما تستخدمه من دون أن تعرف أين ينتهي دوره ويبدأ دور الإنسان.

فما قيمة الإنسان الذي بقي؟ فحين تقول المؤسسة: سيقوم (Ai) بكل الأعمال البسيطة، فإن السؤال الذي يجب أن تخشاه هو: من أين سيأتي كبار الموظفين بعد عشر سنوات؟ لأن المدير الخبير الذي نحتاجه في المستقبل يبدأ اليوم موظفًا مبتدئًا، وإذا حذفت المؤسسة كل درجات السلم الأولى، فلا ينبغي أن تتفاجأ عندما تجد نفسها بعد سنوات بلا أشخاص جاهزين للصعود إلى الأعلى.