كيف اخترقت أوكرانيا «منطقة القتل» الروسية وأعادت دباباتها إلى المعركة؟

عانت الدبابات الأوكرانية في اختراق خط الجبهة في دونيتسك على مدار عامين، فبدت وكأنها أسلحة من زمن آخر؛ وهدفاً سهلاً للمسيّرات القاتلة التي تراقب كل حركة قرب خطوط التماس، حتى تحولت المساحة إلى «منطقة قتل» يستحيل على المدرعات الثقيلة اختراقها والعودة منها سالمة، قبل أن تنجح كييف مؤخراً في اختراقها بهجوم مضاد، وإعادة دباباتها مجدداً إلى المعركة والسيطرة على مئات الأميال المربعة من الجيش الروسي.وبحسب تقرير نشرته «تليجراف»، فعلى مدى أكثر من عامين، كانت أي دبابة تقترب من خط المواجهة الأوكراني في منطقة أوليكساندريفكا تتعرض للملاحقة والتدمير بواسطة المسيرات الروسية، لكن كييف أعادت إعادة تشكيل خط المواجهة للسماح باستخدام المركبات المدرعة والدبابات بعد اعتمادها استراتيجية متطورة تقوم على هجمات دقيقة شنتها للمسيرات وقوات الكوماندوز الأوكرانية لإجبار القوات الروسية على التراجع وتمهيد الطريق للمدرعات الثقيلة.هجوم مضاد بدبابات «تشالنجر 2» البريطانيةأدت الدبابات - التي يُعتقد أن بعضها من طراز «تشالنجر 2» بريطانية الصنع - دوراً محورياً في الهجوم المضاد الكبير في منطقة «أوليكساندريفكا»، والذي أدى إلى استعادة أوكرانيا مساحة 288 ميلاً مربعاً من الأراضي. واستغرقت عملية نقل الدبابات إلى هناك ثمانية أشهر.ولاختراق المنطقة القاتلة، استهدفت أوكرانيا بداية خطوط الإمداد، فضربت القوافل الروسية على مسافة 100 ميل خلف خط المواجهة، ما حرم أطقم المسيرات ورماة المدفعية -الذين جعلوا «منطقة القتل» شديدة الخطورة- من الإمدادات. ثم بدأت كييف في عمليات الرصد والتنصت؛ حيث اخترقت الوحدات الأوكرانية هواتف الجنود الروس وقرأت رسائلهم التي تعبر عن الذعر - مثل عبارة «كانت قريبة جداً» تعليقاً على انفجار قريب- لتحديد مواقعهم وتعديل نيران المدفعية وفقاً لذلك.وفي الوقت نفسه، طاردت فرق المسيرات الأوكرانية، الأطقم الروسية حتى أجبرتها على التراجع. وعندها فقط تحركت المشاة الأوكرانية، متسللة عبر خطوط العدو سيراً على الأقدام لتمهيد الطريق أمام الدبابات للتقدم خلفها. وقصفت وحدات الدبابات الأوكرانية المواقع الروسية، وأسهمت في الحفاظ على الأراضي التي استعادتها أوكرانيا.صمود المدرعاتالتكتيك الأوكراني امتد إلى ما هو أبعد من أوليكساندريفكا، ففي هذا الأسبوع، نشر الفوج الهجومي الأوكراني رقم 475، المعروف باسم «كود 9.2»، لقطات تظهر دبابتين تهاجمان مواقع روسية في فيلخوفاتكا بمنطقة خاركيف.ورافقت مسيرة ثقيلة من طراز «فامباير» القاذفة، وطائرات مسيرة من نوع FPV (التي تتيح رؤية من منظور الشخص الأول)، وطائرات استطلاع، تلك الدبابات التي كانت مجهزة بدروع إضافية للحماية من هجمات المسيرات الروسية.وعبرت الدبابات فوق حقول ألغام خفيفة، وأطلقت نيرانها مباشرة نحو مبانٍ كانت تتحصن فيها قوات المشاة الروسية، ثم انسحبت تحت وطأة هجمات متكررة بمسيرات. ووفقاً للفوج العسكري، عادت الدبابات دون أن تلحق بها أي أضرار.وكانت العملية بمثابة غارة خاطفة لا هجوم توغل واسع النطاق، لكنها أظهرت قدرة المدرعات على الصمود في مناطق كان من شبه المؤكد أنها ستُدمر فيها حتى وقت قريب.وأثبتت هذه الاستراتيجية بحسب محللين عسكريين، أن للمدرعات الثقيلة دوراً لا يزال قائماً في ساحة المعركة، وذلك عندما تنجح الوحدات العسكرية في حرمان «منطقة القتل» القريبة من خط المواجهة من التعزيزات والقدرات القتالية.بداية الهجوم الأوكراني المضادوبدأ الهجوم الأوكراني المضاد في أوليكساندريفكا - وهو أحد أكثر الهجمات نجاحاً منذ بدء الغزو الشامل- عندما علمت كييف أن روسيا تحشد قواتها لشن هجوم على زابوروجيا. وبدلاً من الانتظار، بادرت أوكرانيا بالهجوم أولاً، مستهدفة قطاعاً ضعيف التحصين من الجبهة القريبة، ما أجبر موسكو على نقل قواتها على عجل من مواقع أخرى للدفاع عن أراضٍ كانت تعتقد أنها آمنة.وفاجأ الهجوم القوات الروسية، التي خاضت القتال، وهي تفتقر إلى الرؤية والمعلومات الكافية نتيجة لانقطاع واسع النطاق في خدمة الإنترنت، وذلك بعد أن حظرت شركة «سبيس إكس» استخدام القوات الروسية غير المصرح به لتقنية الأقمار الصناعية «ستارلينك».قضى بعض الجنود الروس أياماً دون أن يدركوا أن القوات الأوكرانية تقترب من مواقعهم. وعندما اكتشفوا التقدم الأوكراني، حال الخوف بينهم، وبين إبلاغ قادتهم بالأمر، ما أبقى صقور المؤسسة العسكرية الروسية في حالة من الجهل بما يجري على الأرض. وفي الوقت نفسه، استهدفت وحدات أوكرانية خطوط الإمداد على مسافة تبلغ حوالي 10 أميال خلف خط المواجهة، وذلك للحيلولة دون وصول طائرات مسيّرة وبطاريات جديدة إلى أطقم التشغيل.حرمان المدفعية الروسية من الإمداداتوعلى مسافة أبعد قليلاً، تراوح بين 20 و25 ميلاً، أدت الضربات إلى حرمان المدفعية الروسية من الإمدادات اللازمة. أما على مسافة 60 ميلاً تقريباً، وحيدت عمليات القصف المتواصلة طائرات الاستطلاع المسيّرة ذات الأجنحة الثابتة التي كانت ترصد الأهداف لصالح منصات إطلاق الصواريخ الروسية.وفي شهر مايو/أيار وحده، شنت أوكرانيا أكثر من 200 ضربة استهدفت مركبات الدعم اللوجستي الروسية؛ حيث وقعت بعض هذه الضربات على مسافة تزيد على 100 ميل خلف خط المواجهة، وتحديداً على الطرق السريعة الرئيسية التي تمد القوات الروسية في المنطقة باحتياجاتها.وفي هذا الصدد، قال روبرت تولاست، الباحث في فريق الحرب البرية بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI): «إن الأمر يتعلق في جوهره بتقويض قدرة القوات الروسية على الحفاظ على قوتها القتالية».وبالنسبة للجنود الروس المرابطين على الجبهة، كانت العواقب وخيمة؛ إذ أشار تولاست إلى أن نقص المياه والغذاء والذخيرة يجعل «الحياة بائسة للغاية».مطاردة محمومة للمسيرات الروسيةثم بدأت أوكرانيا في ملاحقة وحدات الطائرات المسيّرة الروسية، فأسقطت مسيّرات «شاهد» في الجو، ودمرت الرادارات وأنظمة الحرب الإلكترونية التي تساعد تلك الوحدات على رصد الأهداف وتحديد مواقعها.كانت العملية بطيئة وشاقة؛ إذ كانت الوحدات الأوكرانية تطلق مسيّرة تلو الأخرى، بينما يراقب صفوف من المشغلين شاشات البث المباشر. ومع إسقاط كل مسيّرة، كان موقعها يُسجّل في نظام مركزي، ثم تُستخدم البيانات في التخطيط للمهمة التالية.ومع مرور الوقت، بدأت الأطقم الروسية بالانسحاب لتجنب استهدافها، وأخذت معها معدات الحرب الإلكترونية الثمينة، ما أدى إلى دفع «منطقة القتل» الروسية إلى مسافة أبعد عن خطوط القوات الأوكرانية.اختراق تطبيقات المراسلة الروسيةكما تمكنت أوكرانيا من اختراق تطبيقات المراسلة التي تستخدمها القوات الروسية للتواصل فيما بينها، وقراءة رسائلهم بالتزامن مع سقوط القذائف الأوكرانية على مواقعهم.وقال ضابط أوكراني: «يمكننا تعديل نيران المدفعية بالاستناد إلى تطبيق المراسلة الذي يستخدمونه. عندما يصرخ قائد السرية قائلاً: «اللعنة، لقد كان الانفجار قريباً»، نواصل العمل على موقعه ونستمر في استهدافه».ويرى خبراء أن أوكرانيا تمكنت من تنفيذ ذلك عبر استخدام مسيّرات تحمل أبراج اتصالات محمولة زائفة، تخدع الهواتف الموجودة في المنطقة المحيطة وتجعلها تتصل بها وتشارك بياناتها.ومع دفع «منطقة القتل» الروسية إلى الخلف، بدأت قوات المشاة الأوكرانيون بالتقدم سيراً على الأقدام. وتسللت مجموعات صغيرة من المظليين وقوات الاقتحام الأوكرانية عبر الثغرات في الخطوط الروسية، وتوغلت إلى عمق المناطق الواقعة خلفها. وعندما كانت المواقع الروسية محصنة بشكل جيد، كانت تلك القوات تتجنب الاشتباك المباشر وتلتف حولها بدلاً من مهاجمتها.اختبأ بعض الجنود الروس، فيما كان آخرون، أنهكهم القتال، يلازمون مخابئهم من دون أن يدركوا أن القوات الأوكرانية تمر بالقرب منهم. وأدى ذلك إلى بقاء جيوب من القوات الروسية عالقة خلف خطوط التقدم الأوكرانية، ما اضطر وحدات الاستطلاع إلى العودة لتطهيرها، في واحدة من أخطر المهام خلال الهجوم.وخلال المعركة قطع الجنود الأوكرانيون مسافات 12 ميلاً للوصول إلى مناطق القتال. وفي بعض القطاعات، كانت خطوط الأشجار أزيلت أو زُرعت بالألغام بالكامل تقريباً، ما أجبر القوات على عبور مساحات واسعة من الأراضي المكشوفة. كما قطعت أنهار، بينها نهر فولتشا، امتداد القطاع، فيما دمرت القوات الروسية المعابر المؤقتة التي أقامتها أوكرانيا.وللتغلب على هذه العوائق، لجأت أوكرانيا إلى تكتيك بسيط لكنه مبتكر: كان الجنود يعبرون النهر سباحة، ثم تتولى المسيّرات إيصال ملابس جافة إليهم، بعد وصولهم إلى الضفة الأخرى. ولم تتحرك الدبابات إلا بعد السيطرة على الأرض؛ إذ تمثلت مهمتها في تثبيت المواقع التي نجحت قوات المشاة في الاستيلاء عليها.وبحسب محللين، تميل روسيا إلى شن هجمات مضادة قوية لاستعادة الأراضي التي خسرتها، وغالباً ما تواصل الزج بالجنود في هجوم متعثر بدلاً من التراجع، وإعادة تنظيم صفوفها.ومنحت المدرعات الثقيلة القوات الأوكرانية قدرة أكبر على امتصاص هذه الضربات، لكن استخدامها لم يكن يشبه نمط حرب الدبابات المتحركة الذي يتخيله كثيرون.وكانت الألوية التي قادت الهجوم تستخدم مزيجاً من المدرعات الغربية والمعدات التي تعود إلى الحقبة السوفييتية.لكن لم تنجُ جميع الدبابات؛ فقد خسرت أوكرانيا دبابة «أبرامز» أمريكية الصنع واحدة على الأقل في أوائل فبراير، كما أظهرت لقطات روسية من الهجوم إصابة مركبات أوكرانية.ومع ذلك، أظهرت الدبابات الغربية قدرتها على تحمل ضربات المسيّرات الصغيرة ومواصلة العمل، فيما أضافت أوكرانيا دروعاً وحمايات إضافية إلى عدد كبير منها.اهتمام بريطاني بالتكتيك العسكري الأوكرانيوتحظى هذه الدروس باهتمام وثيق في بريطانيا، التي زودت أوكرانيا بدبابات «تشالنجر 2»، وتعمل حالياً على تحديث أسطولها إلى طراز «تشالنجر 3».وتستند خطة الجيش البريطاني لتطوير قواته القتالية المستقبلية، التي وردت في مراجعة الدفاع الاستراتيجية الصادرة العام الماضي، إلى فكرة مماثلة.وبموجب نموذج «20-40-40»، ستشكل المركبات المأهولة، مثل الدبابات، نحو 20% من القوة القتالية للجيش. وستشكل المسيّرات القابلة لإعادة الاستخدام 40 %، فيما تمثل الذخائر القابلة للاستهلاك، من القذائف إلى الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه، نسبة الـ40 في المئة المتبقية.لم تُعد أوكرانيا نمط حرب الدبابات الذي ساد عام 2022، لكنها أثبتت أمراً قد يكون أكثر أهمية: وهو أن المدرعات قادرة على التحرك مجدداً متى ما قامت الطائرات المسيرة، وتقنيات الحرب الإلكترونية، وقوات المشاة، وضربات المدى البعيد بتهيئة ساحة المعركة وتشكيلها مسبقاً لصالحها.