ليست قوة الدول في أن تغيّر جغرافيتها، بل في أن تمنع الجغرافيا من أن تحدد مستقبلها. ومن أبلغ الشواهد على ذلك أن المملكة العربية السعودية اختارت أن تجعل عام 2027 «عام الماء»؛ فهي لا تضيف مناسبة جديدة إلى التقويم الوطني، وإنما تكشف عن مرحلة تجاوز فيها الوعي بالماء حدود توفيره إلى إعادة بناء العلاقة معه: كيف يُنتج، وكيف يُدار، وكيف يُصان، وأي مستقبل تستطيع أن تصنعه دولة لا تمنحها الطبيعة أنهارًا دائمة، لكن قيادتها الرشيدة أحسنت، بعد توفيق الله، قراءة خصائص المكان، وسخّرت العلم والإرادة وكفاءة المؤسسات لتجعل من محدودية المورد دافعًا إلى التفوق والابتكار.
قبل أن يدخل الماء لغة المشروعات والمؤشرات، يظل من أجلّ نعم الله سبحانه، وأصل الحياة وجوهرها، مصداقًا لقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ). ولا يكتمل شكر النعمة بإدراك قدرها وحده، وإنما بحسن صونها، والبعد عن الإسراف فيها، وتسخير المعرفة لحمايتها. عند هذا المعنى يلتقي الإيمان بالفعل المؤسسي؛ فيغدو التخطيط صورة من صور الشكر، والكفاءة أداءً للأمانة، والاستدامة مسؤولية تجاه الوطن والأجيال التي ستعمر هذه الأرض المباركة من بعدنا.
لم يكن الماء في التجربة السعودية مجرد مورد تحكمه خصائص البيئة، ولا مسألة فنية تمليها ظروف المناخ، بل سؤالًا حضاريًا رافق بناء الدولة واتساع مدنها ونمو اقتصادها: كيف تُصان نعمة محدودة في أرض شاسعة، مترامية الأطراف، متنوعة التضاريس والمناخ؟ وكيف تتحول الحاجة إليها إلى حافز لبناء المعرفة والتقنية والمؤسسات؟
تشكّلت الإجابة السعودية عبر عقود، ولا يمكن اختزالها في مشروعات بعينها مهما بلغت أهميتها؛ من محطات التحلية إلى السدود وشبكات النقل والخزانات. بدأت مع بناء الدولة الحديثة، واتسعت مع مشروعات التنمية، ثم دخلت في ظل رؤية المملكة 2030 طورًا أكثر نضجًا؛ فلم تعد المياه خدمة منفصلة عن بقية مسارات التنمية، بل صارت جزءًا من التفكير في الطاقة والزراعة والعمران والاقتصاد وجودة الحياة.
الماء الذي يصل إلى المنزل لا تبدأ قصته عند الصنبور، ولا تنتهي بعد استخدامه. تقف خلفه رحلة طويلة من الإنتاج والنقل والتخزين والرقابة والمعالجة، وتتداخل فيها اعتبارات التكلفة والطاقة والبيئة وموثوقية الإمداد. لذلك لا يُقاس النجاح بكمية ما يُنتج وحدها، وإنما بقدرة النظام كله على الحد من الفاقد، ورفع كفاءة الاستخدام، وتوسيع إعادة الاستعمال، والاستعداد لنمو الطلب بما يضمن استمرار الإمداد وجودته.
تكتسب تسمية عام 2027 دلالتها من هذا التحول. فالمملكة لا تعيد تعريف الناس بقيمة مورد يدركون أنه أساس الحياة، وإنما تعيد تعريف طريقة التعامل معه. والانتقال الحقيقي ليس من الندرة إلى الوفرة؛ لأن محدودية المورد ستظل جزءًا من طبيعة هذه الأرض، بل من تلبية الحاجة عند ظهورها إلى استباقها، ومن زيادة الإمدادات كلما ارتفع الطلب إلى بناء قدرة وطنية تنظر إلى دورة الماء كاملة.
أدركت المملكة مبكرًا أن زيادة الإمدادات، على ضرورتها، لا تكفي وحدها لبناء الأمن المائي. فالمحطات العملاقة، وشبكات النقل، والسدود، والخزانات، ومرافق المعالجة ليست إنجازات متفرقة، بل مكونات لقدرة وطنية واحدة. وتبلغ هذه المكونات أقصى أثرها حين تتكامل، وتستند إلى تشريعات واضحة، وبيانات دقيقة، وكفاءة تشغيلية مستمرة.
جاءت الاستراتيجية الوطنية للمياه معبرة عن هذا التحول؛ إذ نقلت التفكير من المشروع المنفرد إلى الترابط بين المصادر والاستخدامات، ومن زيادة العرض وحدها إلى التوازن بين الإمداد والطلب، ومن الاستجابة للمتغيرات إلى استشرافها والاستعداد لها. والفارق كبير بين منشأة ينتهي العمل فيها باكتمال بنائها، وقدرة وطنية تتطور كلما تقدمت التقنية، وتغيرت أنماط الاستهلاك، واتسعت فرص الابتكار.
يمنح التنوع الجغرافي والبيئي للمملكة التخطيط للمياه مجالًا واسعًا لتطوير حلول تستجيب لخصائص كل منطقة. فالماء لا يتحرك في الجبال والسهول والصحارى بالطريقة ذاتها، كما تختلف علاقته بالتربة والصخور والأودية من مكان إلى آخر. وما يلائم مدينة ساحلية قد تتكامل معه أدوات أخرى في منطقة زراعية، وما تحتاج إليه بيئة جبلية يختلف عما يناسب الصحراء أو الحواضر التي تتوسع باستمرار.
في جبال حسمى، شمال غربي المملكة، تكشف برك الماء المختبئة بين التكوينات الصخرية عن أحد وجوه هذه العلاقة. تنساب مياه المطر عبر ممرات ضيقة، ثم تستقر في تجاويف صاغتها الطبيعة خلال أزمنة طويلة، وربما كانت بعض تلك المواضع موردًا للعابرين والقوافل. ولا تكمن قيمة المشهد في فرادته الجمالية فحسب، بل في المعنى الذي يحمله؛ فحتى الصخر، في البيئات الصحراوية، قد يصبح جزءًا من طريقة المكان في استقبال الماء وحفظه.
المطر رحمة، لكن أثره لا تحدده كمية ما يهطل وحدها؛ إذ تصنع التضاريس ومسارات الجريان وطبيعة السطح فارقًا بين ماء يواصل طريقه وآخر يحتفظ به المكان. ومن هنا يبدأ فهم المورد من قراءة الأرض نفسها: كيف تستقبل الماء، وأين يتجمع، وما الذي يعزز بقاءه وانتفاع الإنسان والبيئة به.
تمنح جازان هذا المعنى صورة أخرى. فخضرتها لا تصنعها الأمطار منفردة، وإنما تنشأ من علاقة دقيقة بين الجبال والأودية والتربة والسهول الممتدة نحو الساحل. يستقبل الجبل المطر، ويحمله الوادي، وتمتص الأرض نصيبها منه، ويظل جزء آخر متاحًا للزراعة والحياة. لذلك ليست جازان رقعة خضراء فحسب، بل نظامًا طبيعيًا تتداخل داخله حركة الماء مع تكوين التربة والعمران ونمط الانتفاع بالأرض.
كشفت دراسات حصر الموارد الأرضية وتقييم جودة المياه في سهول تهامة الجنوبية عن تنوع ثري في خصائص المنطقة؛ فالمرتفعات والأودية ومناطق ترسيب السيول والسهول الساحلية تتباين في طريقة استقبال المياه والاحتفاظ بها، كما تختلف في جودة ما يتاح منها ومدى ملاءمته للزراعة. ويمنح هذا التنوع المخطط فرصة لتصميم تدخلات أدق، تنطلق من خصائص الأرض وتستثمر إمكاناتها الطبيعية.
تتجاوز إدارة المياه في جازان بناء السدود أو حفر الآبار إلى رؤية أوسع تشمل حفظ مياه السيول، وصيانة مجاري الأودية، وتعزيز وصول جزء منها إلى باطن الأرض، ومراقبة الجودة، ورفع كفاءة الاستخدام الزراعي، والحفاظ على استدامة المورد للأجيال المقبلة.
بين حسمى وجازان تتضح إحدى أهم سمات التجربة السعودية: وحدة الغاية وثراء الأدوات. فالأمن المائي هدف وطني واحد، لكن الوصول إليه يستند إلى فهم دقيق لاختلاف المكان. وما يلائم جازان يتكامل مع أدوات تناسب الجوف والقصيم ونجران والمنطقة الشرقية، كما تستجيب خطط المدن الكبرى لاحتياجات تختلف بطبيعتها عن احتياجات المناطق الزراعية. وهكذا يصبح التخطيط المحلي القائم على البيانات امتدادًا للرؤية الوطنية وتجسيدًا لمرونتها. يعيد هذا الفهم للبحث العلمي مكانته في إدارة الموارد. فالخرائط وتحاليل التربة وبيانات الجودة وقياسات الاستهلاك ليست أعمالًا أكاديمية تنتهي عند النشر، بل أدوات تكشف لصانع القرار ما لا تراه العين المجردة. وكل دراسة توضح حركة المياه، أو ترصد تغير جودتها، أو تقيس أثر نمط زراعي، توسع مساحة القرار المبني على المعرفة، وتتيح التدخل في الوقت المناسب.