لا تسامح مع التطرف

ستظل مواجهة التطرف والأفكار المنحرفة من أقسى المعارك التي تواجه دول المنطقة، لأنها معركة لا يقتصر خوضها على ميادين القتال التقليدية، ولا يتحقق النصر فيها بالسلاح وحده، بل بمشروع تنويري وتنموي شامل يستهدف عقول البشر وبناءهم الفكري والثقافي، ويقود المجتمعات نحو مستقبل يرتكز على قيم التسامح والابتكار والعيش المشترك.دولة الإمارات، التي غدت واحة للأمن والأمان، ونموذجاً عالمياً للتسامح والتعايش، أدركت مبكراً أن مواجهة الإرهاب والأفكار المنحرفة تتطلب بيئةً محصنةً بالوعي والانفتاح، فعملت على تحصين العقول بالمعرفة، والانفتاح على الآخر، وبناء دولة القانون والمواطنة، وإصدار قوانين مكافحة التمييز والكراهية، وإطلاق المبادرات التاريخية لتعزيز التقارب بين الشعوب والأديان، مثل وثيقة الأخوة الإنسانية، التي جعلت من الإمارات مرجعية عالمية تلهم المجتمع الدولي صياغة استراتيجيات السلام والاستقرار، وتسهم في مد الجسور بين مختلف الثقافات مهما تباعدت بينها المسافات الجغرافية والحضارية.إذا كان التطرف ظاهرة عابرة للحدود والعقول، فإن مواجهته تتطلب عملاً جماعياً فاعلاً وتنسيقاً استراتيجياً لا يتوقف عند التعاون الأمني والاستخباري فحسب، بل يمتد لبناء شبكة أمان فكرية وثقافية إقليمية ودولية تتصدى لشبكات الظلام أينما وجدت. وفي عالم تتطور فيه أدوات الخداع والتزييف بصور مهولة، تطور الجماعات المتطرفة أدواتها وتخترق الفضاءات الرقمية والمهنية والمؤسسات والقطاعات الحيوية.والمثال على ذلك ما كان في الحادثة الصادمة لرحلة «فلاي دبي» الأخيرة، التي قرعت جرس إنذار حاد، يؤكد مجدداً أن خطر التطرف والأفكار المنحرفة يظل حاضراً ومتحوراً، فقد أثبتت التحقيقات شروع مساعد قائد الطائرة في تنفيذ عملية إرهابية داخل قمرة القيادة، بينما رسم قائد الرحلة، الطيار الهندي سميت ماتشهار صورة بطولية مع طاقم الضيافة والمسافرين، وتمكن من إحباط كارثة محتملة وتأمين الهبوط الاضطراري بسلام في مطار تبوك السعودي.الدرس من هذه الحادثة، أن المعركة ضد التطرف لم تعد معركة تقليدية يمكن التنبؤ بمسارها، بل هي معركة وجودية تتطلب يقظة شاملة تفوق قدرة التنظيمات على التخفي والتحور. كما تتطلب تعاوناً دولياً، يقوم على الصدق والشفافية، لكشف الخلايا والأساليب الخبيثة التي تتبعها هذه التنظيمات. وفي هذا السياق أكد الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، أن «صراع المنطقة مع التطرف مستمر، وتبرير الإرهاب بخطاب الكراهية جزء من الخطر لا هامشه. والعملية الإرهابية الأخيرة إنذار جديد بأن المواجهة لم تنته».مرة أخرى يضع الموقف الإماراتي النقاط على الحروف ويحدد الاتجاه الصحيح لتفكيك حواضن الفكر المتطرف، ويضع الاستراتيجيات الشاملة التي تضمن حماية المجتمعات وصون إنجازاتها التنموية من أي اختراق متطرف أو فكر منحرف. ولا يتحقق هذا الهدف إلا بتعاون دولي حقيقي يقوم على تبادل المعلومات، ورفض أي تهاون أو ازدواجية معايير في تصنيف الجماعات المتطرفة وأذرعها. ووفق هذا النسق يمكن الوصول إلى نتيجة حاسمة تعلي قيم التسامح وتنبذ خطابات التطرف والكراهية إلى غير رجعة.