لم تكن الطعنة التي استقرت في عنق نجيب محفوظ يوم 14 أكتوبر 1994 هي آخر ما تعرض له الرجل من ألم، وربما لم تكن، وفق الرؤية التي يقدمها الدكتور محمد الباز في كتابه «أيام الألم.. كيف قتلنا نجيب محفوظ؟»، أقسى ما مر به أيضًا، فالسكين تركت جرحًا في الجسد، لكن ما جاء بعدها كان جرحًا آخر أكثر امتدادًا: خوف، وعزلة، وتراجع في القدرة على الحركة والكتابة والقراءة، وسنوات طويلة عاش خلالها أديب نوبل بعيدًا عن الحياة التي عرفها طوال عمره.
من هنا يبدأ محمد الباز كتابه، لا من نجيب محفوظ الأسطورة، ولا من صاحب نوبل الذي يعرفه الجميع، وإنما من الإنسان الذي بقي خلف الصورة؛ الرجل العجوز الذي واصل مقاومة الألم والمرض، بينما كان العالم الثقافي يحتفي باسمه أكثر مما يقترب من تفاصيل حياته اليومية.
لا يقدم «أيام الألم» سيرة تقليدية لنجيب محفوظ، ولا يعيد فقط سرد تفاصيل محاولة اغتياله الشهيرة، وإنما يعيد النظر في السنوات التي عاشها الكاتب الكبير بعد نجاته من الطعنة.
ويضع الباز أمام القارئ مفهومين أساسيين: «الاغتيال الأول»، الذي استهدف جسد محفوظ وفكرته في أكتوبر 1994، و«القتل الثاني»، وهو التعبير الذي يستخدمه لوصف سنوات الألم والإهمال التي أعقبت محاولة الاغتيال.
في القسم الأول، يعود الكتاب إلى يوم الواقعة، مستندًا إلى شهادات ووثائق وروايات عدد من المقربين من محفوظ، بينهم رجاء النقاش ومحمد سلماوي ويوسف القعيد، إلى جانب شهادات الأطباء الذين تعاملوا مع حالته.
لكن أهمية الواقعة بالنسبة للكتاب لا تتوقف عند لحظة الطعن نفسها؛ فمحاولة اغتيال محفوظ جاءت في سياق استهداف لحرية التفكير والإبداع، ولذلك تحولت الواقعة إلى واحدة من أكثر اللحظات دلالة في تاريخ الثقافة المصرية الحديثة.
ورغم إن محفوظ نجا من الموت، لكنه لم يعد إلى حياته السابقة، لأنه فقد عالمه بعد محاولة الاغتيال، وتغيرت تفاصيل حياة، فالرجل الذي اعتاد الخروج والجلوس وسط الناس، ومتابعة تفاصيل الشارع المصري، أصبح محاطًا بإجراءات أمنية وقيود فرضتها ظروفه الصحية والأمنية، ومع مرور السنوات، بدأ الجسد في التراجع أكثر.
ويتوقف الكتاب أمام مشاهد المرض والسقوط المتكرر، وتراجع السمع والبصر، والأرق، وصعوبة الحركة، وصولًا إلى العجز عن الكتابة بالطريقة التي اعتادها، وهنا يطرح الباز السؤال الأكثر إزعاجًا في الكتاب: ماذا فعلنا من أجل نجيب محفوظ بعد أن نجا من محاولة اغتياله؟، فالمسألة، في تصور الكتاب، لا تتعلق بمسؤول واحد يمكن تحميله كل شيء، وإنما بعلاقة مجتمع كامل بمبدع تحول من إنسان يعيش بين الناس إلى رمز نحتفي به من بعيد.
من بين الشهادات التي يمنحها الكتاب أهمية خاصة، شهادة الناشر الأمريكي سيدني شيف، الذي أبدى دهشته من الحالة التي وصل إليها محفوظ، السؤال الذي ينقله الباز عن شيف يبدو بسيطًا، لكنه يختصر جوهر الكتاب: كيف يمكن لمجتمع أن يمتلك أديبًا بحجم نجيب محفوظ، ثم يكتفي بمشاهدة تراجع حالته دون أن يدرك حجم ما يحدث؟
هنا لا يتحول الكتاب إلى اتهام مباشر لشخص بعينه، بقدر ما يضع مجموعة من الأطراف أمام سؤال المسؤولية: المثقفون، الأصدقاء، الأطباء، المؤسسات، الأسرة، والمجتمع الذي اعتاد الاحتفاء بمحفوظ بوصفه «رمزًا» أكثر من التعامل معه بوصفه إنسانًا له احتياجات ومخاوف وآلام.
«أيام الألم» لا يرسم صورة قاتمة بالكامل، ففي مواجهة المرض والعجز، بقي نجيب محفوظ متمسكًا بطقوس حياته التي منحته قدرًا من الاستقرار.
كانت جلساته الأسبوعية واحدة من أهم مظاهر هذه المقاومة؛ الأحد في شبرد، الاثنين في المطار، الثلاثاء على مركب في النيل، الأربعاء في المعادي، الخميس في كازينو بالمنيل، والجمعة في بيت يحيى الرخاوي.
هذه الجلسات لم تكن مجرد تجمعات للأصدقاء، وإنما كانت مساحة لاستمرار الحياة نفسها، ظل محفوظ يريد أن يسمع ويتحدث ويتابع ما يدور حوله، وحين لم يعد قادرًا على الكتابة بالطريقة المعتادة، لجأ إلى الإملاء، وتمسك باستمرار مقاله الأسبوعي في «الأهرام»، كان الجسد يتراجع، لكن الكاتب لم يتوقف عن محاولة الحفاظ على صلته بالكلمة.
ربما تكمن أكثر أفكار الكتاب قسوة في محاولته إخراج نجيب محفوظ من الصورة التي صنعناها له، فالأديب الذي نعرفه من الكتب والجوائز والصور والاحتفالات، كان في سنواته الأخيرة رجلًا يواجه ألمًا حقيقيًا، ويحتاج إلى من يساعده على أن يعيش يومه بصورة طبيعية.
ومن هذه الزاوية، لا يصبح «أيام الألم» كتابًا عن محفوظ وحده، إنما كتاب عن الطريقة التي نتعامل بها مع مبدعينا عندما يكونون في ذروة عطائهم، ثم عندما يمرضون ويكبرون ويحتاجون إلى المجتمع الذي منحهم كل هذا الاحتفاء.
فالاحتفاء بالمبدع لا يُقاس فقط بعدد الندوات التي تقام عنه، ولا بعدد الكتب التي تصدر حول تجربته، وإنما ربما يبدأ من سؤال أكثر بساطة: هل كنا إلى جواره عندما احتاج إلينا؟
لغة محمد الباز في «أيام الألم» تنتمي إلى الكتابة الصحفية التي تجمع بين السرد والشهادة والتحليل، وهو ما يجعل السنوات الأخيرة من حياة نجيب محفوظ تتحول إلى حكاية تتجاوز التفاصيل الشخصية إلى أسئلة ثقافية وأخلاقية أوسع.
فالكتاب لا يكتفي بالسؤال عن الجريمة التي وقعت في أكتوبر 1994، وإنما يمد السؤال إلى ما بعدها: ماذا يعني أن ينجو المبدع من قاتله، ثم يقضي سنواته الأخيرة في مواجهة الألم والعجز؟، وهل يكفي أن نرفع المبدعين إلى مرتبة الرموز بعد رحيلهم، بينما لا نراهم بالقدر نفسه وهم أحياء؟، ربما لهذا يبدو عنوان الكتاب «أيام الألم.. كيف قتلنا نجيب محفوظ؟» أكثر من مجرد عنوان مثير، إنه سؤال يضع القارئ أمام مرآة، ويجعل نجيب محفوظ في مركز الحكاية، لكن ليس باعتباره أديب نوبل فقط، وإنما باعتباره إنسانًا عاش الألم، وتمسك بالحياة، وواصل الكتابة حتى اقترب من نهايته.
الكتاب لا يترك القارئ أمام سؤال واحد عن الماضي، بل أمام سؤال يخص الحاضر أيضًا: هل نتعلم كيف نحمي مبدعينا وهم أحياء، أم نظل نكتشف قيمتهم بعد أن يصبح الاحتفاء بهم أسهل من رعايتهم؟.